أحدث المنشورات
التصنيفات
كلمات مفتاحية
- Home
- مقالات
الاستذكار التوحّشيّ والتوحّش الاستذكاريّ كآليّات لضبط المجتمع
يتحرّك الواقع السوريّ ضمن شبكة معقّدة تتداخل فيها الذاكرة مع أنماط الحكم، فتؤثّر التجارب الماضية في تشكيل العلاقات الاجتماعيّة وتوجيه السلوك العام. في هذا السياق، تؤدّي الذاكرة دورًا فاعلًا في تنظيم الانتماء، وتحديد حدود القبول، وصياغة أنماط الطاعة أو التكيّف، عبر حضورها المستمرّ في الحياة اليوميّة بوصفها مرجعيّة تفسيريّة للسلوك.
يقترح هذا المقال تمييزًا مفاهيميًّا بين نمطين لعمل الذاكرة في المجتمع، هما: الاستذكار التوحّشيّ والتوحّش الاستذكاريّ، وهذان المفهومان لا يندرجان ضمن معجم دراسات الذاكرة المتداول في الأدبيّات، بل يُستعملان هنا بوصفهما توصيفين تحليليّين لآليّات اشتغال الذاكرة كما تتبدّى في التجربة السوريّة المعاصرة، إذ يشير الاستذكار التوحّشيّ إلى إدارة مقصودة للذاكرة، تُستثمر فيها التجارب السابقة لتشكيل الوعي الجمعيّ، وترتيب المجتمع وفق منطق الخوف أو الاصطفاف، أمّا التوحّش الاستذكاريّ، فيحيل إلى حالة تتحرّك فيها الذاكرة بوصفها قوّة تنشط من داخل البنية الاجتماعيّة ذاتها، نتيجة صدمات متراكمة لم تخضع للتفكيك أو المعالجة، وهنا يتعلّق الفرق بين المفهومين بموقع الذاكرة من الفعل الاجتماعي؛ إذ تعمل أداة منظّمة في الحالة الأولى، وتتحوّل إلى طاقة تنظيميّة ذاتيّة في الحالة الثانية.
يظهر الاستذكار التوحّشيّ بوصفه نمطًا فاعلًا في المجال العام، حين يجري تشغيل أثر التجربة السابقة من دون استدعاء الفعل الذي صنعها، وتكمن فاعليّته في تحويل الإحساس المتكوّن إلى مرجعيّة صامتة توجّه المواقف وتضبط السلوك، وفي هذا السياق تشكّل ذاكرة التجنيد الإجباريّ مثالًا دالًا؛ إذ ارتبطت بخبرة اقتلاع قسريّ، وانقطاع مفاجئ عن الحياة المدنيّة، واحتمال غياب مفتوح على المجهول. ومع توقّف هذه السياسة، استمرّ أثرها الذاكراتيّ في التداول الاجتماعيّ، لغياب معالجة جماعيّة أو اعتراف رمزيّ بتجربتها؛ فنشطت ضمن مقارنات يوميّة تنتج قناعة تقبل الواقع القائم بوصفه الخيار الأقلّ كلفة، قياسًا ببدائل ترتبط في المخيال الجمعيّ بتجربة لم تُغلق.
ويمتدّ تشغيل الذاكرة إلى تفاصيل إداريّة واقتصاديّة تؤدّي وظيفة متشابهة، فتُسهم ممارسات مثل فصل الموظّفين، وتفاوت الأجور بين من يؤدّون المهمّات نفسها، وإعادة هيكلة المؤسّسات على أساس الولاء، في ترسيخ الشعور بالهشاشة، وتنشّط هذه الإجراءات ذاكرة القلق المهنيّ، وترسّخ إدراكًا مستمرًّا لقابليّة الإقصاء؛ فيتحوّل التوتّر إلى حالة تنظيميّة تضبط السلوك وتحدّ من إمكانيّات الاعتراض. كذلك تتحوّل الموارد الاقتصاديّة إلى مادّة ذاكراتيّة، كما في تداول «المنحة القطريّة» التي لم توزَّع، بوصفها علامة تصنيف تثبّت مواقع الناس ضمن خريطة استحقاق غير معلنة.
وتتجلّى آليّة الاستذكار التوحّشيّ كذلك في السرديّات المناطقيّة المتداولة في المجال العام، إذ تُستثمر وقائع عنف سابقة بوصفها إشارات ضبط جماعيّ، وفي بعض مناطق الساحل، تحضر المجازر في الخطاب المتداول كرصيد خوف مؤجَّل، يُستدعى تأطيراً للحاضر ضمن منطق التهديد الدائم، لا مدخلًا للمساءلة أو العدالة، أمّا في السويداء، فتُربط حوادث الخطف بسرديّات موروثة تقنّن الاتّهام، وتحوّل الجماعة إلى حامل دائم للشُبهة، وهذه السرديّات تؤدّي وظيفة تنظيميّة صامتة، إذ تسيّج المجال الاجتماعيّ عبر ذاكرة تُدار بالخوف، وتحوّل الانتماء المناطقيّ إلى عامل ضبطٍ مسبق للسلوك.
وحين تستقرّ هذه الآليّات في الحياة اليوميّة، تنتقل الذاكرة من موقع الأداة المُدارة إلى موقع القوّة النشطة، وفي هذا المنحى يظهر التوحّش الاستذكاريّ بوصفه نتيجةً لتراكم طويل من التجارب غير المفكّكة، وتتحرّك الذاكرة عبر إشارات ورموز صغيرة تُستقبل داخل مخزون سابق من الإقصاء والتهديد. ويبرز مشهد «صندوق البويا» المرفوع أمام الأكراد مثالًا على ذلك؛ إذ يعمل بوصفه إشارة بصريّة تستحضر ذاكرة طويلة من التهميش والإنكار الثقافيّ، فيُقرأ ضمن سياق أوسع من لحظته الآنيّة، يتحوّل فيه الرمز إلى محفّز داخليّ ينشّط إحساسًا بالإقصاء، ويرسّخ مواقع دفاعيّة داخل الخريطة الاجتماعيّة، من دون حاجة إلى خطاب معلن.
يبيّن هذا المسار كيف تنظّم الذاكرةُ المجتمعَ عبر مرحلتين متعاقبتين: تشغيل آثار الماضي بوصفها أدوات ضبط، ثم تحويل هذه الآثار إلى قوّة تنظيميّة ذاتيّة. وتبقى إمكانيّة التفكيك قائمة حين يُفتح للذاكرة مجال للاعتراف والمعالجة، بما يوسّع أفق الوعي الجماعيّ ويمنحه قدرة أكبر على الفعل. ويمكن لهذا الوعي، حين يُفعّل اجتماعيًّا، أن يسهم في بناء فضاء عامّ أكثر انفتاحًا، تتحرّر فيه الذاكرة من وظيفتها الضابطة، وتتّجه نحو إنتاج مشترك للمعنى والانتماء.
الدكتورة حنين الغزالي