سؤال بلهجة الخنجر

أحدث المنشورات

المربع الأيديولوجي وإعادة إنتاج ثنائية "نحن/هم"
AZAM1
المربع الأيديولوجي وإعادة إنتاج ثنائية "نحن/هم"
كيف يُصنع العدو لتثبيت الشرعية؟ مقدمة: هندسة الهوية السياسية في مرحلة الانتقال في علم الاجتماع السياسي ...
التفاصيل
التضليل كأداة قهر:
NG1
التضليل كأداة قهر:
آلية استلاب المخيال الجمعي السوري إن تضليل عقول البشر على حد قول باولو فرير، هو “أداة للقهر”....
التفاصيل
سياسة الصدى
echo policy
سياسة الصدى
حين يصبح الصمت جزءًا من خطاب السلطة قد تبدو * لافتة تحمل حكمًا دينيًّا بالعقوبة حادثة معزولة في بلد أثقلته...
التفاصيل
العمل السياسي- الحزبي في سورية اليوم
partie
العمل السياسي- الحزبي في سورية اليوم
: الممكنات والآمال. يعتبر العمل السياسي” الحزبي” بالعموم في سورية من المجالات الخطرة المليئة...
التفاصيل
بيان إدانة وتحميل مسؤولية
bayqn0
بيان إدانة وتحميل مسؤولية
إن استهداف مدينة جرمانا من جديد لا يمكن اعتباره حادثًا معزولًا، بل نتيجة مباشرة للشحن الغرائزي الطائفي...
التفاصيل

التصنيفات

كلمات مفتاحية

التوحّش ليس ضرباً أو اعتقالاً فحسب. هو لحظة تقرّر فيها السلطة أنّ المواطن خصم يجب إخضاعه، وحين تبلغ هذه اللحظة، تُسقِط عمليّاً كلّ الرايات التي ترفعها، وتكشف عن خيارها الجوهريّ.
في السابع عشر من نيسان، تجمّع سوريون في شوارع دمشق، متعدّدو الخلفيّات والمناطق، يحملون وجعاً معيشيّاً متراكماً وشعاراً واحداً: الشعب السوريّ واحد. هذا هو كلّ ما فعلوه. فكان الردّ توحّشاً.
توحّش من النوع الأكثر دهاءً. جماعات محسوبة على السلطة طوّقت المتظاهرين، ووجّهت إليهم سؤالاً بلهجة التهديد: «أين كنت قبل أربع عشرة سنة؟» ثم جاء الضرب، وبعده جاءت الاعتقالات. في المقابل، وقف الأمن الرسميّ بعيداً بما يكفي ليقول إنّه لم يفعل شيئاً، وقريباً بما يكفي ليضمن أنّ الرسالة وصلت.
هذا ما يمكن تسميته بــ «التوحّش بقفّازات». وخطورته أنّه يربك الضحيّة، ويشكّك المراقب، ويمنح السلطة غطاء للإنكار، غير أنّ جوهره واحد في كلّ زمان: قرار بأنّ الخوف أنجع أدوات الحكم.
والخوف فعلاً يعمل. يُسكِت أصواتاً، ويخلي شوارع، ويجعل الناس يحسبون ألف حساب قبل أن يقولوا ما يفكرون فيه، لكنّ الدولة التي يسكت مواطنوها خوفاً تتآكل من الداخل ببطء، حتى لا يتبقّى منها غير الهيكل.
ما يزيد المشهد تعقيداً أنّ هذا التوحّش يأتي متدثّراً بشرعية الثورة، فالسؤال الذي وُجّه للمتظاهرين كان ادّعاء بامتلاك الثورة وحقّ الوصاية على من يستحقّ الانتماء ومن لا يستحقّ، وهذا الادّعاء مبنيّ على تزوير مزدوج: تزوير في قراءة التاريخ، لأنّ التحرير الذي جرى كان نتاج عوامل متشابكة وتوازنات إقليميّة ودوليّة، لا ثمرة إرادة فصيل واحد، وتزوير في فهم المواطنة، لأنّ حقّ الإنسان في التعبير لا يُمنح ولا يسقط بناءً على سجلّه في لحظة بعينها.
حين تسلك السلطة هذا المسلك، فهي تقطع الطريق على فكرة الدولة برمّتها، فالدولة الحقيقيّة تسأل مواطنها عمّا يحتاج وكيف تعينه، أمّا السلطة المتوحّشة فتسأله عن ولائه حين يطالب بكرامته، والفرق بين السؤالين هو الفرق بين الدولة والاستبداد.
والتوحّش لا يحتاج إلى من يكشفه، إنّه يكشف نفسه في وجه امرأة هُدِّدت في شارع، وفي عيني شاب اعتُقل بسبب لافتة، وفي الصمت الذي يعقب الاعتقالات، وفي الغضب الهادئ الذي يتراكم تحته. والسلطة التي تظنّ أنّ الدعم الدولي يمنحها حصانة من هذا الكشف تقع في وهم قديم، فالمصالح تشتري الوقت، لكنّها عاجزة عن شراء ثقة شعب.
سوريا اليوم أمام لحظة نادرة وهشّة في آن واحد؛ لحظة يمكن أن تُبنى فيها قواعد مختلفة، وأن تترسّخ فيها كذلك ثقافة مواطنة تجعل التعبير السلمي حقّاً محميّاً لا امتيازاً ممنوحاً، غير أنّ هذا لن يحدث من تلقاء نفسه، فهو يحدث حين يعرف المواطن حقوقه ويطالب بها، وحين تُحاسَب السلطة على كلّ تجاوز مهما صغر.
الذين نزلوا في دمشق في السابع عشر من نيسان طالبوا بما هو حقّ لكلّ إنسان في كلّ مكان: أن يعيش بكرامة، وألّا يدفع ثمن حرية قوله من أمانه. وما جرى لهم يذكّرنا بأنّ التوحّش لا يرحل برحيل الطاغية، إنّه يرحل فقط حين تقرّر الشعوب أنّها لن تقبله، مهما كانت الرايات التي يتسمّى بها.

د. حنين الغزالي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top