اغتيال العقل السوري

أحدث المنشورات

اغتيال العقل السوري
poster-web-site0
اغتيال العقل السوري
تزييف التاريخ وتدجين الناشئة في المدارس في إطار التحولات الأيديولوجية القسرية التي تفرضها سلطة الأمر...
التفاصيل
«حدّق في المجزرة»: خطاب سلطة الأمر الواقع في مرآة الشهادات
Miroir brisé d’une ville en ruines
«حدّق في المجزرة»: خطاب سلطة الأمر الواقع في مرآة الشهادات
قراءة في خطاب السلطة والشهادة في كتاب «غزوة السويداء بلسان ضحاياها» لنجاة عبد الصمد تستوقفني في خاتمة...
التفاصيل
لعبة الرموز التاريخية والدينية
game of
لعبة الرموز التاريخية والدينية
جوهر أم غطاء للتطرف والعنف؟ ليس جديداً أن تُمارس الجماعات المتطرفة “قرصنة الرموز” لاستغلالها...
التفاصيل
في مواجهة بناء عرش طاغية جديد
Le trône du pouvoir absolu
في مواجهة بناء عرش طاغية جديد
… السوري ملزم بشق طريق الحرية والديمقراطية معركة السوريين اليوم ليست ضد الرئيس الانتقالي شخصياً،...
التفاصيل
6 تشرين 1973 وحدة الصف العربي وسلاح النفط في مواجهة التفوق العسكري
poster-web-site0
6 تشرين 1973 وحدة الصف العربي وسلاح النفط في مواجهة التفوق العسكري
يمكن لسلطة الأمر الواقع أن تخدع كل الناس بعض الوقت، وبعض الناس كل الوقت، لكنها لن تستطيع أبداً أن تخدع...
التفاصيل

التصنيفات

كلمات مفتاحية

تزييف التاريخ وتدجين الناشئة في المدارس

في إطار التحولات الأيديولوجية القسرية التي تفرضها سلطة الأمر الواقع، تشير التعديلات الأخيرة التي أدخلتها ما تُسمى بـ “وزارة التربية” في حكومة سلطة الأمر الواقع على المناهج الدراسية إلى مسار يتجاوز الإخفاق التربوي ليلامس حدود “هندسة التجهيل الممنهج”. ويُظهر تفكيكُ هذه التعديلات تراجعاً مرعباً في المعايير العلمية، محوّلاً المؤسسة التعليمية من فضاءٍ لبناء الفكر النقدي إلى أداةٍ لسَجن العقول وفق أطرٍ مغلقة تُعيد إلى الأذهان أعتى تجارب التشدد الراديكالي.

تسطيح الوعي

يبدو جلياً في التعديلات التركيزُ المكثف على مفاهيم غيبية وشكليّة كـ “العورة” و”الفتنة” و”المناسب” و”الممنوع” مع أطفال في عمر السابعة والعاشرة، وتهميش علوم الرياضيات والعلوم العامة والفنون، ما يعكس ما أسماه الفيلسوف ميشيل فوكو بـ “التكنولوجيا السياسية للأجساد”، حيث يُستغل التعليم كآلية ضبط ومراقبة لتشكيل أفراد منقادين سلبياً.

هذا النزوع نحو تسطيح عقول الأطفال يُفرغ المعرفة من جوهرها، وسط صمتٍ مجتمعي مريب من أولياء الأمور الذين يقفون حيال تجريد أبنائهم من أدوات التفكير الحرّ، وكأنهم يخضعون لـ “حالة تخدير جماعي”.

تشويه الذاكرة وطمس التاريخ

وتمتد التعديلات على المناهج لتطال الذاكرة الجمعية لـ “سوريا أرض الحضارات”، عبر (سَتر) الآثار، واختزال الشخصيات التاريخية القدوة، على الأقل وفق ما وصلنا، كالملكة “زنوبيا” التي يعتبرها السّوريون إحدى الرموز النسائية للعنفوان والأنفة وقوة الشخصية، بينما تسعى التعديلات في مكان آخر لتلميع صورة الاحتلال العثماني، صاحب الحق الحصري في اختراع أساليب التعذيب الأكثر توحشاً على مرّ تاريخ البشرية، والذي نكّل بالسوريين وحرمهم من التّعليم وكرّس التخلف بينهم بنشر الخرافات والخزعبلات.

إن إعادة كتابة التاريخ بأسلوب أمّي لا يهدف فقط إلى التشويه، بل إلى “استلاب الهويّة” وتجريد النسيج السوري من تراثه التعددي لصالح رواية أحادية متعصبة ترفض الاعتراف بوجود الآخر.

المطبلون والمثقفون الأُجراء

ورغم ذلك يخرج من يدافع ويبرر الإجراءات بحجة هزيلة لا تنطلي على ذي لب، بمغالطات فجّة للمنطق كـ

“تمثيل تنوع المجتمع”، إذ كيف يستوي للتّجهيل أن يكون ممثلاً لثقافة مجتمع عريق كالمجتمع السوري؟!

ما يحدث يُذكّر بطرح أنطونيو غرامشي حول “الهيمنة الثقافية”، حيث تسعى السلطة لفرض رُؤيتها على أنها حقيقة بديهية، مستعينة بـ “مثقفي السلطة” لتبرير الانحدار وتغطية العجز المعرفي.

إن ما يجري ليس مجرد تعديل في مفردات كتاب، او تغيير صور في منهاج تعليمي، بل هو مشروع استراتيجي لإنتاج “عقل غير نقدي” مفرغ من محتواه الحضاري. وسكوت الأهالي عن مصادرة عقول أطفالهم وتشويه تاريخهم أشبه بالتواطؤ لإعدام المستقبل، فالأمم تبدأ هزيمتها الحقيقية عندما يُنسف نظامها المعرفي وليس  بسقوط جدرانها فحسب، وعندما تُستبدل مناهل العلم والمعرفة فيها بأكفان فكرية تُقيد العقل منذ الصغر.

ولعلّ أخبث ما في تحريف المناهج أنها تستهدف الأطفال لإنتاج جيل خانع غير قادر على التفكير ولا التحليل ولا النقد لضمان إنتاج خراب كارثي قد يكون غير قابلٍ للعكس.

Scroll to Top