أحدث المنشورات
التصنيفات
كلمات مفتاحية
- Home
- خطاب السلطة
قراءة في خطاب السلطة والشهادة في كتاب «غزوة السويداء بلسان ضحاياها» لنجاة عبد الصمد
تستوقفني في خاتمة مقدّمة نجاة عبد الصمد كلمة «حدّق». تخاطب الكاتبة قارئها: «صديقي الإنسان؛ على الأقل حدّق في المجزرة وفكّر في: كيف لا تحدث مرّة أخرى!» (ص ١١). تطلب الكلمة من العين أن تبقى أمام ما قد تدفعها فداحته إلى الانصراف. وتجعل عبارة «على الأقل» النظر حدًّا أدنى من المسؤولية، ثم تفتح التفكير على ما يتجاوز المعرفة بالمأساة إلى منع تكرارها.
يتناول الكتاب الحملة على السويداء في تموز/يوليو ٢٠٢٥، ويوثّق، من خلال روايات الضحايا والشهود، انتهاكات ارتكبتها قوات وزارتي الدفاع والداخلية ومجموعات عشائريّة شاركت في الهجوم. وتتيح قراءة هذه الشهادات تتبّع ما فعلته القوّة بالكلام: كيف استعملت الوعد، وحدّدت الإجابات المقبولة، وطالبت الضحية بالإقرار بطيبتها، وامتدّت إلى الكلمات التي يُحفظ بها الموتى في الذاكرة.
أعادتني «حدّق» إلى الجاحظ؛ إلى ما تستدعيه قراءتي له من يقظة أمام التفاصيل، وتتبع لما تكشفه عن الإنسان وأحواله. وتلتقي هذه اليقظة، في قراءتي لعبد الصمد، بعين الكاتبة الثاقبة وقدرتها على الإصغاء إلى الألم. لعلّ خبرتها في الطبّ منحت هذا الإصغاء حساسيّة إضافيّة؛ فالألم يأتيها محمولًا على جسد وصوت وحكاية، وتحتاج معرفته إلى ملاحظة ما يظهر، وإفساح الوقت لما يستطيع صاحبه قوله. إنها صلة تقترحها القراءة بين تجربتي الطبّ والكتابة، وتجد ما يسندها في عنايتها بتفاصيل الشهادات.
كلمة على كيس جثمان، وسؤال في مشفى، ووعد على عتبة بيت؛ تفاصيل يتغير معناها بحسب من ينطق بها، ومن يستمع إليها وما يستطيع كل منهما فعله بالآخر. ومن هذه المسافة بين الكلمات وظروف استعمالها تنطلق القراءة: ماذا يفعل الكلام حين تسنده بندقية، وماذا يستطيع أن يفعل حين لا يملك صاحبه سوى شهادته؟
تقول عبد الصمد: «بالإصغاء نحاول فهم ما حدث، نسمّي الفعل باسمه الصريح، ونسمّي فاعله» (ص ١٠). تقرن العبارة الفهم بالتسمية، ثم تصل الفعل بمن ارتكبه. وتصبح التسمية فعل مساءلة؛ إذ تمنع أن تبدو المأساة كأنها حدثت من تلقاء نفسها، أو أن يتوارى المسؤول عنها خلف وصف عام.
وتعلن الكاتبة غاية هذا المسار حين تربط الرواية بالكشف عن المظلومية، وحماية الهُويّة الجمعيّة، والسير نحو «العدالة ومحاكمة المجرمين» (ص ١٠). تكتسب التفاصيل قيمتها من هذا الأفق أيضًا؛ فهي تحفظ الوقائع وأصوات من يروونها، وتُبقي مادة يمكن العودة إليها وفحصها.
تذكر عبد الصمد أنها أجرت مقابلات صوتيّة ومصوّرة، واحتفظت ببيانات الشهود، واستعانت بوثائق وتقارير، وتحقّقت منها قدر استطاعتها، وحجبت أسماء معظم الشهود حماية لهم (ص ١١). تضيء هذه المعلومات الطريق الذي عبرته التجربة حتى صارت نصًا، وتتيح مساءلة مصادر المعرفة وحدودها: ما الذي عاينه الشاهد، وما الذي سمعه، وكيف انتقلت روايته إلى الكتاب؟ تحفظ هذه الدقّة قيمة الشهادة، وتمنع تحميلها أكثر مما تقوله.
لكن الطريق إلى الشهادة يمرّ بأصوات متفاوتة القدرة على الكلام: صوت يأمر، وصوت يجيب تحت التهديد، وصوت يحتاج إلى استحلاف من يستمع إليه.
