بين الحصار والتفاوض

أحدث المنشورات

بين الحصار والتفاوض
negotiation
بين الحصار والتفاوض
 واشنطن وطهران على حافة اتفاق هش يعيد رسم توازنات الشرق الأوسط تتحرك العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران...
التفاصيل
فشل الإسلام السياسي في سوريا
politic islam
فشل الإسلام السياسي في سوريا
 من فاعل عقائدي إلى سلطة بالوكالة وإعادة تدوير الإخوان مقدمة: من مشروع حكم إلى نموذج إدارة بالوكالة يشكّل...
التفاصيل
الصراع اليوم بين عدالة الحق وباطل القوة في مجتمعاتنا
habib
الصراع اليوم بين عدالة الحق وباطل القوة في مجتمعاتنا
في عالم اليوم ،وخصوصاً في مجتمعاتنا العربية ، ومنذ ان نالت بلداننا استقلالها وتخلصت من السيطرة الاستعمارية...
التفاصيل
الانتصار النسبي في النزاعات غير المتكافئة
REVOLUT
الانتصار النسبي في النزاعات غير المتكافئة
قراءة جيوسياسية–اقتصادية–عسكرية في موقع إيران ضمن معادلة الصراع مع الولايات المتحدة في الأدبيات الكلاسيكية...
التفاصيل
بيان دعم وتضامن من الكتلة الوطنية السورية مع حراك 17 نيسان
BAYAN
بيان دعم وتضامن من الكتلة الوطنية السورية مع حراك 17 نيسان
يا أبناء شعبنا… يا أصحاب الصوت الحر… يا من وقفتم دفاعًا عن حقّكم وكرامتكم… تؤكد الكتلة الوطنية السورية...
التفاصيل

التصنيفات

كلمات مفتاحية

 واشنطن وطهران على حافة اتفاق هش يعيد رسم توازنات الشرق الأوسط

تتحرك العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران ضمن فضاء جيوسياسي مركّب، لم يعد قابلاً للاختزال في ثنائية “الصراع–التسوية”، بل بات أقرب إلى نموذج “إدارة التعارض طويل الأمد” (Long-term Conflict Management). هذا النمط لا يستهدف إنهاء النزاع بقدر ما يعمل على ضبط إيقاعه، ومنع انزلاقه إلى مستويات تصعيدية مكلفة للنظام الدولي ككل. ضمن هذا الإطار، تتقاطع أدوات الردع الاقتصادي مع تكتيكات التفاوض المرحلي، في محاولة لإنتاج توازن ديناميكي بين الضغط والاستيعاب.

الاستراتيجية الأمريكية في هذا السياق تُبنى على إعادة تعريف مفهوم الحصار، بحيث لم يعد مجرد منظومة عقوبات تقليدية، بل شبكة متعددة الأدوات تشمل القيود المالية، المراقبة البحرية، استهداف سلاسل الإمداد، وإعادة تشكيل بيئة المخاطر أمام الفاعلين الدوليين المتعاملين مع الاقتصاد الإيراني. هذه المقاربة تنتمي إلى ما يمكن تسميته “الاحتواء المعولم” (Globalized Containment)، حيث تُدار الضغوط عبر منظومة مالية وتجارية عابرة للحدود، تقودها البنية المؤسسية للنظام الاقتصادي الدولي.

مع ذلك، تكشف التجربة الإيرانية عن حدود فعالية هذا النمط من الضغط. فبدلاً من الانهيار، يتجه الاقتصاد الإيراني إلى إعادة هيكلة داخلية قائمة على التكيّف مع القيود، عبر تفعيل اقتصاد الظل، توسيع قنوات التجارة غير الرسمية، وإعادة توجيه التدفقات النفطية نحو أسواق أقل حساسية للعقوبات. هذه الديناميات تعكس ما تصفه أدبيات الاقتصاد السياسي بـ”مرونة الاقتصادات الريعية تحت الضغط” (Resilient Rentier Adaptation)، حيث تتحول الدولة من فاعل تقليدي في السوق إلى مدير لشبكات التفاف معقدة، تتقاطع فيها المصالح الاقتصادية مع الحسابات الجيوسياسية.

في المقابل، لا يمكن فهم السلوك التفاوضي الإيراني بمعزل عن البنية الداخلية للنظام السياسي. فالتباينات بين التيارات البراغماتية والتوجهات الأيديولوجية الصلبة تُنتج حالة من “الازدواج الاستراتيجي” (Strategic Duality)، حيث تتقدم إشارات الانفتاح بالتوازي مع ممارسات تصعيدية محسوبة. هذا التناقض الظاهري ليس تعبيراً عن ارتباك، بل عن محاولة لإدارة التفاوض من موقع تعددي داخلي، يوازن بين الحاجة إلى تخفيف الضغوط الاقتصادية، والحفاظ على تماسك البنية السلطوية.

