أحدث المنشورات
التصنيفات
كلمات مفتاحية
- Home
- مقالات
حين دخلت السلطة الانتقاليّة دمشق، لم تتقدّمها المؤسّسات أو المراسيم أو الهياكل الإداريّة. تقدّمتها صورة. ظهرت السجّادة في قلب المشهد العام بوصفها علامة مُشبعة بالدلالات، استدعت في الوعي الجمعيّ معاني التقوى والأمانة والعدل وصون الحقوق. ومنذ تلك اللحظة شرعت السلطة في بناء شرعيّتها بالاستناد إلى مخزون رمزيّ راسخ في الثقافة العربيّة والإسلاميّة، يمنح الفاعل السياسيّ رصيدًا أخلاقيًّا يسبق حضوره في المجال العام، ويؤثر في تلقّي أفعاله وخطابه.
تملك الرموز قدرة لافتة على تجاوز الظروف التي وُلدت فيها، فالصورة الأولى التي تختارها السلطة لتقديم نفسها سرعان ما تستقرّ في الذاكرة الجماعيّة، وتتحوّل إلى إطار يُعاد من خلاله تفسير الوقائع اللاحقة؛ ولهذا بقيت السجّادة حاضرة في خلفيّة المشهد السوريّ، ترافق النقاشات المرتبطة بالعدالة والنزاهة والحقوق العامّة، حتّى مع انتقال الاهتمام إلى قضايا أكثر التصاقًا بالحياة اليوميّة للمواطنين.
وخلال الأشهر التالية برز السجلّ العقاريّ والمصالح العقاريّة بين أكثر الملفّات حساسيّة في المرحلة الانتقاليّة، فقد جُمِّدت عمليّات بيع وشراء العقارات ونقل ملكيّتها لمدّة ثمانية أشهر، بالتوازي مع نقاشات متزايدة حول الملكيّات والأوقاف وبعض العقارات المتنازع عليها. وتزداد أهمية هذه الملفّات في مجتمع أنهكته سنوات الحرب والنزوح والتهجير، إذ تتداخل المطالبات بالملكيّة مع أسئلة الاستقرار والعودة واستعادة الحقوق. عند هذه النقطة تحوّل مركز الاهتمام من الرمز الأخلاقيّ إلى الوثيقة القانونيّة، ومن الصورة التي قدّمت السلطة نفسها عبرها إلى المؤسّسة التي تضطلع بمهمّة تثبيت الحقوق والاعتراف بها وتنظيم الوصول إليها، وبذلك انتقل النقاش من المجال الرمزيّ إلى المجال الإجرائيّ، ومن الوعود العامّة إلى آليّات التطبيق.
ويكتسب السجلّ العقاريّ أهميّة تتجاوز وظيفة الحفظ والتوثيق؛ فالمؤسسات، وفق تصوّرات حديثة للسلطة، تشارك في صياغة الوقائع المعترف بها اجتماعيًّا وقانونيًّا، وتحدّد الأطر التي يكتسب من خلالها الحقّ صفته الرسمية. وقد أشار ميشيل فوكو إلى الأبعاد المعرفيّة للسلطة ودورها في تنظيم أنماط الاعتراف داخل المجتمع، وهو منظور يسلّط الضوء على مكانة السجلّ العقاريّ بوصفه مؤسّسة تحدّد شروط الإثبات، وتمنح الاعتراف القانونيّ بالمطالبات المختلفة، ومن ثمّ تكتسب مسألة الملكيّة معناها العمليّ من خلال منظومة الوثائق والإجراءات والجهات المخوّلة بإقرارها واعتمادها.
في هذا السياق تتكشّف ظاهرة جديرة بالتأمّل في الخطاب السوريّ المعاصر، فالسجّادة والسجلّ ينتميان إلى عالمين مختلفين من الرموز والممارسات، ومع ذلك أسهم كلّ منهما في تشكيل صورة السلطة ومصدر مشروعيّتها. ارتبطت السجّادة بوعد أخلاقيّ استحضر قيم الأمانة والعدل، في حين ارتبط السجلّ بإدارة الحقوق والملكيّات وتثبيت الاعتراف القانونيّ بها. ومن التفاعل بين هذين المستويين برزت أسئلة تتّصل بالعلاقة بين الشرعيّة الأخلاقيّة والشرعيّة المؤسّسية، وبالطريقة التي تُختبر من خلالها القيم المعلنة داخل أجهزة الدولة وإجراءاتها اليوميّة.
ومن هنا تبرز أهميّة مفهوم «التوحّش البيروقراطيّ» بوصفه أداة تفسيريّة لفهم بعض أنماط السلطة الحديثة، فالقوة قد تتجسّد في عمليّات التعريف والتصنيف والاعتراف، بقدر ما تتجسّد في أدوات الإكراه المباشر، كما يمكن أن تظهر آثارها عبر التأجيل والتعليق وإعادة التصنيف وتحديد المسارات التي يسلكها الأفراد للوصول إلى الاعتراف القانونيّ بحقوقهم، وفي مثل هذه الحالات تغدو الإجراءات الإداريّة عنصرًا مؤثّرًا في تشكيل الواقع الاجتماعيّ، إذ يرتبط الحصول على الحقّ أو استعادته بقدرة الأفراد على اجتياز منظومات معقّدة من الشروط والضوابط. وعندما يطول أمد هذه الإجراءات أو تكتنفها الضبابية، تتحوّل البيروقراطيّة إلى عامل فاعل في رسم حدود العلاقة بين المواطن والدولة.
وبين السجّادة والسجلّ تتجاوز القضيّة حدود العقارات والوثائق، فالمسألة تمسّ الكيفية التي تنتقل بها الشرعيّة من مستوى الرمز إلى مستوى المؤسّسة، ومن الوعد الأخلاقيّ إلى الممارسة القابلة للفحص والتقييم. وإذا كانت الرموز قد أسهمت في تشكيل الانطباع الأوّل عن السلطة، فإنّ المؤسّسات تبقى المجال الذي تتحدّد فيه قدرتها على ترجمة تلك الرموز إلى سياسات وإجراءات وحقوق ملموسة. وفي هذه المساحة تحديدًا يتبلور الاختبار الأهمّ للشرعيّة؛ إذ تلتقي الصورة بالفعل، ويلتقي الخطاب بالممارسة، وتتّضح قدرة الدولة على تحويل القيم المعلنة إلى واقع مؤسسيّ يحظى بالثقة والاستمرار.
د. حنين الغزالي