المحاكمة.. حين تقسّم بالتساوي بين غير المتساوين

أحدث المنشورات

المشرق تحت الاختبار: نزيف الوجود المسيحي السوري 
The Erosion of the Syrian Christian Presence
المشرق تحت الاختبار: نزيف الوجود المسيحي السوري 
لم تكن الزيارة الأخيرة للبابا لاون الرابع عشر إلى لبنان وتركيا، في 30 تشرين الثاني 2025، حدثًا بروتوكوليًا...
التفاصيل
عام على السقوط حين يسقط المستبد ويبقى الاستبداد
ON YER AFTER
عام على السقوط حين يسقط المستبد ويبقى الاستبداد
ليس ثمة ما يمكن أن يسمى “عيد تحرير” إذا كانت الأيام اللاحقة له قد جرت فوق هدير المقاصل. فالسوريون...
التفاصيل
نحو إعادة بناء السوريّة: رؤية لتجديد العقد الاجتماعي
contrat
نحو إعادة بناء السوريّة: رؤية لتجديد العقد الاجتماعي
المشكلة الجوهرية التي تواجهها سوريا اليوم ليست في هيكلة المؤوسسات و المكاتب أو تعديل التسميات، بل في...
التفاصيل
من جندية الوطن إلى الجندية الأيديولوجية
army 2
من جندية الوطن إلى الجندية الأيديولوجية
كيف تتبدل هوية الجيش السوري في معسكرات التدريب؟ من بين أصوات الرصاص في معسكرات جيش سلطة الأمر الواقع،...
التفاصيل
محاولة لمقاربة مسألة التمييز بين المرأة والرجل
discrimination
محاولة لمقاربة مسألة التمييز بين المرأة والرجل
اقتراح لبعض الحلول الممكنة تُعَدّ مسألة المساواة بين الجنسين حقّاً إنسانياً وتطبيقاً للمواطنة الكاملة...
التفاصيل

التصنيفات

كلمات مفتاحية

لم يكن المشهد في قصر العدل بحلب، في أولى الجلسات العلنية لمحاكمة المتهمين بانتهاكات الساحل، مجرد خطوة قضائية عابرة، إذ بدا أقرب إلى محاولة هندسية لإعادة رسم سردية الصراع، وصياغة رواية “متوازنة” بين طرفين لم يكونا قط على كفة واحدة، لا في القوة، ولا في حجم الانتهاكات، ولا في طبيعة الدافع الذي حرك كلاً منهما.

جلسة المحاكمة جمعت بين من تصفهم حكومة أمر الواقع بـ“فلول النظام”، وبين فصائل موالية لها، اتهموا جميعاً في ملف واحد، كأن القاضي أراد القول إن الدم السوري واحد، وإن المعتدي والمعتدى عليه ينتميان إلى الجغرافيا ذاتها، لكن الخلط هنا، لم يكن بريئًا ولا يحمل أي معنى وطني.

بدا هذا الدمج محاولة لإعادة ترتيب، بل والعبث بالذاكرة أكثر من كونه سعياً للعدالة، فـ“فلول النظام” الذين هاجموا عناصر “الأمن العام” في بداية الأحداث، وفق سردية حكومة الأمر الواقع، ارتكبوا انتهاكات بحق “عسكريين حكوميين”، بينما ارتكبت الفصائل المؤازرة، ذات الخلفية المتشددة، انتهاكات بحق المدنيين، وغالبية هؤلاء المدنيين من أبناء الساحل الذين ينظر إليهم بعين الريبة والعداء بوصفهم “شبيحة”، وفق التوصيفات التي يحملها خطاب تلك الفصائل ويبرر ارتكاب الجرائم بحقهم.

