أحدث المنشورات
التصنيفات
كلمات مفتاحية
- Home
- خطاب السلطة
جوهر أم غطاء للتطرف والعنف؟
ليس جديداً أن تُمارس الجماعات المتطرفة “قرصنة الرموز” لاستغلالها في إضفاء شرعية على العنف، ولا يقتصر على البلاد العربية حتماً.
وإذا بدأنا بـ “د ا عـ ش” الذي اتخذ شعارات للإيحاء بأنه امتداد مباشر للدولة الإسلامية التاريخية، ولإعطاء أعماله الإجرامية غطاءً شرعياً مقدساً هو “الرايات السوداء” لإقناع المقاتلين بأنهم يشاركون في معركة مصيرية موعودة، مما يزيد الولاء العميق والانخراط الأعمى في صفوفه. اختار “ختم النبي” (ص) في وسط رايته لخدمة حرب الدعاية النفسية؛ فيرهب الخصوم بشعارات مقدسة، ويكمم أفواه العامّة عن انتقاد الشعار لأنه يحمل اسم النبي. فيجف الحبر وترفع الأقلام.
قبل د ا عـ ش، اعتدى جهيمان العتيبي على قدسية الحرم المكي باسم “المهدي”، حيث شكّل مع أتباعه ما عُرف بـ “الجماعة السلفية المحتسبة”، وقدّم صهره محمد عبد الله القحطاني للمصلين على أنه “المهدي المنتظر”، وطالب الحاضرين بمبايعته بين الركن والمقام، مبرراً ذلك بأفكار تكفيرية وتطرف عقائدي ودعا لإسقاط الدولة.
أعدم جهيمان وأتباعه 1980 إلا أن تلك الحادثة كانت نقطة تحول مفصلية في تاريخ المنطقة؛ فقد شكّلت أفكاره لاحقاً البذرة الأولى لنشوء ما يُعرف بـ “الجهادية المعاصرة”، وتسببت تلك الحادثة في فرض قيود اجتماعية وصحوة دينية متشددة عقوداً طويلة.
أما عالمياً، فقد اختطف النازيون رمز “السواستيكا” الهندي وحوّلوه من رمز تاريخي وديني قديم للسلام والرخاء في ثقافات متعددة (الهندوسية والبوذية) إلى أيقونة للعنصرية والفاشية، كجزء من استراتيجية نازية لترسيخ خرافة التفوق العرقي، وتوحيد الأتباع تحت شعار بصري قوي ومؤثر.
كذلك استغلت حركة “الكو كلوكس كلان” الصلبان المسيحية لترويج العنصرية. حيث اعتمدت هذه التنظيمات على تجريد الرموز المألوفة من معانيها الأصلية كالرحمة والسلام، وإعادة شحنها بأجندات إرهابية لسهولة التأثير والسيطرة. ارتدوا الأثواب والقبعة المخروطية البيضاء رمزاً لنقاء العرق الأبيض، وحملوا الصلبان المحروقة وعاثوا فساداً وإجراماً بحق المواطنين الأصليين والسود والمهاجرين والكاثوليك وغيرهم، وفي حقبة الخمسينات، شنّوا حملة شعواء عنيفة على حركة الحقوق المدنية التي قادها مارتن لوثر كينغ، فقتلوا واحرقوا وأعدموا الناس على انتماءاتهم المتنوعة.
نصل إلى هيئة تحرير الشام التي اختارت رموزاً تحمل معاني مزدوجة؛ فشكلياً تعتمد على مرجعية إسلامية عامة (التوحيد والرايات المألوفة)، ووظيفياً وسياسياً تستخدم رموزاً تاريخية وجغرافية محلية (مثل إرث الشام وبني أمية) لشرعنة وجودها كسلطة حكم أمر واقع مقبولة محلياً وإقليمياً، ولطمس إرثها السابق المرتبط بتنظيم القـ اعـ دة (د ا عـ ش). غيرت راياتها التي اعتمدتها حينما كانت جبهة النصرة، وشكّلت مقاتلين في ألوية تحمل أسماء توحي بالصلابة والقوة كـ “قوات النخبة” و”العصائب الحمراء”، واختارت “الإرث الأموي” لاستحضار الهوية الحضارية لدمشق كعاصمة تاريخية، مما يمنح مشروعها عمقاً عربياً وإسلامياً مرتبطاً بالجغرافيا السورية، ويخدم هذا الاختيار التحول البراغماتي للهيئة من الخطاب الجهادي العابر للحدود إلى تقديم نفسها كقوة محلية وإدارة سلطة أمر واقع، مستفيدة من الرمزية الأموية لشرعنة حكمها، وتخفيف الهواجس الإقليمية عبر رموز تاريخية مألوفة، إلى جانب توجيه رسالة سياسية بانتهاء حكم نظام البعث واستعادة دمشق لهويتها التقليدية.
في الحقيقة، لا تعبر الدولة الأموية عن هيئة تحرير الشام؛ ولا تحمل (هـ تـ ش) هوية دمشق. فالاستخدام مجرد تكتيك سياسي ورمزية وظيفية لشرعنة السلطة. فقد كانت الدولة الأموية إمبراطورية عالمية واسعة أدارت تنوعاً عرقياً ودينياً ضخماً عبر مؤسسات وبراغماتية مرنة. بينما هيئة تحرير الشام التي صُنفت منظمة إرهابية وأسقطت عن قادتها صفة الإرهاب بمؤامرة أمريكية، وأرادت ارتداء قناع الدّولة، هي مجرد فصيل إ رهـ ا بي متشدد تحوّل لسلطة أمر واقع محصورة في النطاق السوري، وتدار وفق أيديولوجية إسلامية حركية محددة.
وبعد ما يقارب العامين من استيلاء (هـ تـ ش) على سورية، وما آلت إليه أوضاع البلاد والعباد من فقر مدقع، وتوقف النشاطات الاقتصادية، وتراجع الزراعة، واختفاء الصناعة، حتى البسيطة منها، وهجرة كل من يستطيع الهجرة ولو قطع آخر خيط يربطه بوطنه، وحرمان الآلاف من التعليم مع سوئه، وتدني كل أنواع الخدمات، وغياب أي تطور أو ازدياد في فرص العمل، واستشراء الفساد والمحسوبيات وبزنس الأقرباء، وغياب الحقوق المدنية، وتهديد حياة الأقليات، والخطف والنهب والقتل، والعجز عن تأمين الحد الأدنى من العيش بكرامة للسوريين، كل ذلك، يعني بما لا يدع مجالاً للشك، أن سلطة الامر الواقع التي هي صنيعة الأمريكي والتركي وغيرهما، تستغل الرموز الدينية والتاريخية لخدمة خطاب إعلامي لا يعكس أي تطابق حقيقي في طبيعة الحكم، الاتساع، أو البنية الاجتماعية مع الدّولة الاموية، ولا مع مبادئ الدّين الإسلامي.
تخلص الغرب من سطوة التطرف بقوة الدولة المسؤولة عن حياة مواطنيها ومحاسبة المعتدين. فماذا ينتظر السوريون ليرفضوا هذه السلطة ويتخلصوا من إجرامها ودمويتها ونهبها وتدميرها لوطنهم؟!
عضو في الكتلة الوطنية السورية