على الضفة الأخرى، تواجه الولايات المتحدة قيوداً لا تقل تعقيداً. فعملية صنع القرار في واشنطن محكومة بتشابك مؤسساتي بين السلطة التنفيذية والتشريعية، إضافة إلى تأثيرات جماعات الضغط، والاعتبارات الانتخابية، والالتزامات الأمنية تجاه الحلفاء الإقليميين. هذه العوامل تُنتج ما يمكن توصيفه بـ”التفاوض المقيد داخلياً” (Domestically Constrained Negotiation)، حيث تصبح قدرة الإدارة على تقديم تنازلات استراتيجية محدودة بسقف سياسي داخلي يصعب تجاوزه دون كلفة.

هذا التوازي في القيود الداخلية لدى الطرفين يُفضي إلى نمط تفاوضي خاص، يتسم بالتدرج، والحذر، واعتماد مقاربات “الخطوة مقابل الخطوة”. لا يتعلق الأمر هنا ببناء اتفاق شامل، بل بإدارة عملية تفاوضية مفتوحة، تُستخدم فيها الأدوات الاقتصادية كوسائل ضغط، وفي الوقت ذاته كحوافز محتملة لإعادة ضبط السلوك. بهذا المعنى، تتحول العقوبات من أداة عقابية صرفة إلى عنصر ضمن هندسة تفاوضية أوسع.

إلى جانب ذلك، يتداخل البعد الدولي بشكل متزايد في هذا الملف. فالصين، بوصفها مستورداً رئيسياً للطاقة، تمثل منفذاً حيوياً لاستمرار تدفقات النفط الإيراني، بينما توفر روسيا غطاءً سياسياً وتكتيكياً يحد من فعالية العزلة الغربية. هذا التعدد في مراكز القوة يعيد صياغة الصراع ضمن إطار “توازنات متعددة الأقطاب” (Multipolar Balancing)، حيث لم تعد الولايات المتحدة قادرة على فرض إرادتها بشكل أحادي، كما لم تعد إيران معزولة بالكامل عن النظام الدولي.

ضمن هذا السياق، يكتسب البعد الإقليمي أهمية خاصة. فالسلوك الإيراني في مسارح مثل العراق وسوريا واليمن لا ينفصل عن ملف التفاوض، بل يُستخدم كأداة ضمن استراتيجية “الضغط غير المتماثل” (Asymmetric Leverage). في المقابل، تسعى واشنطن إلى احتواء هذه الامتدادات دون الانخراط في مواجهة مباشرة، عبر دعم الحلفاء، وتعزيز القدرات الردعية، وإدارة مستوى التصعيد. هذه المعادلة تخلق بيئة أمنية هشة، لكنها مضبوطة نسبياً.

من منظور تحليلي، يمكن القول إن الطرفين يقتربان من نقطة تقاطع محدودة، تُعرّفها الحاجة المتبادلة إلى تجنب السيناريوهات القصوى. فالولايات المتحدة تسعى إلى منع تحول إيران إلى قوة نووية دون الانجرار إلى حرب شاملة، بينما تهدف إيران إلى كسر طوق العقوبات دون تقديم تنازلات تمس جوهر بنيتها الاستراتيجية. هذه المعادلة تُنتج ما يشبه “التوازن القسري” (Coercive Equilibrium)، حيث يستمر الصراع ضمن حدود محسوبة.

بناءً على ذلك، فإن أي اتفاق محتمل لن يكون تتويجاً لمسار تسوية نهائية، بل محطة ضمن عملية إدارة مستمرة للصراع. اتفاق مرحلي، محدود النطاق، قابل للتراجع، ومشروط بآليات رقابة دقيقة. مثل هذا الاتفاق لا يعالج الجذور البنيوية للتوتر، بل يعيد تنظيمه ضمن إطار أكثر قابلية للضبط. وهنا تكمن المفارقة: الاستقرار الناتج عن الاتفاق سيكون استقراراً وظيفياً، لا بنيوياً.

في المحصلة، تتجه العلاقة الأمريكية–الإيرانية نحو إعادة إنتاج ذاتها ضمن نموذج أكثر تعقيداً، تتداخل فيه الأدوات الاقتصادية مع الحسابات الأمنية، وتتشابك فيه المستويات المحلية مع الإقليمية والدولية. الصراع لم ينتهِ، لكنه لم يعد أيضاً قابلاً للانفجار السريع دون كلفة هائلة. وبين هذين الحدّين، يتشكل مسار تفاوضي هش، يعكس طبيعة النظام الدولي الراهن: متعدد الأقطاب، عالي السيولة، ومفتوح على احتمالات إعادة التشكل.

