أحدث المنشورات
التصنيفات
كلمات مفتاحية
- Home
- مقالات
قراءة فوكويّة في خطاب المرحلة الانتقاليّة السوريّة
اللّغة وسيلة يعبّر بها الإنسان عن الواقع، وهي أيضاً طريقة يفهم من خلالها هذا الواقع ويمنحه معنى، فالتسميات التي تُستعمل في الحديث عن المجتمع لا تكتفي بوصفه، وإنّما تدفع إلى تشكيل صورته داخل الوعي العام. وقد أشار الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو إلى أنّ الخطاب يمكن أن يؤثّر في توزيع المعنى والقوّة داخل المجتمع، لأنّ الكلمات ترسم أحيانًا حدود النّظرة إلى الذّات وإلى الآخرين.
من هذا المنطلق تكتسب التّصنيفات الاجتماعيّة حضورًا يتجاوز إطار اللّغة اليوميّة، فهي قد تنعكس في طريقة تعامل الأفراد، وفي تصوّر السّلطة للمجتمع، وفي إحساس المواطن بموقعه وانتمائه. ومع تكرار هذه التّسميات تتحوّل تدريجيّاً إلى صور ذهنيّة تؤثّر في فهم الواقع الاجتماعيّ، وفي تفسيره كذلك.
في هذا السّياق يمكن التوقّف عند بعض ما ورد في خطاب الرّئيس الانتقاليّ أحمد الشرع، إذ جرى توصيف المجتمع السوريّ عبر إشارات ثقافيّة أو أنماط عيش، مثل الحديث عن جماعة «المتّة» أو جماعة «الشوكة والسّكّين»، إضافة إلى الإحالة إلى البعد «العشائريّ: لبّت» أو التمييز بين «العامّة» و«النّخب». وقد تبدو هذه العبارات قريبة من الوصف الاجتماعيّ العابر، غير أنّ معناها يتّسع في لحظة سياسيّة انتقاليّة يسعى فيها المجتمع إلى إعادة تعريف نفسه.
تقدّم القراءة الفوكويّة فهماً يرى الخطاب عنصراً مشاركاً في تشكيل الواقع الاجتماعيّ، فعندما يُنظر إلى المواطنين من خلال تصنيفات ثقافيّة أو اجتماعيّة محدّدة، يتأثّر الإحساس بالمواطنة المشتركة، وقد يضعف حضور فكرة المساواة الرمزيّة بين الأفراد. ومع مرور الوقت يمكن لهذه الصور الذهنيّة أن تترك أثراً في الثقة المتبادلة، وفي طبيعة العلاقات داخل المجتمع.
لقد نشأت فكرة الدّولة الحديثة على أساس عدّ جميع المواطنين متساوين في الحقوق ضمن إطار قانونيّ جامع، لذلك فإنّ الخطاب الذي يركّز على التقسيم الرّمزي قد يعمّق الإحساس بالفروق الاجتماعيّة، خصوصاً في البيئات التي تمرّ بتحوّلات سياسيّة واجتماعيّة عميقة.
وتزداد أهميّة هذه المسألة في الحالة السوريّة بعد سنوات طويلة من الصراع والانقسام، ففي مثل هذه المراحل تصبح الكلمات جزءاً من عمليّة إعادة بناء الثّقة وإحياء الشعور بالانتماء الوطنيّ، فالخطاب القادر على إنتاج معنى مشترك يساعد المجتمع على تجاوز آثار الماضي، والتوجّه نحو تصوّر أكثر استقراراً للمستقبل.
كما أنّ حضور ثنائيّة «العامّة» و«النّخب» في بعض أشكال التوصيف يطرح أسئلة مهمة حول صورة المجتمع في الوعي السّياسيّ، إذ إنّ التجارب الديمقراطيّة المعاصرة تقوم على الاعتراف بتعدّد الآراء ومصادر النقد، وعلى عدّ المشاركة في الشأن العام حقّاً متاحاً لجميع المواطنين.
إنّ تأثير اللّغة يتجاوز حدود التعبير المباشر، لأنّها تسهم في تشكيل المخيال الاجتماعيّ الذي يرى من خلاله النّاس أنفسهم ومجتمعهم. ومن هنا تنبع أهميّة الخطاب الذي يعزّز الإحساس بالمصير المشترك، ويقدّم المجتمع بوصفه فضاء واحدًا يجمع مواطنين متساوين في الكرامة والحقوق.
إنّ بناء الدّولة يبدأ أيضاً ببناء المعنى، فاللّغة التي تقرّب بين الناس تمهّد لمرحلة أكثر تماسكاً، في حين أنّ اللّغة التي تكرّس التّصنيف قد تُبقي مسافات نفسيّة واجتماعيّة يصعب تجاوزها.
لذلك فإنّ بناء المستقبل في سوريا يبدأ في الوعي الذي تصوغه الكلمات، وفي الصورة التي يختار المجتمع أن يرى نفسه من خلالها.
د حنين الغزالي