مدينة دمشق التي تحيا زمنين

أحدث المنشورات

حافة الانفجار
ChatGPT Image May 23, 2026, 11_29_07 AM
حافة الانفجار
 إعادة تشكل معادلات القوة بين الولايات المتحدة وإيران وانعكاساتها على أمن الطاقة والنظام الإقليمي تشهد...
التفاصيل
سؤال بلهجة الخنجر
khanjer
سؤال بلهجة الخنجر
التوحّش ليس ضرباً أو اعتقالاً فحسب. هو لحظة تقرّر فيها السلطة أنّ المواطن خصم يجب إخضاعه، وحين تبلغ هذه...
التفاصيل
بين الحصار والتفاوض
negotiation
بين الحصار والتفاوض
 واشنطن وطهران على حافة اتفاق هش يعيد رسم توازنات الشرق الأوسط تتحرك العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران...
التفاصيل
فشل الإسلام السياسي في سوريا
politic islam
فشل الإسلام السياسي في سوريا
 من فاعل عقائدي إلى سلطة بالوكالة وإعادة تدوير الإخوان مقدمة: من مشروع حكم إلى نموذج إدارة بالوكالة يشكّل...
التفاصيل
الصراع اليوم بين عدالة الحق وباطل القوة في مجتمعاتنا
habib
الصراع اليوم بين عدالة الحق وباطل القوة في مجتمعاتنا
في عالم اليوم ،وخصوصاً في مجتمعاتنا العربية ، ومنذ ان نالت بلداننا استقلالها وتخلصت من السيطرة الاستعمارية...
التفاصيل

التصنيفات

كلمات مفتاحية

تكشف مدينة دمشق الخارجة من الحرب تحوّلها في فضاءاتها، قبل أن تكشفه في خطابها السياسيّ، فالطرقات والساحات والمستشفيات والجامعات لا تشكّل مجرد بنية عمرانيّة، إذ تحتضن ذاكرة المجتمع وتجربته الممتدة عبر الزمن. وفي المرحلة الانتقاليّة يصبح الفضاء الحضريّ مرآة دقيقة للتحوّلات الاجتماعيّة والسياسيّة، إذ تتكوّن علاقة السكان بمدينتهم بقدر ما تتكوّن الذاكرة التي تصونها الأمكنة.

ويظهر هذا التحوّل في تفاصيل الحياة اليومية. سيارات قديمة مصطفّة في طرق مزدحمة، تقابلها واجهات عرض لسيارات فارهة مستوردة من الخارج. يجمع هذا المشهد زمنين اجتماعيين في صورة واحدة؛ زمنًا لا تزال فيه آثار الحرب والضيق الاقتصاديّ حاضرة، وزمنًا يحاول إعلان بداية مختلفة، غير أنّ هذا التباين يكشف مفارقة بين ما يحتاج إليه الناس في حياتهم اليومية، وما تعكسه صورة المدينة الجديدة؛ فالمجتمع الخارج من الصراع يبحث عن الأمان والخدمات والاستقرار أكثر ممّا يسعى إلى مظاهر الرفاه الاستهلاكيّ.

ويمتدّ هذا التردّد الى مدخل مدينة دمشق عبر طريق دمشق الدوليّ، الذي يشكّل واجهتها الرمزية الأولى. تتجاور أعمال البناء الجديدة مع مساحات لا تزال تحمل آثار الدمار، في مشهد يجمع بين إعلان بداية عمرانيّة وبقاء آثار الحرب في الحيّز البصريّ ذاته، وهنا يتحوّل المدخل الى صورة مكثّفة لطبيعة المرحلة الانتقاليّة، حيث تتقدّم إعادة تشكيل المشهد على إعادة بناء الحياة.

كما يعكس بقاء مناطق مدمّرة على مرأى من السكان، في مقابل تسارع البناء في مناطق أخرى، وجود سرديّتين متوازيتين داخل الفضاء الحضريّ لمدينة دمشق: سرديّة التحرير التي تُستعاد بصريّاً عبر آثار الدمار، وسرديّة البداية الجديدة التي تحاول السلطة الانتقاليّة تثبيتها من خلال مشاريع البناء. وبين هاتين الصورتين يبقى الزمن داخل المدينة معلّقاّ بين نهاية الحرب وبداية الإعمار الفعليّ، ولا يبقى أثر الحرب في الحجر وحده، بل يمتدّ إلى العلاقات اليومية، حيث يطلّ التوحّش كأثر صامت للصراع.