الضغط دون الحسم: لماذا فشلت العقوبات في كسر “الآلة النفطية” الإيرانية؟

لا يمكن فهم محدودية أثر العقوبات الأمريكية على القطاع النفطي الإيراني دون تفكيك البنية العميقة للاقتصاد السياسي للطاقة في إيران. فالعقوبات، رغم كثافتها وتراكمها الزمني، لم تستهدف مجرد قطاع اقتصادي تقليدي، بل واجهت منظومة ريعية مُعاد تشكيلها تاريخياً لتكون قادرة على العمل تحت الضغط. هذه المنظومة لا تقوم فقط على إنتاج النفط، بل على إدارة تدفقاته عبر شبكات متعددة المستويات، رسمية وغير رسمية، تتداخل فيها الدولة مع فاعلين شبه سياديين، وشركات واجهة، وسلاسل توريد مرنة عابرة للحدود.

الفرضية المركزية التي انطلقت منها الاستراتيجية الأمريكية كانت قائمة على أن خنق الإيرادات النفطية سيؤدي إلى إضعاف قدرة الدولة الإيرانية على تمويل بنيتها الداخلية ومشاريعها الإقليمية، بما يفضي في النهاية إلى تعديل سلوكها الاستراتيجي. غير أن هذه الفرضية اصطدمت بواقع أكثر تعقيداً، حيث أظهرت طهران قدرة ملحوظة على إعادة هندسة تدفقاتها النفطية ضمن ما يمكن تسميته “اقتصاد الالتفاف” (Bypass Economy). هذا الاقتصاد لا يلغي العقوبات، بل يعيد توزيع كلفتها، ويحوّلها من عامل شلل إلى عامل ضغط قابل للإدارة.

في هذا السياق، برزت آليات متعددة للالتفاف، من بينها إعادة تصنيف الشحنات النفطية، استخدام أساطيل نقل غير خاضعة للرقابة التقليدية، وتوسيع نطاق الوسطاء التجاريين الذين يعملون خارج المنظومة المالية الغربية. كما لعبت الخصومات السعرية دوراً محورياً في الحفاظ على حصة إيران في السوق، حيث تم تعويض المخاطر المرتفعة المرتبطة بالعقوبات عبر تقديم النفط بأسعار أقل، ما جذب مشترين مستعدين لتحمل هذه المخاطر مقابل مكاسب اقتصادية مباشرة. هذه الديناميات تعكس انتقال النفط الإيراني من كونه سلعة خاضعة للتسعير التقليدي إلى أداة ضمن “سوق سياسية” (Political Market)، تُحدد فيها الأسعار وفق اعتبارات جيوسياسية بقدر ما تُحددها قوى العرض والطلب.

إلى جانب ذلك، لا يمكن إغفال التحولات في بنية الطلب العالمي على الطاقة. فصعود قوى اقتصادية كبرى خارج الفلك الغربي، وفي مقدمتها الاقتصادات الآسيوية، أوجد مساحات مناورة إضافية لإيران. هذه الاقتصادات، بحكم حاجتها المتزايدة للطاقة، واستعدادها للفصل النسبي بين الاقتصاد والسياسة، وفرت قنوات تصدير بديلة حدّت من فعالية العزل الأمريكي. هنا يتضح أن العقوبات لم تعد تُمارس في نظام دولي أحادي القطب، بل ضمن بيئة متعددة المراكز، ما يقلل من قدرتها على تحقيق نتائج حاسمة.

على المستوى الداخلي، أظهرت الدولة الإيرانية قدرة على امتصاص الصدمات عبر إعادة توزيع الموارد وتكييف السياسات المالية والنقدية. صحيح أن العقوبات أفضت إلى اختلالات واضحة—تضخم مرتفع، تراجع في قيمة العملة، وضغوط على الموازنة—إلا أنها لم تصل إلى نقطة الانهيار. ويعود ذلك جزئياً إلى طبيعة الاقتصاد الريعي، الذي يسمح للدولة بإعادة توجيه الإيرادات المحدودة نحو أولويات محددة، مع تحميل جزء كبير من كلفة التكيف للمجتمع. هذه المقاربة، رغم كلفتها الاجتماعية، تعزز من قدرة النظام على الصمود في المدى المتوسط.