تفتتح إحدى الممرضات شهادتها: «أمانة يا دكتورة اعطيني وقت واسمعيني.. أمانة وصّلي صوتنا» (ص ١٠٣). تتتابع مطالبها من الوقت إلى الإصغاء إلى إيصال الصوت. ويحمل النداء «يا دكتورة» رجاء أن تُصغي إلى الحكاية بالعناية التي تُصغي بها إلى الجسد الموجوع؛ فثمّة ألم يحتاج صاحبه إلى من يتّسع إصغاؤه لما تعجز الكلمات عن حمله.
يوحي تكرار «أمانة» بخشية من ضياع التجربة عند روايتها؛ أن تُستعجل، أو تُختصر، أو تمرّ بين أخبار كثيرة. وتضع الشاهدة الكاتبة في موضع المؤتمنة على ما سيبقى من صوتها. إنها تحدّد ما تحتاج إليه الرواية كي تُنقل، وتحمّل من يسمعها مسؤولية ما سيفعله بها. وحين تصل الشهادة إلينا، يصبح طلبها موجّهًا إلينا أيضًا. تأتي «حدّق» امتدادًا لذلك الرجاء: أعط ما حدث وقتًا في وعيك.
تتضح فداحة الحاجة إلى الإصغاء حين ننتقل إلى كلام يصدر عمّن يملك السلاح. تروي إحدى الشاهدات أن المهاجمين نادوا الرجال: «سلّموا حالكم وعليكم الأمان» (ص ٦٠). نزل الرجال، ثم تروي الشهادة إعدامهم. بين النداء ومصير من استجابوا له تنكشف فداحة استعمال كلمة «الأمان».
يطلب النداء من المخاطبين تسليم أنفسهم، ويضع في المقابل عهدًا يعرفون معناه. تحمل الكلمة رصيدًا من الثقة، وتتيح للخائف أن يتصوّر نهاية للخوف. ومن هذا الرصيد تستمد قدرتها على حمله على الاستجابة. هنا يفعل الوعد شيئًا في العالم: يغيّر سلوك من يسمعه، ويجعله يسلّم نفسه إلى صاحبه. وحين يعود في الشهادة بعد انكشاف المصير، يحمل معه واقعة نقضه.
ثم يقول أحد المهاجمين للنساء: «من شواربي راح رجّعلكن آباءكن، كلها ساعتين تحقيق وبيرجعوا» (ص ٦٠). يستدعي ضمانة الشرف الشخصي، ويمنح الانتظار نهاية قريبة. تقلّل «كلها» من وطأة الغياب، وتكسو «تحقيق» الاقتياد صورة إجراء ينتهي بالعودة.
تروي الشاهدة أن الرجال كانوا قد قُتلوا. تمتدّ السيطرة بذلك إلى ما تعرفه النساء وما ينتظرنه: يبقى أحباؤهن أحياء في الوعد، بعدما صاروا موتى في الواقع. يحفظ التوثيق هذا التفاوت المروّع بين معرفة القاتل وانتظار أهل القتيل، ويكشف ما حجبه الكلام عن المنتظرات. وتعود الجملة في الشهادة وقد فقدت قدرتها على الطمأنة، وصارت تفضح ما أخفته.
وتتّخذ محاولة التحكّم في الحكاية صورة أخرى في شهادة سناء. بعد تقديم دواء وطعام، يقول محتجزوها: «أرأيتم كم نحن طيّبون؟ نحن الذين أسعفناكم!» (ص ٧٨). يفترض السؤال طيبة المتكلّم، ثم يطلب من المحتجزين التصديق عليها. وتضع «نحن» أصحاب السلطة في مركز المشهد بوصفهم منقذين، بينما يُدفع سبب وجود المصابين بين أيديهم إلى خارجه.
تجيب سناء: «نعم. أنتم جيدون، لكن، لماذا جلبتمونا إلى هنا؟».
يصعب فصل موافقتها عن الظروف التي قيلت فيها. تتكلّم امرأة لا تزال حياتها وحياة أحفادها متعلّقة بأصحاب السلطة على المكان. تحتمل كلماتها الأولى مسايرةً تتيح استمرار الحديث؛ ولا تكفي العبارة وحدها للجزم بما تشعر به. ثم يأتي سؤالها ليستعيد ما يحاول خطاب الإحسان تجاوزه: سبب وجودهم تحت هذه السلطة أصلًا.
يريد صاحب سلطة الاحتجاز أن يُذكر بوصفه من قدّم الدواء، وتعيده سناء إلى مسؤوليته عن احتجازهم. يختار لحظة الإغاثة بدايةً للحكاية، وتستعيد هي ما سبقها. يتنازع الطرفان حق تحديد بداية الحكاية ومعناها؛ ومن يملك البداية يستطيع أن يعيد توزيع أدوار المنقذ والضحية.
