فشل الإسلام السياسي في سوريا

أحدث المنشورات

فشل الإسلام السياسي في سوريا
politic islam
فشل الإسلام السياسي في سوريا
 من فاعل عقائدي إلى سلطة بالوكالة وإعادة تدوير الإخوان مقدمة: من مشروع حكم إلى نموذج إدارة بالوكالة يشكّل...
التفاصيل
الصراع اليوم بين عدالة الحق وباطل القوة في مجتمعاتنا
habib
الصراع اليوم بين عدالة الحق وباطل القوة في مجتمعاتنا
في عالم اليوم ،وخصوصاً في مجتمعاتنا العربية ، ومنذ ان نالت بلداننا استقلالها وتخلصت من السيطرة الاستعمارية...
التفاصيل
الانتصار النسبي في النزاعات غير المتكافئة
REVOLUT
الانتصار النسبي في النزاعات غير المتكافئة
قراءة جيوسياسية–اقتصادية–عسكرية في موقع إيران ضمن معادلة الصراع مع الولايات المتحدة في الأدبيات الكلاسيكية...
التفاصيل
بيان دعم وتضامن من الكتلة الوطنية السورية مع حراك 17 نيسان
BAYAN
بيان دعم وتضامن من الكتلة الوطنية السورية مع حراك 17 نيسان
يا أبناء شعبنا… يا أصحاب الصوت الحر… يا من وقفتم دفاعًا عن حقّكم وكرامتكم… تؤكد الكتلة الوطنية السورية...
التفاصيل
من درع الجزيرة إلى الناتو الخليجي
GOLPH
من درع الجزيرة إلى الناتو الخليجي
 هل يتغير نظام الأمن في الخليج؟ المقدمة شهد النظام الأمني في منطقة الخليج العربي خلال العقود الأربعة...
التفاصيل

التصنيفات

كلمات مفتاحية

 من فاعل عقائدي إلى سلطة بالوكالة وإعادة تدوير الإخوان

مقدمة: من مشروع حكم إلى نموذج إدارة بالوكالة

يشكّل صعود هيئة تحرير الشام (HTS) إلى مركز السلطة في شمال غرب سوريا محطة مفصلية في مسار التحولات السلطوية في البلاد، ليس فقط بوصفه انتقالًا في موازين القوة المحلية، بل باعتباره تعبيرًا عن تحوّل أعمق في طبيعة السلطة نفسها، من مشروع سياسي يسعى — ولو شكليًا — إلى بناء كيان قابل للتحول إلى دولة، إلى نموذج من الحكم بالوكالة الإقليمية (Regional Proxy Governance)، حيث تُدار السلطة ضمن ترتيبات أمنية-جيوسياسية، لا ضمن منطق بناء العقد الاجتماعي أو تأسيس شرعية دستورية.

في هذا الإطار، لم تعد HTS فاعلًا محليًا يسعى إلى تحويل السيطرة العسكرية إلى مسار بناء دولة، بل تحوّلت تدريجيًا إلى أداة ضمن منظومة إقليمية لإدارة منطقة عازلة، تُضبط أمنيًا وتُدار اقتصاديًا بما يخدم توازنات إقليمية، وعلى رأسها المصالح التركية، أكثر مما تخدم متطلبات المجتمع المحلي أو مقتضيات بناء دولة حديثة.

هذه النقلة النوعية تعكس انتقال السلطة من منطق السيادة السياسية إلى منطق الإدارة الأمنية-الإقليمية، حيث تصبح الوظيفة الأساسية للسلطة هي الضبط والاستقرار وإدارة المخاطر، لا التمثيل، ولا بناء المؤسسات، ولا إنتاج شرعية سياسية مستدامة.

إعادة إنتاج النخبة وتفكيك المجال العام

لم تتأسس البنية السلطوية الناشئة على مبدأ الإدماج السياسي أو توسيع قاعدة التمثيل، بل على إعادة إنتاج نخبة حاكمة ضمن دائرة ضيقة مغلقة، تُدار بمنطق الولاء والانضباط، لا بمنطق الكفاءة والمؤسسية. ومع مرور الوقت، لم يعد هذا النمط مجرد خيار تنظيمي، بل تحوّل إلى آلية بنيوية لإدارة المجال السياسي، تقوم على تفكيك المجال العام بدل بنائه، وعلى تقليص الفضاء المدني بدل توسيعه.

