أحدث المنشورات
التصنيفات
كلمات مفتاحية
- Home
- مقالات
يُخطئ من يظنّ أنّ الخطابات السياسيّة تُقاس بما تقوله من وعود أو بما تتضمّنه من مواقف آنيّة، فالنصّ السياسيّ، في لحظات التحوّل الكبرى، يؤدّي وظيفة أعمق؛ إنّه يختار اللغة التي ستُروى بها قصة الدولة الجديدة. وما إن تستقرّ هذه اللغة حتى تبدأ، بهدوء، في تشكيل الوعي العام، وإعادة تعريف معنى السلطة، وحدود المواطنة، وطبيعة العلاقة بين الحاكم والمحكوم.
لهذا السبب، لا يستوقف الباحث في تحليل الخطاب عددُ المرّات التي ترد فيها كلمة بعينها، وإنّما يستوقفه «المعجم السياسيّ» الذي ينتظم حوله النصّ كلّه، فالكلمات لا تأتي فرادى؛ إنّها تنتمي إلى عائلة واحدة، وتحمل معها تصوّرًا متكاملًا للدولة، حتى وإن لم يُصرَّح به مباشرة.
في الكلمة الأخيرة لرئيس المرحلة الانتقاليّة أمام مجلس الشعب، يخرج المعجم السياسي من رحم « القيم الأخلاقية » ويتمركز حول كلمة “الشورى” التي تتناسل منها مفردات الوطن والدولة والتوافق والاجتماع وروح الفريق وخدمة الشعب، مسندةً بنصّ دينيّ يشكل عتبة الخطاب ومفتاح تأويله. ومع ذلك لم يكن حضور «الشورى» هو الملاحظة الأكثر إثارة للاهتمام، لأنّ هذا المفهوم جزء من المرجعيّة الثقافيّة والسياسيّة الإسلاميّة. إنّ ما يدعو إلى التأمّل هو أنّ «الشورى» لم ترد بوصفها قيمة أخلاقيّة فحسب، بل جاءت بوصفها المفهوم الذي ينتظم حوله البناء اللغويّ للخطاب. وحين يصبح مفهوم واحد مركزًا للنصّ، تبدأ بقيّة المفردات بالدوران في فلكه، فتتشكّل رؤية كاملة للدولة من خلال اختيار الكلمات قبل اختيار السياسات.
هنا تبرز مفارقة تستحقّ التفكير.
خلال أربعة عشر عامًا، تشكّل في المجال السوريّ العام معجم جديد وُلد من التجربة أكثر ممّا ولد من الكتب. كلماتٌ مثل «الحرية»، و«الكرامة»، و«الديمقراطية»، و«حرية التعبير»، و«المواطنة»، و«سيادة القانون» لم تعد مصطلحات نظريّة، وإنّما تحوّلت إلى مفردات تحمل ذاكرة الألم، وتختزن تطلّعًا إلى مستقبل مختلف، وحين ينتقل مجتمع كامل إلى استعمال معجم جديد، يصبح من الطبيعيّ أن يبحث عنه في أوّل خطاب يؤسّس للمرحلة التالية.
ليست القضيّة أن تحضر كلمة «الديمقراطية» أو تغيب، لأنّ الدول لا تُبنى بالألفاظ، ولأنّ التاريخ عرف أنظمة أكثرَت من الحديث عن الحريّة ولم تمارسها، غير أنّ اللغة السياسيّة تؤدّي وظيفة أخرى؛ فهي تعلن المرجعيّة التي تريد الدولة أن تفكّر من خلالها، ولهذا فإنّ السؤال الذي يفرض نفسه لا يتعلّق بعدد الكلمات، وإنمّا بطبيعة العالم الذي تصنعه هذه الكلمات.
تاريخ الدول يعلّمنا أنّ السلطة تُبنى مرتين؛ مرّة في المؤسسات، ومرّة في اللغة، وإذا سبقت اللغةُ المؤسسات في ترسيخ فكرة المشاركة، واحترام الاختلاف، وخضوع الجميع للقانون، وجدت المؤسّسات أرضًا خصبة تنمو فيها، أمّا إذا بقي المعجم السياسيّ يدور حول الفضائل العامّة من دون أن يوضّح كيف تتحوّل إلى ضمانات دستوريّة وآليّة عمل، فإنّ الأسئلة التي يحملها المجتمع تبقى معلّقة، مهما كانت النيّات صادقة.
ربّما لهذا السبب لا يكون السؤال الأهمّ بعد كلّ خطاب: لماذا ذُكرت «الشورى»؟ ولماذا غابت «الديمقراطية»؟ فهذه أسئلة تقف عند حدود الألفاظ. السؤال الأعمق يتّجه إلى ما وراء المفردات كلّها: أيّ تصور للدولة تحمله هذه اللغة؟ وأيّ علاقة تريد أن تؤسّسها بين السلطة والمواطن؟ وهل يشعر الإنسان، بعد أن يفرغ الخطاب من كلماته، أنّ صوته سيكون جزءًا من المستقبل، أم مجرّد شاهد عليه؟
هناك لحظات في تاريخ الأمم تصبح فيها الكلمة أكثر من أداة للتعبير؛ تتحوّل إلى وعد، وإلى ذاكرة، وإلى اختبار. وفي مثل هذه اللحظات، لا يبحث الناس عن البلاغة، بقدر ما يبحثون عن اللغة التي يرون من خلالها مستقبلهم.
د. حنين الغزالي