أحدث المنشورات
التصنيفات
كلمات مفتاحية
- Home
- مقالات
ما يحدث في سوريا تجاوز حدود الصراع السياسيّ التقليديّ، واتّجه نحو محاولة عميقة لإعادة تشكيل الإنسان نفسه: طريقة تفكيره، وذاكرته، ومخاوفه، وحتى تحديد من يستحقّ أن يُنظر إليه بوصفه ضحيّة أو مواطنًا كامل الحقوق. ومن هنا تتجلّى خطورة ما يمكن تسميته بـ«الابتلاعيّة الأيديولوجيّة».
تبدأ هذه الابتلاعيّة بالقمع، ثم تتوسّع تدريجيًّا لتدفع المجتمع نحو الابتلاع القسريّ داخل هُويّة واحدة وسرديّة مغلقة، سواء اتخذت طابعًا دينيًّا أو سياسيًا أو مناطقيًّا أو جندريًا، فيغدو الاختلاف عبئًا يُسعى إلى تشويهه أو إخضاعه. ولهذا تظهر ملامحها في الخطف، والاعتقالات القسريّة، وتشويه صورة المعارضين، وإلصاق الاتّهامات الجاهزة بهم، ثم دفع الناس إلى الارتياب من أيّ صوت يخرج عن الرواية المهيمنة، حتى عندما تبدو بعض تلك الاتّهامات مثيرة للسخرية من شدّة تهافتها.
ويبرز خطر آخر أكثر عمقًا، يتمثّل في تحوّل الخوف إلى بيئة يعيش المجتمع داخلها بصورة دائمة، فهناك خوف تاريخيّ متراكم لدى بعض الفئات، وخوف من عودة الماضي، وخوف من فقدان الحماية. وتُستثمر هذه المخاوف باستمرار لتتحوّل إلى وسيلة تُبقي السلطة المؤقّتة قائمة، وتمنحها القدرة على الاستمرار، لذلك يصبح انحياز كثير من الناس أقرب إلى استجابة نفسيّة وهويّاتيّة منه إلى موقف سياسيّ نقديّ؛ إذ يدافع بعضهم عن السلطة لأنّهم يشعرون بأنّ البديل قد يهدّد وجودهم أو استقرارهم، حتى وهم يدركون التناقضات الواضحة أمامهم.
وفي المشهد الإعلاميّ، يُسمح أحيانًا بظهور صوت معارض، لكن ضمن حدود دقيقة ومحسوبة. يحصل المؤيّد على مساحة أوسع وصورة أكثر هدوءًا وشرعيّة، في حين يظهر المعارض محاصرًا داخل وقت ضيّق وشروط محدّدة، فقط من أجل الحفاظ على صورة توحي بوجود «حرّيّة تعبير». ومع مرور الوقت تبقى التعدّديّة ضمن حدود لا تربك السرديّة الأقرب إلى خطاب السلطة.
ومن هنا يظهر «التوحّش الاستذكاريّ»، حين تمتدّ السلطة المؤقّتة إلى ذاكرة الناس نفسها، فتتدخّل في طريقة تذكّرهم للماضي. عندها تصبح الذاكرة مساحة للضبط والخوف، ويبقى السؤال حاضرًا في العمق: من يحقّ له أن يُعترف به بوصفه ضحيّة؟ ومن تُمحى معاناته؟ ومن يُدفَع إلى الصمت حفاظًا على تماسك السرديّة المهيمنة؟
ومع مرور الوقت، يصل هذا الابتلاع إلى صورة المستقبل أيضًا. يفقد المجتمع تدريجيًّا قدرته على تخيّل وطن يقوم على المواطنة والثقة المتبادلة، ويغدو الخوف هو الرابط الأعمق بين الناس والسلطة، لذلك يبقى السوريّون أنفسهم، مرّة بعد أخرى، داخل ذاكرة مضطربة ومستقبل يتشكّل بالخوف أكثر ممّا يُصاغ بالأمل.
وهكذا يجد السوريّون أنفسهم مرة أخرى، داخل مستنقع من الأوهام، تتمدّد فيه طحالب الابتلاع ببطء فوق الوعي والذاكرة والمستقبل.
د. حنين الغزالي