هذا المسار يعكس انتقال السلطة من مشروع “حكم” إلى مشروع “إدارة”، حيث تتحول الإدارة العامة إلى جهاز ضبط سياسي، لا جهاز خدمة عامة، ويُفرغ أي حديث عن الحوكمة من مضمونه المؤسسي، ليصبح مجرد خطاب وظيفي موجه للخارج، لا بنية داخلية فعلية.

وبذلك، يُستبدل منطق الدولة الحديثة — القائم على الفصل النسبي بين السلطة السياسية والإدارة البيروقراطية — بنموذج هجين، تتداخل فيه الأجهزة الأمنية والدينية والتنظيمية، بما يحوّل البيروقراطية إلى أداة لإعادة إنتاج السيطرة، لا لبناء مؤسسات عامة محايدة.

الإقصاء بوصفه أداة وظيفية للضبط الإقليمي

منذ المراحل الأولى لتكريس هذه السلطة، اتسم المسار الانتقالي بإقصاء شبه كامل للقوى السياسية والاجتماعية السورية، ليس فقط على مستوى التمثيل السياسي، بل أيضًا في الإدارة العامة والوظائف المدنية العليا. ومع تطور المشهد، لم يعد هذا الإقصاء مجرد انعكاس لمرجعية أيديولوجية مغلقة، بل تحوّل إلى أداة وظيفية لإعادة ضبط الحقل السياسي بما يتناسب مع متطلبات الرعاة الإقليميين.

في هذا السياق، يمكن فهم هذا الإقصاء كجزء من منطق إدارة منطقة عازلة مستقرة أمنيًا، لا كيان سياسي قابل للحياة على المدى المتوسط أو الطويل. فالمطلوب إقليميًا ليس بناء دولة ذات سيادة سياسية كاملة، بل إدارة مساحة جغرافية بوصفها منطقة احتواء (Containment Zone)، تُدار من خلال فاعل محلي “منضبط”، قابل للتوجيه، وقادر على ضبط المجال الأمني والاجتماعي.

هنا، يتحول الاستبعاد السياسي من خلل ديمقراطي إلى وظيفة جيوسياسية، تُستخدم لضمان قابلية السيطرة على الحقل المحلي، ومنع تشكّل أي ديناميات سياسية مستقلة قد تُنتج مطالب سيادية أو مشاريع سياسية خارجة عن منطق الوكالة.

التجييش الطائفي وإنتاج “العدو الداخلي”

بالتوازي مع هذا التحول البنيوي، شهد الفضاء العام تصعيدًا ملحوظًا في الخطاب الطائفي والمناطقي، ليس بوصفه مجرد تعبير أيديولوجي، بل كجزء من اقتصاد سياسي للضبط الاجتماعي. فإنتاج “العدو الداخلي” يصبح هنا آلية لإعادة توجيه التوترات البنيوية، وتفريغ الأزمات السياسية والاقتصادية في صراعات هوياتية.

استهداف العلويين والدروز بخطاب نزع الشرعية، وتوصيف الأكراد بوصفهم مشروعًا انفصاليًا، لا يمكن فصله عن حاجة السلطة إلى بناء سردية تهديد دائم، تُستخدم لتبرير احتكار القوة، وتعليق أي نقاش جدي حول الشراكة الوطنية أو إعادة بناء الدولة على أسس تعددية.

في هذا النموذج، لا يُستخدم الخطاب الطائفي كأداة تعبئة فقط، بل كأداة إدارة سياسية للصراع الاجتماعي، تُعاد من خلالها رسم حدود “الانتماء المشروع”، ويُعاد تعريف المواطنة بوصفها مشروطة بالولاء السياسي-الأيديولوجي، لا بحقوق متساوية.

إعادة تعويم الإخوان: الأسلمة الناعمة للمجال العام

خلال العام الأخير، برز متغير بالغ الدلالة يتمثل في محاولات إعادة تعويم الإسلام السياسي الإخواني داخل المشهد السوري، ليس عبر السيطرة المباشرة، بل من خلال أدوات رمزية وخطابية ومؤسساتية ناعمة. وقد تجلّى ذلك في:

  • عودة أسماء ورموز مرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين إلى الفضاء العام عبر تسمية بعض الأماكن والفعاليات.
  • إعادة إدخال خطاب ديني-سياسي تقليدي إلى النقاش العام بوصفه مرجعية فوق قانونية.
  • إثارة جدل واسع حول قضايا فقهية متعلقة بالميراث والأحوال الشخصية، بما يعكس اتجاهًا نحو إعادة أسلمة المجال القانوني والاجتماعي خارج أي نقاش دستوري شامل.