من زاوية أخرى، أسهمت العقوبات في إنتاج نتائج عكسية غير مقصودة. فبدلاً من تقليص دور الدولة، أدت إلى تعزيزه، حيث توسعت سيطرة المؤسسات المرتبطة بالأجهزة السيادية على قطاعات اقتصادية حيوية، مستفيدة من بيئة الاقتصاد المغلق نسبياً. هذا التحول يعيد تشكيل الاقتصاد نحو نموذج أكثر مركزية، وأقل انكشافاً على الضغوط الخارجية، ما يحدّ من فعالية أدوات الضغط التقليدية. بمعنى آخر، العقوبات لم تُضعف البنية الصلبة للنظام، بل ساهمت في إعادة تشكيلها بطريقة تزيد من قدرتها على التكيّف.

في المقابل، تواجه الاستراتيجية الأمريكية معضلة بنيوية تتعلق بحدود القوة الاقتصادية كأداة للإكراه. فالعقوبات، لكي تكون فعالة، تحتاج إلى درجة عالية من الإجماع الدولي، وإلى قدرة على مراقبة وتنفيذ القيود بشكل صارم. إلا أن الواقع الحالي يشير إلى تآكل نسبي في هذا الإجماع، إضافة إلى صعوبات متزايدة في ضبط سلاسل الإمداد العالمية، خاصة في ظل تعقيدها وتشابكها. هذا ما يفتح ثغرات تستغلها الدول المستهدفة لإعادة إدماج نفسها جزئياً في الاقتصاد العالمي، ولو عبر قنوات غير تقليدية.

كما أن استمرار العقوبات لفترات طويلة يؤدي إلى ما يمكن وصفه بـ”تآكل الأثر الحدّي” (Diminishing Marginal Impact)، حيث تتراجع فعاليتها مع مرور الوقت نتيجة تكيف الدولة المستهدفة وتعلمها كيفية التعامل معها. في الحالة الإيرانية، يمكن ملاحظة هذا النمط بوضوح، إذ تحولت العقوبات من صدمة مفاجئة إلى عنصر دائم في البيئة الاقتصادية، ما أتاح تطوير استراتيجيات مؤسسية للتعامل معها.

مع ذلك، لا يعني فشل العقوبات في تحقيق “الكسر” أنها بلا تأثير. فهي نجحت في إضعاف معدلات النمو، تقليص الاستثمارات الأجنبية، ورفع كلفة التشغيل في القطاع النفطي. لكنها لم تتمكن من تحقيق الهدف الأعلى المتمثل في تغيير السلوك الاستراتيجي أو دفع النظام إلى تقديم تنازلات جوهرية. هذا الفرق بين “الإضعاف” و”الإكراه” يمثل جوهر الإشكالية في أدوات الضغط الاقتصادي.

بناءً على ما سبق، يمكن القول إن “الآلة النفطية” الإيرانية لم تنكسر لأنها لم تعد تعمل وفق المنطق التقليدي للسوق، بل ضمن منظومة هجينة تجمع بين الاقتصاد الرسمي وغير الرسمي، وتتغذى على التناقضات في النظام الدولي. هذه المنظومة قادرة على العمل بكفاءة منخفضة لكنها مستدامة، وهو ما يكفي لإبقاء الدولة ضمن حالة “الصمود الوظيفي” (Functional Resilience).

في النهاية، تكشف التجربة عن محدودية الرهان على العقوبات كأداة وحيدة لإعادة تشكيل سلوك الدول. فحين تمتلك الدولة المستهدفة موارد استراتيجية، وشبكات بديلة، وقدرة على التكيّف المؤسسي، تتحول العقوبات إلى عنصر ضمن معادلة أوسع، لا يمكن أن تحسم الصراع بمفردها. وهنا يتجلى معنى “الضغط دون الحسم”: قدرة على الإزعاج والتقييد، دون بلوغ نقطة الانكسار.

انقسام الداخل يربك الخارج: صراع الأجنحة في طهران وواشنطن يعيد تشكيل مسار التفاوض

لا يمكن قراءة المسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران بمعزل عن البنى الداخلية الحاكمة لعملية صنع القرار لدى الطرفين. فالمفاوضات، في جوهرها، ليست مجرد تفاعل بين دولتين، بل نتاج توازنات داخلية معقدة، تتداخل فيها الاعتبارات الأيديولوجية مع الحسابات الاقتصادية، وتتنازعها مؤسسات رسمية وغير رسمية، لكل منها تصور مختلف لكلفة التسوية وحدودها. هذه التعددية في مراكز القرار تُنتج ما يمكن توصيفه بـ”التفاوض المشروط داخلياً” (Endogenously Constrained Negotiation)، حيث يصبح الخارج امتداداً لصراعات الداخل، وليس العكس.