ويعيش الماضي في المكان عبر حياة الناس داخله، بعيدًا عن اقتصاره على آثاره الماديّة وحدها، وتتبدّل صورة المدينة سريعًا، في حين يتغيّر معناها الاجتماعيّ ببطء، بقدر ما تستعيد المؤسسات والخدمات قدرتها على تنظيم الحياة اليومية. وتكشف هذه المفارقة أنّ المرحلة الانتقاليّة لا تقاس فقط بما يبدو في المشهد العمرانيّ، وإنّما بقدرة المدينة على استعادة شروط الحياة التي تمنح سكانها إحساسًا بالاستقرار والانتماء، فالشرعيّة الاجتماعيّة لا تتكوّن من الرموز وحدها، وإنّما من تجربة العيش داخل المدينة، ومن قدرة المؤسّسات على تلبية حاجات المجتمع.

في هذا السياق تحديدًا، يختزل مشهد يوميّ عابر طبيعة المرحلة كلّها؛ تعبر امرأة شوارع مدينة دمشق متّجهة إلى عملها؛ وهي المعيل الوحيد لأسرتها، وقد خُيّرت بين الانسحاب إلى البيت، أو الاستمرار ضمن شروط جديدة تقلّص استقلالها. تذهب كلّ صباح محافظةً على إيقاع حياة هشّ، لأنّ العمل لم يعد خيارًا مهنيًا خالصًا، بل ضرورة بقاء.

وعند نهاية الشهر، تقبض راتبها لتعيد تسليمه إلى الشيخ المسؤول، فيتحوّل الأجر من حقّ شخصي إلى مورد يمرّ عبر سلطة وسيطة. هنا يتكثّف التحوّل في بنية العلاقة بين الفرد والمجال العام: عملٌ قائم، ودخلٌ موجود، لكنّ الاستقلال منقوص. في هذه الحركة الدائريّة بين الكسب والتسليم يتجسّد زمنان معًا؛ زمن يوحي بالاستمرار، وزمن يكشف هشاشة شروطه، حيث يبقى الفرد معلّقًا بين بيت لا يؤمّن الأمان الكامل، وعمل لا يضمن امتلاك ثماره.

وفي الامتداد اليومي لهذا التحوّل، يمكن ملاحظة مشهد يتكرّر في شوارع المدينة: حركة كثيفة للناس في الأسواق والطرقات، غير أنّ الأيدي في معظمها تبقى فارغة؛ ازدحام واضح، ودورة مشي دائمة، من دون مؤشّرات موازية على دورة اقتصاديّة مكتملة. تبدو المدينة حيّة بصريًّا، لكنّ حيويّتها الاستهلاكيّة محدودة، وكأنّ النشاط العامّ يعيد إنتاج صورته أكثر مما يعيد إنتاج قدرته الفعليّة على تمكين الأفراد.

هذا التناقض الصامت يكشف فجوة بين المجال الرمزيّ الذي يجري ترميمه، والمجال المعيشيّ الذي ينتظر إعادة تفعيل شروطه، فالشرعيّة التي تُبنى عبر إعادة تشكيل الفضاء تبقى ناقصة حين لا تنعكس في تحسّن ملموس في القدرة على العمل والاقتناء والاستقرار. وهكذا يصبح الفراغ في الأيدي علامة اجتماعيّة دقيقة على مرحلة لم يكتمل توازنها بعد بين الرمز والوظيفة، وبين الإعلان عن البداية وتحقيقها في الحياة اليوميّة.

وعليه، تبدو مدينة دمشق في هذه اللحظة وكأنّها تُكتب على مستويين متوازيين: مستوى الصورة التي تتغيّر في الساحات ومناطق البناء الجديدة، ومستوى الحياة التي تنتظر إعادة الإعمار في البيوت والمستشفيات والمدارس، وبين هذين المستويين يتشكّل إحساس معلّق بالمدينة يرتبط مباشرة بفكرة المواطنة.

هكذا تحيا مدينة دمشق زمنين، وسكانها ينتظرون زمنًا واحدًا يمكن العيش فيه.

د حنين الغزالي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top