لا يمكن قراءة هذه التطورات كحوادث منفصلة، بل كجزء من عملية إعادة تموضع للإسلام السياسي، مستفيدة من فراغ الدولة، ومن بنية السلطة الأمنية-الدينية القائمة، ومن الحاجة الإقليمية إلى قوى محلية منضبطة أيديولوجيًا وقابلة للاحتواء.

في هذا السياق، لا يعود الإخوان فاعلًا سياسيًا يسعى إلى مشروع دولة، بل يتحول إلى مورد رمزي-خطابي يُستخدم لإعادة إنتاج الشرعنة الدينية للسلطة، ضمن نموذج سلطوي لا يسمح بتبلور مشروع سياسي تعددي فعلي.

الإعلام وإدارة الصورة: من التعبئة إلى التطبيع المشروط

شهد الإعلام في مناطق سيطرة HTS تحولًا نوعيًا من كونه أداة تعبئة داخلية إلى كونه جزءًا من منظومة إدارة الصورة الإقليمية. يؤدي الإعلام هنا وظيفة مزدوجة: تبرير السلطة داخليًا، وتقديمها خارجيًا بوصفها “فاعلًا عقلانيًا قابلًا للتطبيع المشروط”.

في هذا الإطار، تصبح حرية التعبير هامشًا شكليًا، مشروطًا بعدم المساس بالبنية السلطوية، وبالاصطفافات الإقليمية التي تحكمها. ويجري توظيف الخطاب الإعلامي لإنتاج سردية “الاعتدال” والانضباط، بما يخدم عملية إعادة تسويق السلطة إقليميًا ودوليًا، دون المساس بجوهر بنيتها غير الدستورية.

الطاعة بدل القانون: تفكيك العقد الاجتماعي

تكتسب مقولة الشرع «أطيعوني ما أطعت الله فيكم» — بصيغتها المجتزأة والمتداولة — دلالة خاصة في هذا السياق، إذ لا تعكس مجرد خطأ تأويلي، بل تمثل تصورًا للسلطة يقوم على الطاعة بوصفها بديلًا عن القانون، وعلى المرجعية الدينية بوصفها بديلًا عن العقد الاجتماعي.

من منظور الاقتصاد السياسي للسلطوية، تتحول “الطاعة” إلى آلية ضبط سياسي، تُستخدم لإغلاق باب المحاسبة، وتوسيع تعريف “العصيان” ليشمل أي معارضة سياسية أو نقد مدني. وتزداد خطورة هذا النموذج في مجتمع متعدد المرجعيات الدينية والقومية، حيث لا يوجد تعريف موحد للطاعة، ما يجعلها مفهومًا تفكيكيًا للدولة، لا تأسيسيًا لها.

الخلاصة: سلطوية بالوكالة وإعادة تدوير الإسلام السياسي

وعليه، فإن تجربة HTS، مقترنة بمحاولات إعادة تعويم الإخوان المسلمين، وبخطاب الأسلمة القانونية، تمثل حالة نموذجية لفشل الإسلام السياسي في التحول من منطق التنظيم إلى منطق الدولة، ومن منطق العقيدة إلى منطق المواطنة.

فبدل الانتقال نحو عقد اجتماعي جديد، جرى ترسيخ سلطة هجينة:

  • ريعية في توزيع النفوذ،
  • أمنية في إدارة المجتمع،
  • إقليمية في مرجعيات القرار،
  • ودينية-إخوانية الطابع في خطاب الشرعنة وإعادة إنتاج الرمزية السياسية.

ما يجعل هذه التجربة أقرب إلى نموذج “السلطوية بالوكالة مع إعادة تدوير الإسلام السياسي”، منها إلى أي مسار فعلي لبناء دولة، وأقرب إلى إعادة إنتاج الاستبداد بصيغ جديدة، منها إلى تجاوزه.

د.علي مطيع عيسى

باحث في المعهد الأسكندنافي لحقوق الانسان/ مؤسسة الدكتور هيثم مناع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top