أحدث المنشورات
التصنيفات
كلمات مفتاحية
- Home
- خطاب السلطة
تشكّل ظاهرة الاختفاء القسريّ إحدى الظواهر المظلمة في المجتمع السوريّ، فالسطة السوريّة في النظام السابق، لم تتوقّف منذ نصف قرن عن ممارسة الخطف للأشخاص المناوئين لها، فالضحايا كثر، وتلك الممارسات ازدادت مع بداية الانتفاضة الشعبيّة السوريّة حتى وقت سقوط النظام عام 2024.
ومع سقوط النظام السابق تفاءل أهل المختفين قسراً بكشف ملابسات اختفاء أحبّتهم وذويهم، لكنّ هذا السقوط جاء بإرادة إقليميّة (تركيّة، إسرائيليّة) ودوليّة، فتمّ تنصيب أكثر التنظيمات تطرّفاً (جبهة النصرة) بقيادة أبو محمد الجولاني (أحمد الشرع) ليكون بديلاً عن السلطة السابقة، وهذا البديل، في أثناء حكمه لمدينة إدلب، لم يكن أقلّ سوءاً من النظام، فكان الاختفاء القسريّ نهجاً تسلكه جبهة النصرة، لذلك لم تكترث تلك السلطة الجديدة لآلام أهل الضحايا، والكشف عن المختطفين قسراً لديها أو لدى النظام السابق.
إنّ هذا الخطف وتلك الممارسات البشعة بحقّ المواطنين السوريّين اصطُلح عليها في القانون الدولي بمصطلح الاختفاء القسريّ، والخطف حسب المصطلح السياسيّ والإعلاميّ، والمقصود به: احتجاز شخص (أو أشخاص) محدّد الهوية من جانب جهة غامضة أو مجهولة، سواءٌ كانت سلطة أو منظّمة أو أفراد، وتقوم هذه الجهة بإخفاء مكان الشخص، وترفض الكشف عن مصيره أو الاعتراف باحتجازه، وتسعى لإخفاء معالم فعلتها النكراء.
فالضحايا أوّل المتضرّرين والمكتوين بنار الاختفاء القسريّ أو الاختطاف السياسيّ، وهم يعانون أقسى المعاناة، لأنّهم لا يعرفون مصيرهم، وهل سيطول اختطافهم، وهل سيُفرج عنهم في ظلّ الظروف والملابسات الغامضة والكثيرة، حتى يكاد اليأس يتسلّل إلى نفوسهم كلّما طال وقت الاختطاف، وكلّما كان انقطاعهم عن العالم الخارجيّ تامّاً وشاملاً.
ولعلّ الخطير في الأمر أنّ سلطة الأمر الواقع تمارس الخطف ضد مواطنيها، في حين تحرّم قوانينها الوضعيّة، فضلاً عن قواعدها الدينيّة، مثل هذه الأعمال، وتَعِد بأشدّ أنواع العقوبات. والسؤال: لماذا الدولة السوريّة تستبدل بوظيفة الدولة، وهي حفظ وتنظيم حياة المواطنين، مهمّات عصابة خارجة عن القانون، حين تقوم بخطف مواطن أو احتجاز سيّدة أو أخذ رهائن؟
تمتلك سلطة الأمر الواقع وأجهزة أمنها صلاحيّات فوق القانون، فتعتقل المواطنين من محلّ السكن أو العمل، ويُصطحب هؤلاء المواطنون من دون معرفة مكان الاعتقال، وقد تطول المدّة، أو يلقى المواطن حتفه تحت التعذيب، ولا حساب على الجريمة طالما لم يسجّلوا ذلك في سجلّات المعتقلين، فهم غير موجودين فعليّاً، فيتمّ دفنهم.
ولكون سورية دولة عضواً في الأمم المتّحدة ومقيّدة بميثاقها، تصبح ملزمة قانونيّاً بالاتفاقيّات والمواثيق الدوليّة الخاصّة بحقوق الإنسان والتي صادقت عليها، لكونها قواعد آمرة، أي ملزمة، وبارتكابها جريمة الاختطاف أو الاختفاء القسريّ تكون قد خرقت “الشرعيّة الدوليّة” في أكثر من محور، وكذلك الحقوق الفرديّة للإنسان المدوّنة في المواثيق والمعاهدات الدوليّة. ويمكننا مقاربة ذلك قانونيّاً في الحقوق الآتية:
– حقّ الحياة والحريّة والأمان الشخصيّ، فالإعدام تعسّفاً، أي خارج القضاء، أو الموت تحت التعذيب عند الاختفاء، أو المعاملة القاسية وعدم الرعاية، تعدّ كلّها انتهاكاً لمقتضيات المادّة الثالثة من “الإعلان العالميّ لحقوق الإنسان” التي تنصّ على أنّ “لكل فرد حقّ الحياة والحريّة والأمان الشخصيّ”، وكذلك المادّة السادسة من العهد الدوليّ الخاصّ بالحقوق المدنيّة والسياسيّة، والمادّة التاسعة من الإعلان العالميّ التي تنصّ على عدم جواز اعتقال إنسان أو احتجازه أو نفيه تعسّفاً.
– الحقّ في الاعتراف بالإنسان كشخصيّة قانونيّة، فالاختفاء القسريّ يحجب عن الإنسان أن يكون له الحقّ في أن يُعترف به كشخصيّة قانونيّة، ولاسيّما أنّه مجهول المصير ومجهول المكان، ويعدّ في وضعيّة خارج النطاق القانونيّ، وهو ما يتعارض مع مقتضيات المادّة السابعة من الإعلان العالميّ التي تنصّ على “أنّ جميع الناس متساوون أمام القانون، ويتساوون في حقّ التمتّع بحماية القانون دونما تمييز”.
– الحقّ في محاكمة عادلة، أي حقّ كلّ إنسان في اللجوء إلى المحاكم الوطنيّة المختصّة لإنصافه الفعليّ من أيّة أعمال تنتهك الحقوق الأساسيّة التي يمنحه إيّاها القانون، وهو ما نصّت علية المادّة الثامنة من الإعلان العالميّ، والمادّة الرابعة من العهد الدوليّ، وذلك أنّ الاختفاء القسريّ يعني حرمان الشخص من حقّه في المثول أمام محكمة عادلة.
– الحق في حياة أسريّة طبيعيّة، فالاختفاء يلغي حقّ الإنسان في حياة أسرية طبيعيّة، بما يتناقض مع الإعلان العالميّ والعهد الدوليّ، وبخاصة مع مقتضيات الإعالة والتربية للأطفال، وغيرها من الحقوق الاقتصاديّة والاجتماعيّة والثقافيّة.
ناصر الغزالي