في الحالة الإيرانية، يتجلى هذا التعقيد في بنية نظام سياسي مزدوج، يجمع بين مؤسسات منتخبة وأخرى سيادية ذات طابع فوق-سياسي. ضمن هذا الإطار، لا يُختزل الانقسام في ثنائية تبسيطية بين “إصلاحيين” و”محافظين”، بل يتوزع على طيف أوسع من الفاعلين، يتراوح بين براغماتيين يرون في التفاوض أداة لإعادة إدماج الاقتصاد الإيراني في النظام العالمي، وتيارات أكثر تشدداً تعتبر أن أي انفتاح غير مضبوط يشكل تهديداً لبنية النظام وأدواته السلطوية.

هذا التباين لا يعكس فقط اختلافاً في الرؤى، بل اختلافاً في تعريف “المصلحة الوطنية” نفسها. فبينما يربط التيار البراغماتي هذه المصلحة بقدرة الاقتصاد على التعافي، وجذب الاستثمارات، وتخفيف الضغوط الاجتماعية، يربطها التيار المتشدد بالحفاظ على الاستقلال الاستراتيجي، وتقليص الاعتماد على الخارج، وتعزيز أدوات الردع غير التقليدية. النتيجة هي حالة من “الازدواج الاستراتيجي” (Strategic Duality)، حيث تُرسل طهران إشارات متناقضة ظاهرياً: انفتاح تفاوضي محسوب، يقابله تصعيد تكتيكي في ملفات موازية.

هذه الازدواجية ليست خللاً، بل جزء من استراتيجية تفاوضية تهدف إلى تعظيم المكاسب وتقليل التنازلات. فمن خلال توزيع الأدوار بين الداخل والخارج، تستطيع إيران اختبار حدود الموقف الأمريكي، دون الالتزام المسبق بمسار تفاوضي نهائي. إلا أن هذه المقاربة، رغم ما توفره من مرونة، تخلق أيضاً حالة من عدم اليقين لدى الطرف المقابل، وتُبطئ من وتيرة التقدم، إذ يصعب تحديد الجهة القادرة فعلياً على اتخاذ القرار النهائي وضمان تنفيذه.

على الجانب الأمريكي، تبدو الصورة مختلفة شكلاً، لكنها متشابهة في الجوهر. فعملية صنع القرار في واشنطن محكومة بتوازنات مؤسساتية دقيقة بين السلطة التنفيذية والتشريعية، إضافة إلى تأثيرات فاعلين غير حكوميين، مثل جماعات الضغط، ومراكز الأبحاث، والتحالفات الإقليمية. هذا التعدد في مراكز التأثير يُنتج ما يمكن تسميته بـ”التفويض المجزأ” (Fragmented Mandate)، حيث لا تمتلك الإدارة التنفيذية حرية كاملة في تقديم التنازلات، حتى لو رأت فيها مصلحة استراتيجية.

الكونغرس، على سبيل المثال، يلعب دوراً محورياً في تحديد سقف الحركة التفاوضية، سواء عبر التشريعات المرتبطة بالعقوبات، أو من خلال الضغط السياسي والإعلامي. كما أن الاعتبارات الانتخابية تضيف طبقة إضافية من التعقيد، حيث يصبح أي انخراط تفاوضي مع إيران موضوعاً حساساً يمكن توظيفه في الصراع الداخلي بين الحزبين. في هذا السياق، تتحول السياسة الخارجية إلى امتداد للسياسة الداخلية، وتُقاس القرارات ليس فقط بجدواها الاستراتيجية، بل أيضاً بكلفتها السياسية المحلية.

إلى جانب ذلك، تفرض الالتزامات الأمنية تجاه الحلفاء الإقليميين قيوداً إضافية على صانع القرار الأمريكي. فدول مثل إسرائيل وبعض دول الخليج تنظر إلى أي اتفاق مع إيران من زاوية تأثيره على توازن القوى الإقليمي، وليس فقط على الملف النووي. هذا ما يدفع واشنطن إلى تبني مقاربة حذرة، تحاول من خلالها تحقيق توازن بين احتواء البرنامج النووي الإيراني، وطمأنة الحلفاء، وتجنب الانجرار إلى مواجهة عسكرية مباشرة.