خلط الطرفين في قالب واحد، وصياغة المشهد على أنه اشتباك بين “سوريين ارتكبوا انتهاكات بحق سوريين”، كما قال القاضي، يمنح انطباعًا بأن الجريمة مستوية، وأن الرأسين في ساحة واحدة، وأن العدالة توزع بشكل متناظر. لكن الحقيقة ليست كذلك، فالفصائل التابعة لحكومة الأمر الواقع، انخرطت في عمليات قتل منظم خارج نطاق القانون، وطالت مئات المدنيين على خلفية طائفية، بينما اقتصرت أفعال من تصفهم بـ“الفلول” على الاشتباك مع عناصر “الأمن العام” في بدايات الحدث، قبل أن يتم القضاء عليهم أو تفكيكهم خلال ساعات، وجاء هذا ضمن سردية حكومة الأمر الواقع أيضًا.

ومع ذلك، حملت وسائل الإعلام الرسمية الرواية بشكل منحاز، ركزت على ما وصفته بـ“جرائم الفلول”، ومررت الانتهاكات الأوسع، وصورت ما جرى كأنه محاولة تمرد من بقايا النظام السابق، بينما ظهرت الفصائل المؤازرة في المشهد بوصفها “قوى استعادة النظام”، لا كمرتكب للجريمة.

أما والحال تلك، فلم يكن تصريح القاضي بإلغاء التسمية، “لا يوجد فلول نظام، هناك سوريون يمثلون أمام القضاء”، مجرد توضيح لغوي، لأن إعادة صياغة الذنوب والبراءات تبدأ من اختيار المفردات التي تسقط الهوية السياسية عن طرف، وتحجب السلوك الأيديولوجي عن طرف آخر، وتضعهم في خانة واحدة، كأن الجريمة تقاس بعدد القتلى لا بنية القاتل.

انتقاد هذا الشكل من المحاكمة ليس اعتراضاً على مبدأ المحاسبة وغياب أي معيار قانوني فقط، بل على الطريقة التي تروج فيها العدالة لتصبح أقرب إلى ترتيب سياسي منها إلى مساءلة حقيقية، فالدمج بين طرفين غير متعادلين، وإظهار الفصائل التابعة لحكومة أمر الواقع  كأطراف واجهت “فلولاً للنظام”، يحول الضحايا إلى أرقام ويحجب هويتهم، خصوصاً حين يكون الضحايا من أبناء الطائفة العلوية، الذين جرى وضعهم في خانة “التابع للنظام” حتى عندما كانوا مدنيين خارج أي سياق عسكري.

في النهاية، يبقى الملف مفتوحاً بين الرواية الرسمية التي تريد ترتيب الأحداث في قالب متساوٍ، وبين ذاكرة الضحايا التي تسعى لرؤية العدالة في ضوء حجم الانتهاكات ودوافعها الحقيقية، وبين هاتين الروايتين، تبرز الحاجة إلى محاكمة تعكس الفارق الحقيقي بين الأطراف، لا مجرد مساواة شكلية تحاول أن تجعل الضحية والمجرم في “كفة واحدة”.

محاكمة صورية أقرب إلى المسرحية تذبح فيها الضحية من جديد، فيلح السؤال عن دور ومسؤولية المنظمات الحقوقية الدولية والأممية تجاه هذا النوع من المحاكمات؟ فالعدالة الانتقالية ليست شأناً محليًا خالصًا، والمنظمات الدولية تتحمل مسؤولية مباشرة فيها، لجهة مراقبة هذه المحاكمات وتقييم توافقها مع القانون الدولي، وكشف الانتهاكات التي تغفل أو تخفى تحت روايات سياسية، والأهم حماية حقوق الضحايا ومنع تذويب هويتهم في سرديات “التوازن الزائف”.

إن الصمت أو الاكتفاء ببيانات عامة لا يرقى إلى مستوى مسؤوليتها، خصوصًا حين تتحول المحاكمات إلى أدوات لإعادة إنتاج روايات سياسية بدلاً من تحقيق العدالة.

الصحفي: محمد مروان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top