تأييد المجازر

أحدث المنشورات

تأييد المجازر
massacre
تأييد المجازر
الظاهرة المؤلمة في تاريخ البشرية ما زالت مسألة “تأييد الجماهير للمجازر” واحدة من أكثر الظواهر...
التفاصيل
فاقد الشيء لا يعطيه!!!
Portefeuille vide face au pouvoir en ruine
فاقد الشيء لا يعطيه!!!
شارك كثير من السوريين في تحوّل الصراع في سوريا إلى صراع على سوريا. غرف العمليات العسكرية (الموك والموم)...
التفاصيل
اغتيال العقل السوري
poster-web-site0
اغتيال العقل السوري
تزييف التاريخ وتدجين الناشئة في المدارس في إطار التحولات الأيديولوجية القسرية التي تفرضها سلطة الأمر...
التفاصيل
«حدّق في المجزرة»: خطاب سلطة الأمر الواقع في مرآة الشهادات
Miroir brisé d’une ville en ruines
«حدّق في المجزرة»: خطاب سلطة الأمر الواقع في مرآة الشهادات
قراءة في خطاب السلطة والشهادة في كتاب «غزوة السويداء بلسان ضحاياها» لنجاة عبد الصمد تستوقفني في خاتمة...
التفاصيل
لعبة الرموز التاريخية والدينية
game of
لعبة الرموز التاريخية والدينية
جوهر أم غطاء للتطرف والعنف؟ ليس جديداً أن تُمارس الجماعات المتطرفة “قرصنة الرموز” لاستغلالها...
التفاصيل

التصنيفات

كلمات مفتاحية

الظاهرة المؤلمة في تاريخ البشرية

ما زالت مسألة “تأييد الجماهير للمجازر” واحدة من أكثر الظواهر المحيّرة والمؤلمة في التاريخ الإنساني. إذ كيف يمكن لملايين من البشر العاديين، آباء وأمهات، متعلّمين ومعلّمين، أصدقاء وأخوة وجيران، أن يصفّقوا للإبادة أو يبرروها؟! ولم ترَ الفلسفة، وبشكل خاص الفلسفة السياسية والاجتماعية في القرن العشرين، هذا التأييد مرضاً نفسياً فردياً، بل علّلته بأنه عملية صناعةٍ وتوجيهٍ للوعي الجمعي.

سيكولوجيا الجماهير

أمّا كيف يقع “الجمهور” في هذا الفخ فيفسر غوستاف لوبون في كتابه “سيكولوجية الجماهير” أن هذا السّلوك هو غيابٌ للوعي الفردي الذي يؤدي إلى تغيير سلوك الفرد بمجرد تواجده في حشد أو جمهور، بسبب “ذوبان الشخصية” عندما ينضم الفرد إلى كتلة جماهيرية، إذ يتراجع “وعيه الفردي وضميره الخاص” لصالح “عقل جمعي بدائي”. فالجماهير لا تفكر بالمنطق أو البراهين، بل بالصُّور العاطفية والشعارات البسيطة، وهذا ما يسمى “العدوى العاطفية”، أي تلك المشاعر الجمعية، كالغضب، والخوف، أو النشوة القومية، والتي تنتقل بسرعة لتجعل الأفراد مستعدين للتضحية بأخلاقهم الخاصة وتأييد أفعالٍ لا يمكن أن يقبلوها حين يكونون بمفردهم.

صناعة الخوف: القتل لحماية الذات

ينطلق الفلاسفة السياسيون من حقيقة أن الخوف هو أسرع طريق للتحكم في الجماهير. فيتم إقناع الجمهور بأن وجودهم أو هويتهم (القومية، الدينية، الطائفية) يتعرضان لتهديد وجودي مباشر من قِبل “الآخر”. فتتحول المجزرة في وعي الجمهور من جريمة استباقية إلى فعل دفاع عن النفس، حينها يرى الجمهور أن القتل ليس اختياراً، بل ضرورة لا بد منها، أمام مزدوجة وهمية هي “إما نحن أو هم”.

تخدير الضمير الجمعي وطمس المسؤولية الفردية

تؤدي الأيديولوجيا المعمّمة دور المخدر للضمير الجمعي من خلال تزييف الواقع، فتسوّغ السّلطة أو النُخبة الحاكمة للجمهور سرديةً كبرى، “خلاص الأمة، بناءُ المستقبل، تطهيرُ الأرض” وما إلى ذلك، وتلجأ إلى إضفاء مسحةٍ أخلاقية على الفعل اللاأخلاقي ليُصاغ التأييد للمجزرة باعتباره “تضحية أخلاقية” أو “واجب تاريخي”. ويصل الأمر بالجمهور إلى القناعة بأن المعاناة اليومية أو الوحشية الحالية هي ثمنٌ لا بد منه للوصول إلى الغاية الأسمى. وعندما تؤيد الجماهير المجازر، فإنّ كل فرد في الجمهور يشعر بأنه “مجرد قطرة في محيط” بغياب الفاعلية المباشرة له، فالفرد في الجمهور لا يحمل السّلاح بنفسه، بل يصفّق أو يصمت، وهذا البُعد عن الفعل المباشر يتيح للوعي أن يتملص من المسؤولية الأخلاقية، ويرى أن القرارات اتُخذت من قِبل “السلطة” أو “القيادة” أو “القانون”، وبالتالي ينتقل عبءُ الضمير كليّاً إلى المؤسسة، أياً كانت، ليخفف عن نفسه الشعور بالذنب.

