أحدث المنشورات
التصنيفات
كلمات مفتاحية
- Home
- خطاب السلطة
مقدمة: اختبار الدم
في التحليل السياسي تُعتبر الممارسة الميدانية خاصة في أوقات الأزمات أصدق مؤشر على حقيقة الخطاب السياسي. فما يجري على الأرض يكشف ما تخفيه الكلمات.
في 2025 شهدت سوريا اختباراً دموياً لهذه القاعدة عندما اندلعت أحداث عنف طائفي في الساحل السوري ومدينة السويداء راح ضحيتها آلاف المدنيين من الطائفة العلوية والدرزية في مشهد هزّ أركان الدولة الجديدة وأظهر تناقضاتها العميقة.
من التهميش إلى التصفية: خلفيات الأحداث
لم تأتِ أحداث 2025 من فراغ بل كانت تتويجاً لسياسات إقصاء ممنهجة مارستها السلطة منذ وصولها:
١. إبعاد آلاف الموظفين المدنيين من أبناء الطائفة العلوية من دوائر الدولة بحجّة
“التطهير من بقايا النظام”.
٢. حلّ أجهزة الأمن والجيش التي تضم نسبة كبيرة من العلويين دون تقديم بديل يضمن حقوقهم المهنية.
٣. خطابٌ تحريضي إعلامي صادر عن بعض المنصات المقربة من السلطة وصفت العلويين بـ”فلول النظام” و”الطائفة الخائنة”.
٤. استفزازات ميدانية في مناطق الوجود العلوي والدرزي مثل مداهمة منازل، واعتقالات تعسفية ومصادرة ممتلكات.
هذه السياسات خلقت مناخاً من الخوف والغضب، وفتحت الباب أمام فصائل مسلحة مؤازرة للسلطة لتنظر إلى المجتمع العلوي من منظور عقائدي طائفي، وكأنه “كتلة واحدة مسؤولة” عن جرائم النظام.
المذبحة: تفاصيل ومشاهد تكشف الوجه الآخر
بحسب التحقيقات الميدانية وشهادات الناجين، شهدت مناطق مثل ريف اللاذقية وحماة ومدينة حمص ومدينة السويداء عمليات إعدام ممنهجة بحق المدنيين العلويين والدروز تضمنت:
- إعدامات ميدانية دون محاكمات.
- استهداف عائلات بكاملها.
- تهجير قسري لعائلات بأكملها من قرى بأكملها.
- نهب وتدمير للممتلكات.
التسجيلات المصورة التي تسربت أظهرت مقاتلين تابعين لفصائل محسوبة على السلطة وهم يهددون بـ”قتل العلويين والدروز جميعاً”، دون تمييز بين مقاتل ومدني، وبين بالغٍ وطفل. هذه المشاهد لم تكن مجرد فلتات فردية، بل عكست خطاباً ميدانياً موازياً وخطيراً تمارسه جهات نافذة في المشهد السياسي الجديد.
رد فعل السلطة: بين “التجاوزات” و”المسؤولية”
كان رد فعل السلطة على هذه الأحداث نموذجاً في التناقض الخطابي:
١. النفي والتقليل: في البداية تم إنكار حجم المجازر، ووصفت بـ”اشتباكات محدودة” أو “أحداث فردية”.
٢. التبرير الخفي: تم تسريب روايات عن “وجود فلول للنظام” في تلك المناطق لتبرير الرد العنيف.
٣. التغاضي الإداري: لم يتم اتخاذ أي إجراءات رادعة ضد القادة الميدانيين المتورطين باستثناء بعض الإجراءات الشكلية.
٤. إعادة التأطير: تم تحويل الموضوع إلى “أمن وطني” و”مكافحة خلايا نائمة”، مما يضفي شرعية على العنف.
هذا الموقف كشف عن حقيقة مركزية:
السلطة إما عاجزة عن السيطرة على أدواتها، أو أنها تختار التغاضي عن الجرائم التي تخدم أهدافها السياسية مثل تخويف الأقليات، أو تعزيز موقعها التفاوضي، أو حتى إرضاء قواعدها المتشددة.
الفجوة الكبرى: خطاب الدولة الجامع مقابل ممارسة السلطة الطائفية
يكمن الجرح الأعمق في المفارقة بين ما تعلنه السلطة على منابرها وبين ما يمارسه مقاتلوها في الميدان. فبينما يتحدث الشرع عن:
- المواطنة المتساوية
- رفض التكفير
- دولة القانون والمؤسسات
- حماية حقوق الأقليات
نجد في الميدان خطاباً طائفياً إقصائياً يمارس العنف باسم “تطهير البلاد من بقايا النظام ومن الأقليات”.
وهذه الفجوة ليست عيباً عرضياً بل هي نتاج لعدم قدرة السلطة على تحويل خطابها السياسي إلى ثقافة مؤسسية، ولأنها لا تزال تنظر إلى المجتمع من خلال عدسة “صديق/عدو” الفصائلية.
العنف بوصفه اختباراً للحقيقة
لقد كشفت أحداث الساحل والسويداء أن الدّولة الجديدة لم تتجاوز بعد مرحلة “دولة الفصيل المنتصر” وأنها تحمل في طياتها بذور الصراع الطائفي الذي كانت تدّعي تجاوزه.
وهذا يعني أن خطابها الجامع ليس أكثر من غطاء لخطاب سلطوي أعمق، ما لم يتبدل على أرض الواقع ويترافق مع مساءلة حقيقية وممارسات عادلة فستظل سوريا في دائرة العنف المتبادل وستخسر الدولة الجديدة آخر ما تبقى لها من شرعية أخلاقية بين مؤيديها.
توفيق الشامي