في ضوء هذه المعطيات، تتحول المفاوضات إلى عملية معقدة متعددة المستويات، تتقاطع فيها حسابات الداخل مع اعتبارات الخارج. كل طرف لا يفاوض الآخر فقط، بل يفاوض أيضاً مكوناته الداخلية، ويسعى إلى بناء توافق داخلي يسمح بتمرير أي اتفاق محتمل. هذه الدينامية تُنتج بطئاً واضحاً في التقدم، حيث تُستبدل القرارات الحاسمة بسلسلة من الخطوات الجزئية، التي تهدف إلى اختبار النوايا وبناء الثقة تدريجياً.

من منظور تحليلي، يمكن فهم هذا النمط من خلال مفهوم “لعبة المستويين” (Two-level Game)، حيث تجري المفاوضات على مستويين متوازيين: دولي وداخلي. نجاح أي اتفاق يتطلب توافقاً في كلا المستويين، ما يحدّ من هامش المناورة لدى المفاوضين، ويدفعهم نحو حلول وسط، غالباً ما تكون أقل طموحاً من التصورات الأولية. في هذا الإطار، لا يُقاس نجاح التفاوض بمدى تحقيق الأهداف القصوى، بل بقدرته على إنتاج تسوية مقبولة داخلياً وقابلة للاستدامة.

غير أن هذه البنية التفاوضية تحمل في طياتها مخاطر كامنة. فغياب مركز قرار موحد، أو ضعف القدرة على فرض الالتزام الداخلي، قد يؤدي إلى انهيار أي اتفاق في مراحله اللاحقة. التجارب السابقة تشير إلى أن الاتفاقات التي لا تستند إلى إجماع داخلي صلب تظل عرضة للتقلبات السياسية، سواء نتيجة تغير الحكومات أو تبدل موازين القوى داخل النظام السياسي.

في المحصلة، لا يشكل الانقسام الداخلي مجرد عامل إرباك، بل عنصر بنيوي يعيد تشكيل مسار التفاوض نفسه. فهو يحدد سقف التنازلات، يبطئ من وتيرة التقدم، ويحول دون الوصول إلى تسويات شاملة وسريعة. لكن في الوقت ذاته، يفرض هذا الانقسام نمطاً من “التدرج القسري”، الذي قد يكون أكثر استدامة على المدى الطويل، لأنه يقوم على توافقات جزئية قابلة للتطوير، بدلاً من اتفاقات كبرى هشة.

هكذا، يصبح الخارج مرآة للداخل، وتتحول المفاوضات إلى عملية معقدة لإدارة التوازنات، لا لحسمها. وبين تعددية مراكز القرار في طهران، وتفويضها المجزأ في واشنطن، يتشكل مسار تفاوضي بطيء، متردد، لكنه مستمر—مدفوعاً بحقيقة أساسية: أن كلفة اللااتفاق قد تكون أعلى من كلفة التسوية، حتى وإن كانت هذه التسوية محدودة وهشة.

اتفاق بلا ثقة: ملامح صفقة مرحلية تقوم على “خطوة مقابل خطوة”

لا يتجه المسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران نحو إنتاج تسوية شاملة بقدر ما يميل إلى بلورة صيغة انتقالية، محدودة النطاق، تقوم على مبدأ التدرج والتبادلية. هذا النمط من الاتفاقات لا يُبنى على افتراض الثقة، بل على إدارة غيابها. بمعنى أدق، نحن أمام نموذج “تنظيم المخاطر” (Risk Structuring) لا “حل النزاع”، حيث تُصاغ الترتيبات بما يضمن تقليص احتمالات الانفجار، دون إزالة مسبباته البنيوية.

الركيزة الأساسية لهذا النموذج تتمثل في آلية “الخطوة مقابل الخطوة” (Step-for-Step Mechanism)، وهي مقاربة تعاقدية مرنة تقوم على تبادل إجراءات متزامنة، قابلة للتحقق، ومحدودة الأثر التراكمي في مراحلها الأولى. في هذا الإطار، لا تُمنح الامتيازات دفعة واحدة، ولا تُقدَّم التنازلات بشكل نهائي، بل تُجزّأ إلى وحدات صغيرة، يمكن قياسها، ومراقبتها، والتراجع عنها عند الحاجة. هذا التفكيك المقصود لهيكل الاتفاق يعكس إدراكاً متبادلاً بأن أي التزام واسع النطاق يفتقر إلى ضمانات تنفيذ موثوقة.

في الشق النووي، من المرجح أن تتركز الترتيبات على تجميد مستويات التخصيب ضمن حدود دون العتبة العسكرية، مع إعادة ضبط حجم المخزون من المواد عالية التخصيب، وتفعيل أنماط رقابة تقنية أكثر كثافة، ولو بصورة جزئية. غير أن هذه القيود لن تُصاغ كالتزامات دائمة، بل كإجراءات مؤقتة قابلة للمراجعة الدورية. الهدف هنا ليس تفكيك البرنامج النووي، بل إبطاء مساره، وإطالة زمن “الاختراق” (Breakout Time)، بما يمنح الأطراف مساحة زمنية لإدارة التوتر.

