الخبز المؤجّل: حين يتحوّل الصبر إلى سياسة

أحدث المنشورات

اغتيال العقل السوري
poster-web-site0
اغتيال العقل السوري
تزييف التاريخ وتدجين الناشئة في المدارس في إطار التحولات الأيديولوجية القسرية التي تفرضها سلطة الأمر...
التفاصيل
«حدّق في المجزرة»: خطاب سلطة الأمر الواقع في مرآة الشهادات
Miroir brisé d’une ville en ruines
«حدّق في المجزرة»: خطاب سلطة الأمر الواقع في مرآة الشهادات
قراءة في خطاب السلطة والشهادة في كتاب «غزوة السويداء بلسان ضحاياها» لنجاة عبد الصمد تستوقفني في خاتمة...
التفاصيل
لعبة الرموز التاريخية والدينية
game of
لعبة الرموز التاريخية والدينية
جوهر أم غطاء للتطرف والعنف؟ ليس جديداً أن تُمارس الجماعات المتطرفة “قرصنة الرموز” لاستغلالها...
التفاصيل
في مواجهة بناء عرش طاغية جديد
Le trône du pouvoir absolu
في مواجهة بناء عرش طاغية جديد
… السوري ملزم بشق طريق الحرية والديمقراطية معركة السوريين اليوم ليست ضد الرئيس الانتقالي شخصياً،...
التفاصيل
6 تشرين 1973 وحدة الصف العربي وسلاح النفط في مواجهة التفوق العسكري
poster-web-site0
6 تشرين 1973 وحدة الصف العربي وسلاح النفط في مواجهة التفوق العسكري
يمكن لسلطة الأمر الواقع أن تخدع كل الناس بعض الوقت، وبعض الناس كل الوقت، لكنها لن تستطيع أبداً أن تخدع...
التفاصيل

التصنيفات

كلمات مفتاحية

هذا ليس نصّا سياسّيّا، إنما هو محاولة لفهم كيف تتحوّل المعيشة إلى معنى، وكيف يُدار الصبر بوصفه لغة الحياة.

في هذا التحول تتبدّل لغة الخطاب إلى أرقام تُبثّ في نشرات لا تقنع أحدًا، ويبقى التأجيل المستمرّ هو المؤشّر الأصدق على ما يعيشه الناس من فجوة بين الأقوال والأفعال،  فالحديث عن الغلاء لم يعد توصيفًا اقتصاديًّا، لقد تحوّل إلى مسار يومي يعيد تشكيل العلاقة بين الفرد والواقع، وفي هذا المسار يفقد الإنصاف معناه، وتُقاس الكرامة بقدرة الإنسان على الصمود في وجه الفواتير.

في البيوت يُقاس النهار بما هو متاح على المائدة، لا بموعد الشروق، وتتأرجح الحياة بين مواعيد غير محدّدة، ووعود تتلاشى في النشرات. هنا، الغلاء لم يعد رقمًا في التقارير، بل أصبح لغة للبقاء، يتحدّث الناس فيها بعبارات مألوفة تخفي العجز وتسكّن الوجع: «إذا نزل الراتب»، «يمكن الأسبوع الجاي»، «الله كريم»، «الدنيا دوّارة…»، كلمات لا تُشبع ولا تُقنع، لكنّها تمنح ما يكفي من الوهم للاستمرار.

مشهد الأسواق مغرٍ وغارق بالبضائع، لكن الأيدي خاوية، وكلّ ارتفاع جديد في الأسعار يعلن بداية أخرى من التكيّف القهري، وكلّ تعديل في الأجور يُقدَّم كـ منّة رمزيّة لا تصمد أمام أوّل فاتورة، أمّا في الداخل فتتداول العائلات أخبار أساسيات الحياة همسًا: الزيت، السكر، ….

الأب يحصي حاجاته، والأم تقارب الزمن بما يتوافر من الخدمات، والأطفال يتعلّمون العدّ من خلال الأيام الخالية.

قد يبدو ما يحدث خللًا اقتصاديّا فقط، لكنه في الواقع أسلوب حكم غير معلن تُدار به الحاجة كما تُدار المعابر، وتتكرر الإحصاءات والأرقام التي لا تقاس إلا بالولاء:

– «ثمانون بالمئة يؤيّدون»،

– «خمسة وثمانون بالمئة يشاركون»،

– «تسعة وتسعون بالمئة يدعمون…».

ومع ذلك، تبقى الشوارع أصدق من كل تلك النِسَب، تبقى ترانيم تغطّي الفراغ، وتجمّل النقص بـأناشيد تُطفأ عند أبواب مَن أنهكهم الانتظار.. مَن يسيرون وسط الغبار.. يراقبون إنجازات تتراقص في الخارج، بينما الداخل يزداد تعبًا.. الوجوه باهتة من طول الترقّب، والأصوات تهمس بـأدعية صارت شكلاً من أشكال الاعتراض الصامت، وصار الدخل المؤجّل وثيقة حياة مؤقّتة، وبات صرفه في موعده إعلانًا بسيطًا بأنّ الناس ما لا يزالون هنا.

كان الغلاء حاضرًا في العهد السابق كظلّ ثقيل يرافق اليوميّ، حمله الناس بصمت لأنّ التعب كان مشتركاً والضيق بلا لافتة، وحين لاح الأمل، ظنّوا أنّ الجوع سيرحل ، وأنّ النشيد سيحمل قمحًا لا شعارات.

لكنّ القديم لم يرحل، هو غيّر وجهه فقط، وعاد بثوب جديد من الجهة التي وُلد منها الحلم، لقد تبدّل الشعاروحسب، واستمرّ الاختبار الذي لم تُكسر فيه السلاسل، بل استدار القفل.

اليوم، الغلاء صار أقسى، ليس لأنه جوع فحسب، إنّما لأنّه صادر عن الذين وُلدوا من رحم الحلم ثم خانوه، وحوّلوا الخبز إلى وسيلة لإعادة الصمت، وجعلوا الصبر سياسة تُدار بها الحياة، ليتلخّص المشهد في عبارة دالّة لا تخلو من الألم والحقيقة في الوقت ذاته: “ما لا يُشبِع يفضح من يصنع الجوع، والخبز المؤجّل لا يُشبع، لكنه يعرّي من يوزّع الجوع”.

د. حنين الغزالي

Scroll to Top