سؤال بلهجة الخنجر

أحدث المنشورات

في مواجهة بناء عرش طاغية جديد
Le trône du pouvoir absolu
في مواجهة بناء عرش طاغية جديد
… السوري ملزم بشق طريق الحرية والديمقراطية معركة السوريين اليوم ليست ضد الرئيس الانتقالي شخصياً،...
التفاصيل
6 تشرين 1973 وحدة الصف العربي وسلاح النفط في مواجهة التفوق العسكري
poster-web-site0
6 تشرين 1973 وحدة الصف العربي وسلاح النفط في مواجهة التفوق العسكري
يمكن لسلطة الأمر الواقع أن تخدع كل الناس بعض الوقت، وبعض الناس كل الوقت، لكنها لن تستطيع أبداً أن تخدع...
التفاصيل
بيان من الكتلة الوطنية السورية
bayqn0
بيان من الكتلة الوطنية السورية
حول التوغلات الإسرائيلية والتطورات الخطيرة في الجنوب السوري تتابع الكتلة الوطنية السورية بقلق بالغ التطورات...
التفاصيل
41 مليون كتاب… وكتاب واحد
41 million books
41 مليون كتاب… وكتاب واحد
يكبر العدد في العنوان، ثم يبدأ امتحانه بين يدي طفل. واحد وأربعون مليون كتاب في الخطة؛ وكتاب واحد يفتحه...
التفاصيل
خارج الإطار
fashion
خارج الإطار
يفتح متجر للعلامات العالمية أبوابه في دمشق. مستثمر يبحث عن سوق، وعلامات تجارية تجد زبائنها، ومدينة تستقبل...
التفاصيل

التصنيفات

كلمات مفتاحية

التوحّش ليس ضرباً أو اعتقالاً فحسب. هو لحظة تقرّر فيها السلطة أنّ المواطن خصم يجب إخضاعه، وحين تبلغ هذه اللحظة، تُسقِط عمليّاً كلّ الرايات التي ترفعها، وتكشف عن خيارها الجوهريّ.
في السابع عشر من نيسان، تجمّع سوريون في شوارع دمشق، متعدّدو الخلفيّات والمناطق، يحملون وجعاً معيشيّاً متراكماً وشعاراً واحداً: الشعب السوريّ واحد. هذا هو كلّ ما فعلوه. فكان الردّ توحّشاً.
توحّش من النوع الأكثر دهاءً. جماعات محسوبة على السلطة طوّقت المتظاهرين، ووجّهت إليهم سؤالاً بلهجة التهديد: «أين كنت قبل أربع عشرة سنة؟» ثم جاء الضرب، وبعده جاءت الاعتقالات. في المقابل، وقف الأمن الرسميّ بعيداً بما يكفي ليقول إنّه لم يفعل شيئاً، وقريباً بما يكفي ليضمن أنّ الرسالة وصلت.
هذا ما يمكن تسميته بــ «التوحّش بقفّازات». وخطورته أنّه يربك الضحيّة، ويشكّك المراقب، ويمنح السلطة غطاء للإنكار، غير أنّ جوهره واحد في كلّ زمان: قرار بأنّ الخوف أنجع أدوات الحكم.
والخوف فعلاً يعمل. يُسكِت أصواتاً، ويخلي شوارع، ويجعل الناس يحسبون ألف حساب قبل أن يقولوا ما يفكرون فيه، لكنّ الدولة التي يسكت مواطنوها خوفاً تتآكل من الداخل ببطء، حتى لا يتبقّى منها غير الهيكل.
ما يزيد المشهد تعقيداً أنّ هذا التوحّش يأتي متدثّراً بشرعية الثورة، فالسؤال الذي وُجّه للمتظاهرين كان ادّعاء بامتلاك الثورة وحقّ الوصاية على من يستحقّ الانتماء ومن لا يستحقّ، وهذا الادّعاء مبنيّ على تزوير مزدوج: تزوير في قراءة التاريخ، لأنّ التحرير الذي جرى كان نتاج عوامل متشابكة وتوازنات إقليميّة ودوليّة، لا ثمرة إرادة فصيل واحد، وتزوير في فهم المواطنة، لأنّ حقّ الإنسان في التعبير لا يُمنح ولا يسقط بناءً على سجلّه في لحظة بعينها.
حين تسلك السلطة هذا المسلك، فهي تقطع الطريق على فكرة الدولة برمّتها، فالدولة الحقيقيّة تسأل مواطنها عمّا يحتاج وكيف تعينه، أمّا السلطة المتوحّشة فتسأله عن ولائه حين يطالب بكرامته، والفرق بين السؤالين هو الفرق بين الدولة والاستبداد.
والتوحّش لا يحتاج إلى من يكشفه، إنّه يكشف نفسه في وجه امرأة هُدِّدت في شارع، وفي عيني شاب اعتُقل بسبب لافتة، وفي الصمت الذي يعقب الاعتقالات، وفي الغضب الهادئ الذي يتراكم تحته. والسلطة التي تظنّ أنّ الدعم الدولي يمنحها حصانة من هذا الكشف تقع في وهم قديم، فالمصالح تشتري الوقت، لكنّها عاجزة عن شراء ثقة شعب.
سوريا اليوم أمام لحظة نادرة وهشّة في آن واحد؛ لحظة يمكن أن تُبنى فيها قواعد مختلفة، وأن تترسّخ فيها كذلك ثقافة مواطنة تجعل التعبير السلمي حقّاً محميّاً لا امتيازاً ممنوحاً، غير أنّ هذا لن يحدث من تلقاء نفسه، فهو يحدث حين يعرف المواطن حقوقه ويطالب بها، وحين تُحاسَب السلطة على كلّ تجاوز مهما صغر.
الذين نزلوا في دمشق في السابع عشر من نيسان طالبوا بما هو حقّ لكلّ إنسان في كلّ مكان: أن يعيش بكرامة، وألّا يدفع ثمن حرية قوله من أمانه. وما جرى لهم يذكّرنا بأنّ التوحّش لا يرحل برحيل الطاغية، إنّه يرحل فقط حين تقرّر الشعوب أنّها لن تقبله، مهما كانت الرايات التي يتسمّى بها.

د. حنين الغزالي

Scroll to Top