تكشف الواقعة كيف تستطيع سلطة الأمر الواقع، حين تصبح حاجات الإنسان في قبضتها، أن تعرض إشباع بعضها فضلًا يستوجب الامتنان. وتمنع تتمة جواب سناء اقتطاع موافقتها وتقديمها شهادةً على طيبة محتجزيها. فالسؤال الذي يلي المديح يغيّر طريقة قراءته، ويعيد إلى الكلام ما قد يطمسه عزله عن سياقه.
يتكرّر الصراع على المعنى في رواية مقتل منير الرجمة. يورد الكتاب سؤاله عن هُويّته، وجوابه: «أنا سوري يا خيّي»، ثم اعتراض السائل: «إيش يعني سوري؟! درزي أو مو درزي؟» (ص ١٢٢). تستدعي «سوري» وطنًا مشتركًا، وتحاول «يا خيّي» تقريب المسافة بين رجلين جعل السلاح أحدهما قادرًا على تقرير مصير الآخر.
لكن التعريف الوطنيّ لا يُقبل جوابًا. يُطالب الرجل بإعادة تعريف نفسه وفق التصنيف الذي يفرضه السائل. وتكشف «إيش يعني سوري؟!» انهيار الحماية التي يرجوها من انتمائه؛ فالكلمة التي يستدعي بها رابطة مشتركة تُرد إليه كأنها لا تجيب عن شيء.
يملك حامل السلاح السؤال، ويملك أيضًا تحديد الإجابة المقبولة. تصبح الهُويّة التي يريدها السائل شرطًا لاستمرار الحوار، مهما كان المصير الذي ينتظر المجيب. وفي هذه المسافة تتكشف هشاشة المواطنة حين يُنتزع من الإنسان حق تعريف نفسه، ويعجز اسم الوطن عن حمايته.
وحين ينتقل التصنيف إلى المشفى، تتغيّر وظيفته مرّة أخرى. ترد في شهادة المصابتين عبارة: «دروز! وتريد منا أن نعالجهم؟» (ص ٧٩). يكاد الاسم وحده يؤدّي وظيفة الحجّة، ثم يأتي الاستفهام مستنكرًا طلب العلاج. تصبح هُويّة الجريح سببًا للاعتراض على نجدته، بعدما كان جرحه يفترض أن يكون كافيًا لاستدعائها.
يبدأ الإقصاء بجعل الحق موضع استغراب. يُدفع طالب النجدة إلى الدفاع عن أمر كان ينبغي أن يضمنه وجود المصاب في المشفى. ويكشف السؤال كيف تستطيع كلمة أن تزاحم الجرح على تعريف صاحبه، وأن تغيّر موقعه من إنسان يحتاج إلى العلاج إلى شخص يُستنكر علاجه.
تصل سلطة التعريف إلى الموتى أيضًا. يكتب الطبيب على كيس جثمان زميله طلعت عامر: «الشهيد المرحوم الدكتور طلعت عامر». ينتبه زميله إلى مسلّح يراقبهم، فيهمس له: «لا تكتب كلمة الشهيد». يحاول الطبيب محوها بأصابعه والماء، ثم يمحوها بشاش مبلّل بالكحول، والمسلّح يراقب بلا انقطاع (ص ٨٥).
يمكن قراءة هذا المشهد في ضوء مفهوم «التوحّش الاستذكاريّ»، كما تناولته حنين الغزالي في مقالها «سوريا بين الابتلاعيّة والتوحّش الاستذكاريّ»؛ أي امتداد السلطة إلى ذاكرة الناس، وتدخّلها في تحديد من يُعترف بمعاناته ومن يُدفع إلى الصمت. يصل الضغط إلى الكلمة التي اختارها الطبيب لتكريم زميله. يبقى الاسم، وتصبح الصفة التي تعبّر عن معنى موته لدى من يكرّمه محاطة بالخطر.
لا تنقل الشهادة أمرًا مباشرًا من المسلّح بالمحو؛ تنقل أثر حضوره في يد الطبيب. يخاف الطبيب ممّا يفهم أنه قد يترتّب على بقاء الكلمة، فيزيلها قبل أن يُطلب منه ذلك. تبلغ السيطرة حدًا يجعل توقّع العقاب يؤدّي عمل الأمر.
