أحدث المنشورات
التصنيفات
كلمات مفتاحية
- Home
- دراسات وتقارير
المقدمة والسياق العام
يمرُّ الملف السوري في بدايات عام 2026 بمنعطفٍ استراتيجي غير مسبوق منذ اندلاع الحرب عام 2011، يتجاوز كونه مجرد تصعيد عسكري أو خلافاً بين أطراف متصارعة، ليصبح صراعاً جوهرياً على شكل الدولة السورية المستقبلية. في قلب هذا الصراع يتجسد سؤال مركزي: هل تنتهي تجربة الحكم الذاتي واللامركزية في شمال وشرق سوريا؟ أم تبقى إرهاصات نموذج حكم جديد يمكن أن يشكل بديلاً أو مكملاً للدولة المركزية؟
تجسد مناطق شمال وشرق سوريا، التي سيطرت عليها فصائل كردية وعربية تحت مظلة «الإدارة الذاتية» منذ 2012–2013، تجربة حكم محلياً مختلفاً كثيراً عن النموذج التقليدي للدولة السورية المركزية. هذا النموذج بُني على مبادئ اللامركزية، المشاركة السياسية للمكوّنات الكردية والعربية والسريانية، وتعزيز دور المرأة في المؤسسات المدنية، كما أنه شكّل طوال العقد الماضي عنصر استقرار محلي في مواجهة تنظيم داعش. وهو أيضاً مشروع سياسي واجتماعي تطمح بعض قياداته إلى إدماجه في حل سياسي شامل لسوريا المستقبل، إلا أنه لم ينل اعترافاً رسمياً من دمشق ولا من المجتمع الدولي باستثناءات قليلة.
لكن ما يجري اليوم بات يمثل نهاية تلك التجربة أو تحوّلاً جذرياً لها. ففي 18 كانون الثاني/يناير 2026، أعلنت الحكومة السورية توقيع اتفاق لوقف إطلاق النار و«اندماج كامل» مع قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، يقضي بدمج قواتها في مؤسسات الدولة، وتسليم الحكومة السيطرة على المدن النفطية والمعابر والسجون والمناطق الإدارية التي كانت تحت سيطرتها. وطوال الأيام الماضية سيطرت القوات الحكومية على مدن رئيسية مثل الرقة ودير الزور، بينما تُركت الخلافات الميدانية حول ملف السجون والمعتقلين لتكشف هشاشة تنفيذ الاتفاق.
يمثل هذا التطور تحولاً في ميزان القوى المحلي والدولي، إذ أن ما كان يُنظر إليه دولياً كـ «أمر واقع» أو «حكم ذاتي إقليمي» لأكثر من عقد تحول الآن إلى خطة لإعادة توحيد مؤسسات الدولة السورية تحت سيطرة العاصمة دمشق. أما على الأرض فقد ظهرت علامات توتر حول إدارة سجون عناصر تنظيم داعش التي ما تزال قضية حساسة تهدد استقرار المنطقة، إذ اندلعت اشتباكات مؤخراً بين الجيش السوري وقسد حول السجون رغم الإعلان عن وقف إطلاق النار، مما أسفر عن فرار بعض السجناء وتفاقم المخاوف الأمنية.
السياق الذي ولد فيه هذا التحوّل يعود إلى أعوام طويلة من الحرب والهشاشة المؤسساتية في سوريا. بعد أن تحوّل النزاع في 2011 من احتجاجات شعبية إلى حرب شاملة، دمّرت الدولة كثيراً من بنيتها، وبرزت بدائل محلية كثيرة في مناطق مختلفة من البلاد. في شمال وشرق سوريا ظهر نموذج الحكم الذاتي الذي استمد شرعيته من واقع الحرب والانتصارات المحلية على داعش، لكن غياب أرضية دستورية أو اعتراف دولي جعله عرضةً لضغوط سياسية وعسكرية مستمرة.
من منظور دمشق، كان هذا النموذج يشكل تهديداً لوحدة الدولة ومبدأ السيادة المركزية الذي طالما اعتُبر خطاً أحمر في السياسة السورية. وقد عبّرت الحكومة في السنوات الماضية عن رفضها لأي شكل من الحكم الفيدرالي أو اللامركزي الذي يتجاوز اتفاقاً وطنياً شاملاً، معتبرة ذلك مساساً بوحدة البلاد.
وبين هذا السياقين، يقف المجتمع الدولي في موقع المتفرج في كثير من الأحيان، حيث تعامل مع شمال وشرق سوريا بمنطق إدارة الأزمات وتقليل الانفجار الكبير، لا بإطار حل سياسي جذري. وقد تم التعامل مع اتفاقات متعددة على أساس أنها ترتيبات أمنية مؤقتة لا تُغيّر من الواقع العام، ما يشير إلى صمت سياسي مدروس يتناغم مع شبكة مصالح دولية وإقليمية.
د. علي مطيع عيسى
دكتوراة في العلوم السياسية
في هذا التقرير نفتح ملف شمال وشرق سوريا من زاوية تحليلية معمّقة، لا سطحية، ربطاً بين التاريخ والسياسة والمصالح، لرسم صورة واضحة عمّا يحدث في هذه اللحظة المفصلية في تاريخ سوريا الحديث.
Northern and Eastern Syria