أحدث المنشورات
التصنيفات
كلمات مفتاحية
- Home
- مقالات
: تشكّل الشرعيّة الرمزيّة للسلطة في المرحلة الانتقاليّة
تكشف التحوّلات الجارية في الحياة العامّة أنّ السلطة الانتقاليّة في ســوريا تعمل على ترسيخ حضورها الرمزيّ عبر المشهد البصريّ للحياة اليوميّة، بالرغم من أنّ بنيتها المؤسَسيّة لم تكتمل بعد، فالصورة المتكرّرة لا تبقى تفصيلًا عابرًا، بل تغدو، كما تشير أدبيّات السوسيولوجيا السياسيّة، أداة لإنتاج المعنى السياسيّ، وتعريف السلطة بنفسها داخل الوعي الاجتماعيّ، إذ يُستأنّف بناء دلالتها عبر التمثيل والممارسة الرمزيّة، لا عبر النصوص الدستوريّة وحدها.
يتجلّى ذلك في الحضور المتكرّر لراية هيئة تحرير الشام، التي تُرفع عقب كلّ منجز يعلَن بوصفه «نصرًا»، إلى جانب العلم الجديد. ومع انتظام هذا المشهد تتشكّل صيغة بصريّة شبه ثابتة: إعلان إنجاز، وتجمّع جماهيريّ، وراية تتصدّر المجال المرئيّ. هنا يتحوّل التكرار إلى آليّة دلاليّة تربط بين الحدث ومعناه، بما يرسّخ علاقة إيحائيّة بين فكرة «النـصر» وحضور الرمز ذاته، على نحو يقترب ممّا وصفه رولان بارت بتحوّل العلامة إلى «أسطورة يوميّة».
هذا الحضور المكثّف يرسّخ تشكيل طبيعة الفضاء العامّ تدريجيًّا، ففي المرحلة الانتقاليّة يُفترض أن يعكس الفضاء تعدّديّة المجتمع، غير أنّ هيمنة رمز واحد تقصي إمكان التمثيل المتكافئ، وتجعل المجال العامّ أقلّ قدرة على احتواء تنوّع الفاعلين داخل الدولة الناشئة. وبهذا المعنى يفقد المشهد البصريّ حياده، ليؤدّي دورًا في إنتاج الشرعيّة الرمزيّة وتوزيعها داخل المجال العامّ، من خلال هيمنة المشهد الحاضر أو الآنيّ، أو اللحظيّ على مجال الإدراك الجمعيّ لشرائح المجتمع السوريّ جميعها، وإذا كانت الراية تنتج دلالة جماعيّة للشرعيّة، فإنّ أداء المسؤولين أنفسهم يصبح امتدادًا عمليًّا لهذا الإنتاج الرمزيّ.
تتّسع دلالة الصورة حين تظهر مشاهد أخرى، مثل ترديد أغنية «يلعن روحك يا حافظ ويلعن روحك يا أنيسة». فهذه اللقطات تتجاوز حدود اللحظة الاحتفاليّة لتغدو جزءًا من تمثيل السلطة في المجال العامّ، إذ يبدو المسؤول، في المرحلة الانتقاليّة، تجسيدًا رمزيًّا لفكرة الدولة الناشئة، أكثر من كونه فردًا منخرطًا في انفعال عابر. وتؤكّد دراسات الثقافة السياسيّة أنّ سلوك السلطة في الفضاء العامّ يسهم في تشكيل تصوّر المواطنين لطبيعة الدولة، إذ تُقرأ صورة المسؤول بوصفها امتدادًا لصورة الدولة ذاتها.
في المقابل، يتقاطع هذا الحضور الرمزيّ مع واقع اقتصاديّ قاس يعيشه كثير من السوريّين، بعيدًا عن صورة «الإنجاز» المعروضة. تتجلّى المفارقة هنا في وقائع يوميّة، منها مطالبة بعض الموظّفين بالتوقّف عن العمل مع استمرار صرف رواتبهم مقابل تسليمها للمسؤولين، فيما تعتمد أسرهم على هذا الدخل المحدود، وبهذا ينفصل المشهد الاحتفاليّ عن التجربة المعيشة، وتتّسع الفجوة بين الرمز والواقع.
وتدخل العملة الجديدة بوصفها علامة سياديّة على حضور الدولة في الحياة اليوميّة، فوفقًا لبندكت أندرسون، تسهم الرموز المتداوَلة، ومنها العملة، في تثبيت صورة الدولة داخل «الجماعات المتخيَّلة» عبر التداول المستمرّ، غير أنّ تداولها في سياق الفقر وارتفاع الأسعار يحوّلها، لدى كثيرين، إلى تجربة ملتبسة، بما يكشف تباينًا بين سرعة التحوّل في الرموز، وبطء التحسّن في الواقع المعيشيّ.
تدلّ هذه المعطيات على أنّ المجال البصريّ للحياة اليوميّة أصبح ساحة تتشكّل فيها الشرعيّة الرمزيّة للسلطة بقدر ما تتشكّل داخل المؤسّسات، فالرايات، وصور المسؤولين، والنقود المتداوَلة، تنتج طبقة رمزيّة ترافق إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع.
في مثل هذه اللحظات تبدأ السلطة من الصورة قبل المؤسّسة، وحين تسبق الرموز الواقع، يبرز خطر تحوّلها إلى بديل عن التغيير البنيويّ، فالرمز قادر على إعادة تشكيل ما تراه العين بسرعة، غير أنّه لا يكفي، بمفرده، لبناء الثقة، أو لترسيخ مواطنة يشعر فيها الناس أنّ الدولة تمثّلهم جميعًا.
د حنين الغزالي