لكن الشهادة تعيد الكلمة التي محتها اليد. تحفظ عبد الصمد العبارة المكتوبة، والتحذير الهامس، والماء، والكحول، والعين المراقبة؛ فيقرأ المتلقّي «الشهيد»، ويعرف كيف أُزيلت من الكيس. يستعيد التوثيق الكلمة، ويحفظ معها ظروف محوها. وهكذا تصبح محاولة إسكات الذاكرة نفسها واقعة ترويها الذاكرة.
وفي الصفحة نفسها، يصف مرافق مريض نجاته بقوله: «أنا شهيد حيّ». يستعيد اللفظ من تجربته، جامعًا الموت والبقاء في تعريف واحد. وبين كلمة تُمحى عن جثمان وكلمة ينطق بها ناجٍ، تتكشّف منازعة على حق منح التجربة اسمها. يحاول الناجي أن يقول مقدار ما عاشه؛ فيستدعي الموت ليصف حياة خرج بها من التهديد بالتصفية.
ومع ذلك، لا تكون حماية الإنسان مرادفة لإظهار اسمه دائمًا. يقول الرجل الدرعاوي الذي يساعد المصابتين: «لا تذكروا اسمي» (ص ٧٩). يكشف طلبه الخطر المحيط بفعل النجدة؛ يحدث التضامن، ويخشى صاحبه أن يُعرف به.
تكتسب سياسة حجب أسماء الشهود دلالتها من هذا السياق أيضًا. تحفظ الكاتبة الوقائع، وتحجب ما قد يعرّض أصحابها للأذى. تختلف غاية الحجب هنا عن غاية المحو: إخفاء الاسم يهدف إلى حماية صاحبه كي تبقى شهادته ممكنة، وإزالة «الشهيد» تكشف الضغط الواقع على حق الأحياء في تسمية موتاهم. يتحدّد معنى الإظهار والإخفاء بما يفعلانه بالإنسان في كل موقف.
وتؤثر طريقة بناء الكتاب في استقبال هذه الأصوات. تصرّح عبد الصمد بأنها تتعمّد تكرار وقائع بعينها «لبلاغة دلالاتها»، كي لا تمرّ عابرة وسط زحمة المعلومات (ص ١١). يمنح التكرار بعض المشاهد أكثر من فرصة للبقاء في انتباه القارئ، ويقاوم سرعة الانتقال من فاجعة إلى أخرى. وتقتضي دقّة القراءة، في المقابل، التمييز بين تكرار الواقعة نفسها وتعدد الوقائع أو الشهادات المستقلّة عنها؛ كي يحتفظ التوثيق بقوته دون أن يُحمَّل ما لا يدل عليه.
وتتّسع أسئلة المواطنة في الصفحات التي اختارت لها المؤلّفة عنوان «ما يشبه الختام» (ص ١٧٧). يترك العنوان مسافة بين انتهاء الكتاب وانتهاء المأساة. وتنبّه عبد الصمد في ختامها إلى احتمال إنتاج عنف وتسلط من داخل المجتمع نفسه، مع تراجع الحراك المدنيّ والالتفاف حول السلطة الدينيّة (ص ١٧٨). تمتد مساءلة القوّة بذلك إلى داخل الجماعة المجروحة؛ فحقها في رواية ألمها يتصل بحق أفرادها في الاختلاف، وفي التعبير عن تجاربهم بأصوات متعددة.
تصل هذه الأسئلة إلى المواطنة من تفاصيلها الأولى: حق الإنسان في أن يُقبل تعريفه لنفسه، وأن يحصل على الماء والعلاج، وأن يصدّق وعد الأمان، وأن يسمّي ميّته، وأن يروي ما حدث دون أن يخشى عقاب الرواية.
لهذا تبقى «حدّق» معلّقة بعد إغلاق الكتاب. تدعونا إلى رؤية ما فعلته القوّة بالأجساد والكلمات والذاكرة، وإلى حفظ الفروق التي تقوم عليها المسؤوليّة: بين من أمر ومن نفّذ، وبين من عاين ومن سمع، وبين قول الشاهد وتأويل ناقله. تخدم هذه الدقّة حق الضحايا في العدالة؛ فالتوثيق يحفظ مادة للفحص والتحقيق، وتبقى مهمة إثبات المسؤوليّات والحكم فيها للقضاء.
وحين تسأل سناء: «لماذا جلبتمونا إلى هنا؟»، تستعيد بداية الحكاية التي يحاول خطاب الإحسان حجبها. يحمل الكتاب سؤالها إلى قارئه، ومعه أسماء ووقائع وشهادات تقاوم النسيان. كيف نعبر بهذه المعرفة من الإصغاء إلى المساءلة، حتى تبلغ الشهادة غايتها التي أعلنتها عبد الصمد: العدالة ومحاكمة المجرمين؟
د. سلمى الراوي