في المقابل، سيتخذ التخفيف من العقوبات طابعاً تدريجياً وانتقائياً. بدلاً من رفع شامل، سيجري الإفراج عن قنوات محددة للتدفقات المالية، وتوسيع نطاق الاستثناءات المرتبطة بالقطاعات الإنسانية أو بعض الأنشطة التجارية منخفضة الحساسية. كما قد يُسمح بزيادة مضبوطة في صادرات النفط، ضمن سقوف غير معلنة، تُستخدم كأداة تحفيزية مرتبطة بمستوى الالتزام الإيراني. هذا النوع من “التحرير الجزئي” (Partial Relief) لا يهدف إلى إعادة دمج إيران الكامل في الاقتصاد العالمي، بل إلى خلق حوافز كافية للحفاظ على المسار التفاوضي.

العنصر الحاسم في هذه الصيغة يتمثل في قابلية التراجع (Reversibility). كل إجراء، سواء كان تخفيفاً للعقوبات أو التزاماً نووياً، سيُصاغ بحيث يمكن إلغاؤه أو تعليقه بسرعة في حال الإخلال بالشروط. هذه الخاصية تعكس ما يمكن تسميته “التعاقد المشروط” (Contingent Contracting)، حيث لا تُبنى العلاقة على الثقة في النوايا، بل على القدرة على إعادة فرض القيود. من هنا، تستمر أدوات الضغط—وخاصة العقوبات—كجزء من بنية الاتفاق، لا كمرحلة سابقة له.

هذا النمط من الترتيبات يرتبط مباشرة بإشكالية “مصداقية الالتزام” (Credible Commitment Problem)، وهي معضلة مركزية في العلاقات الدولية، تتجلى بوضوح في هذه الحالة. إيران تنظر إلى أي تعهد أمريكي من خلال تجربة الانسحاب السابق من الاتفاقات، ما يضعف من قيمة الضمانات المقدمة. في المقابل، ترى واشنطن أن أي تخفيف كبير للعقوبات دون قيود صارمة قد يُترجم إلى تعزيز القدرات الإيرانية دون تغيير سلوكها. النتيجة هي تقاطع بين شكّين متوازيين، يمنعان الانتقال إلى مستوى أعلى من الالتزام المتبادل.

في هذا السياق، تلعب آليات التحقق دوراً محورياً، ليس فقط كأدوات تقنية، بل كعناصر سياسية تُعيد إنتاج الحد الأدنى من الثقة الوظيفية. فالمراقبة، والتفتيش، وتبادل المعلومات، تصبح بمثابة “بدائل مؤسسية للثقة” (Institutional Substitutes for Trust). إلا أن هذه الآليات نفسها تخضع لتجاذبات، إذ تسعى إيران إلى تقليص نطاقها بما يحفظ سيادتها، بينما تدفع الولايات المتحدة نحو توسيعها لضمان الامتثال.

إلى جانب ذلك، من المرجح أن يتضمن الاتفاق أبعاداً غير معلنة أو شبه رسمية، تتعلق بالسلوك الإقليمي. هذه الأبعاد لن تُصاغ في نصوص صريحة، لكنها ستشكل جزءاً من “التفاهم الضمني” (Tacit Understanding)، حيث يُتوقع من إيران ضبط مستوى التصعيد في بعض الساحات، مقابل مرونة أمريكية نسبية في ملفات أخرى. هذا التداخل بين النووي والإقليمي يعكس طبيعة الصراع بوصفه شبكة مترابطة من الملفات، لا يمكن فصل أحدها عن الآخر بشكل كامل.

مع ذلك، يجب التأكيد أن هذا النوع من الاتفاقات لا ينتج استقراراً بنيوياً، بل استقراراً وظيفياً مؤقتاً. فهو يحدّ من المخاطر الآنية، لكنه لا يعالج جذور التوتر المرتبطة بتعارض الرؤى الاستراتيجية، واختلاف تصورات الأمن الإقليمي، وطبيعة النظام الدولي ذاته. بعبارة أخرى، الاتفاق لا ينهي الصراع، بل يعيد تنظيمه ضمن حدود قابلة للإدارة.