شيطنة الآخر

لكي تؤيد الجماهير مجزرة، تقوم السلطة بتدمير أية إمكانية للتعاطف الإنساني، من خلال سلب الصفة الإنسانية عمن تُرتَكب بحقهم المجازر، وذلك من خلال توظيف الآلة الإعلامية والأيديولوجية لتشويه صورة الضّحايا في وعي الجمهور، فلا يُنظَر إلى الضّحية كإنسانٍ لديه وجود وعائلة وأحبة وأصدقاء وأحلام، بل كتهديد أو خائن، أو كائن غير كامل الإنسانية ليسقط الضّحية من الوعي الأخلاقي للجمهور وينتهي الشّعور بالتعاطف، ويحل محله التبلد والارتياح عند إبادتهم.

الحرية والتفكير عبء ثقيل

في كتابه “الهروب من الحرية”، يحلل إريك فروم كيف تلجأ الجماهير في أوقات الأزمات الاقتصادية والاجتماعية إلى السّلطة، فالحريّة والتفكير ليست حقاً وواجب فحسب، بل هي أيضاً عبء ثقيل ومسؤولية كبيرة، لأن التفكير النقدي واتخاذ موقف أخلاقي مستقل يحتاج إلى جهد وشجاعة، بينما تفضل الجماهير في أوقات الخوف تسليم وعيها وإرادتها إلى “زعيم مخلص” أو “سلطة” تراها قوية. هذا الامتثال الأعمى يمنحُ الفرد شعوراً بالأمان والانتماء، مما يجعله، وللأسف، يؤيد أي فعل تصدره تلك السلطة، حتى لو كان “مجزرة”.

بزراعة الخوف على الحياة في قلوب الجماهير، وسلب الضحايا صفة الإنسانية، وتغليف الجريمة بالشعارات الأخلاقية أو القومية، تدفع السلطة الجماهير لتأييد المجازر، ليس لأن تلك الجماهير تتطلع إلى الشر والدّم كهدف، بل بسبب تعرّض وعيها الجمعي للتخدير ولحسابات دقيقة تجعله يرى في الوحشية واجباً أو ضرورة لحماية وجوده.

المجازر وسلطة الأمر الواقع .لماذا تبحث السلطة عن تأييد الجمهور

ارتكبت سلطة الأمر الواقع المجازر الموثّقة في سورية، وكان لا بد لها أن تعمل على كسب دعمٍ شعبي، أو في أسوأ الأحوال أن تكسب ذلك الصمت المطبق تلبيةً لاحتياجات غريزية حرّكتها السلطة في الجموع التي تفضل رؤية مجزرة على أن تعيش حالة قلقٍ صنّعتها تلك السلطة وصدّرتها على شكل شعارات زائفة تلعب على اللاوعي وتخدّر الضمائر التي يفترض أن تكون حيّة. وليس ذلك أمر عفوياً أو اعتباطياً، بل فعل ممنهج لخلق شعور وهمي بالشرعية والتفويض تحت عنوان تلبية الإرادة الشعبية لحماية الوطن والقضاء على التهديدات.

من جهة ثانية، فإن التأييد يؤدي إلى إسقاط ذلك الخط الفاصل بين الضّحية والجلّاد، فعندما يُبَارك العنفُ علناً، يصبح المجتمع كاملاً شريكاً معنوياً في المجازر، ويمنع ذلك ظهور جبهة معارضة موحدة. والأخطر من ذلك أن المجازر المدعومة شعبياً تدمّر النسيج الاجتماعي والروابط الإنسانية، فلا تجد المعارضة ولا الأقليات حاضنة اجتماعية تلجأ إليها فيسود اليأس والخوف. وكل تلك الأسباب هي أهداف استراتيجية للسلطات المستبدة التي ترتكب المجازر.

المجازر ليست حدثاً يومياً عادياً ولا حادثٌ عابر في تاريخ الشعوب، بل فعل إجرامي ما بعده لن يكون كما قبله، فهي نهج لصناعة الكراهية وإذكاء النّعرات العرقية والطائفية والسياسية، وخلق حالة خوف دائم من كل آخر، أياً كان هذا الآخر، حتى ولو اختلف أو خالف بأي تفصيل صغير،هذا ما يؤدي إلى تنازل الجمهور عن الحريات والحقوق الأساسية مقابل ما يصوّر له على أنه أمن واستقرار توفره السّلطة المجرمة.

والعمل على الحصول على تأييد الجماهير هو سعي لتعفي السلطة نفسها من عبء المسؤولية الأخلاقية مع تحوّل الجريمة إلى مسؤولية جماعية يتحمّلها المجتمع كاملاً، ويَسهل عندها على الطغاة الاستمرار في غيّهم وعنجهيتهم وكذبهم على أنفسهم وعلى الجمهور، دون الشعور بالذنب.

مما يؤلم أن تاريخ الإنسانية مليء بالأمثلة على المجازر وتوظيف سلطات الاستبداد الدّعاية والإعلام والخطاب الشعبوي لتحويل الضّحايا إلى جناة، وإلباس الجناة أقنعة الأبطال لكي تضمن تلك السلطات البقاء لأطول فترة ممكنة على حساب دماء الأبرياء وسلامة النسيج المجتمعي واستمرار الحياة المنتجة وتطور المجتمع. كل ما تقدّم لا ينفي بأي شكل من الأشكال مسؤولية كل من يُشارك في تأييد المجازر، فرداً أو جماعة أو مؤسسة أو حزباً …، وبالحكم الأخلاقي ليس مذنباً فقط من حمل السلاح وارتكب الجريمة، بل من يؤيد ويدعم هو كذلك مجرم.

 

عضو في الكتلة الوطنية السورية

Scroll to Top