من منظور الاقتصاد السياسي، يمكن فهم هذه الصيغة كآلية لإعادة توزيع كلفة الصراع عبر الزمن. فبدلاً من تحمّل كلفة عالية ومباشرة نتيجة التصعيد، يختار الطرفان توزيع هذه الكلفة على مراحل، عبر تنازلات جزئية وضغوط مستمرة منخفضة الحدة. هذا “التمديد الزمني للصراع” (Temporal Extension of Conflict) يسمح بالحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار، دون الدخول في مواجهات مفتوحة.

في المحصلة، تعكس ملامح الاتفاق المحتمل إدراكاً متبادلاً لحدود القوة، سواء كانت عسكرية أو اقتصادية. لا الولايات المتحدة قادرة على فرض تسوية كاملة، ولا إيران مستعدة لتقديم تنازلات جوهرية تمس بنيتها الاستراتيجية. بين هذين الحدّين، يتشكل اتفاق بلا ثقة، يقوم على إدارة الشك لا إزالته، وعلى ضبط السلوك لا تغييره جذرياً. إنه اتفاق يُبقي الخيارات مفتوحة، ويؤجل الحسم، لكنه في الوقت ذاته يوفر إطاراً مؤقتاً يمنع الانزلاق إلى سيناريوهات أكثر كلفة—دون أن يضمن تجنبها على المدى البعيد.

في المحصلة التحليلية، لا يتجه التفاعل الأمريكي–الإيراني نحو تسوية نهائية بقدر ما يُعاد تركيبه ضمن نموذج أكثر تركيباً ومرونة، يقوم على إدارة التعارض لا حسمه. نحن أمام عملية “إعادة إنتاج للصراع” (Conflict Reproduction) في صيغة منخفضة الحدة، عالية التعقيد، تتداخل فيها أدوات الردع الاقتصادي مع مقاربات التفاوض المرحلي، ضمن بيئة دولية لم تعد تسمح بحلول أحادية أو قسرية مكتملة.

الاتفاق المحتمل—إن تبلور—لن يكون نقطة نهاية، بل أداة تنظيم مؤقتة لمسار متقلب. وظيفته الأساسية تأجيل لحظة الانفجار، عبر تقليص المخاطر الآنية وإعادة ضبط الإيقاع التصعيدي، دون المساس بالجذور البنيوية للتوتر. فالتناقض بين منطق “الاحتواء الاستراتيجي” الذي تتبناه واشنطن، ومنطق “الاستقلال السيادي” الذي تتمسك به طهران، لا يزال قائماً، بل ويُعاد إنتاجه بأشكال أكثر تعقيداً في ظل تحولات النظام الدولي.

من زاوية الاقتصاد السياسي، يعكس هذا النمط انتقال الصراع من محاولة “الكسر” إلى منطق “الإدارة المستدامة للتكلفة” (Sustainable Cost Management)، حيث يسعى كل طرف إلى إبقاء الكلفة ضمن حدود يمكن تحملها، مع منع الطرف الآخر من تحقيق مكاسب حاسمة. هذه المعادلة لا تنتج استقراراً بنيوياً، بل حالة من “الاستقرار الهش” (Fragile Stability)، قائم على توازن ردع متحرك، قابل للاهتزاز مع أي اختلال في الحسابات أو تغير في البيئة الإقليمية.

إقليمياً، ستظل هذه الديناميات تلقي بظلالها على مسارح متعددة، حيث يُعاد توظيف أدوات النفوذ غير المباشر ضمن إطار “الضغط غير المتماثل” (Asymmetric Leverage). أما دول المنطقة، فستجد نفسها أمام ضرورة التكيف مع بيئة استراتيجية غير مستقرة، تتسم بتقلبات عالية، وغياب يقين طويل الأمد، ما يعيد طرح أسئلة الأمن الإقليمي خارج الأطر التقليدية.

في ضوء ذلك، يمكن القول إن المسار التفاوضي سيبقى مفتوحاً، لكنه لن يكون خطياً ولا تراكمياً بالضرورة، بل عرضة للتعثر وإعادة الضبط. الاحتمالات ستظل موزعة بين سيناريو “الاحتواء المنضبط”، حيث يُدار الصراع ضمن حدود محسوبة، وسيناريو “الانزلاق التصعيدي”، حيث تؤدي الحسابات الخاطئة أو الضغوط الداخلية إلى تجاوز هذه الحدود.

هكذا، تتبلور معادلة دقيقة: توازن ردع قابل للتآكل، واتفاقات مرحلية بلا ضمانات دائمة، وصراع يُدار أكثر مما يُحل. وفي هذا الإطار، لا يكون السؤال ما إذا كان الانفجار سيحدث، بل متى وكيف، وتحت أي شروط يمكن تأجيله أو إعادة تشكيله.

د. علي مطيع عيسى

باحث جيوسياسي اقتصادي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top