أحدث المنشورات
التصنيفات
كلمات مفتاحية
- Home
- دراسات وتقارير
هل تتجه سوريا نحو اقتصاد بلا سيولة؟
في الاقتصادات التي تعاني من التضخم وانهيار القوة الشرائية وتراجع قيمة العملة، تبدو السيطرة على السيولة النقدية للوهلة الأولى هدفاً منطقياً للسياسة الاقتصادية. فزيادة الكتلة النقدية في ظل ضعف الإنتاج يمكن أن تغذي التضخم، فيما قد يؤدي ضبط السيولة إلى الحد من الطلب الزائد والضغط على الأسعار. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول هذه السياسة من أداة ضمن حزمة إصلاح اقتصادي متكاملة إلى مسار قائم بذاته، يجري تطبيقه في اقتصاد يعاني أصلاً من توقف قطاعات واسعة عن الإنتاج، وضعف الاستثمار، وتراجع القدرة على التصدير.
في الحالة السورية، تبدو مجموعة من الإجراءات والتحولات الاقتصادية وكأنها تتجه، بدرجات متفاوتة، نحو امتصاص السيولة من السوق: من آلية استبدال العملة، إلى فرض ضرائب ورسوم متزايدة بالدولار، مروراً بتسعير بعض السلع الأساسية، وفي مقدمتها المحروقات، وفق سعر السوق الموازي بدلاً من السعر المركزي، وصولاً إلى سياسات تجارية لا توفر بيئة كافية لتحفيز الإنتاج والتصدير. وفي الوقت نفسه، لا تبدو عجلة الإنتاج قادرة على استعادة دورها باعتبارها المصدر الأساسي للدخل والسيولة الجديدة، بينما تتجه رؤوس الأموال بصورة متزايدة نحو قطاعات خدمية ومشاريع سريعة الربحية، بدلاً من الاستثمار طويل الأجل في الصناعة والزراعة والقطاعات القابلة للتصدير.
هنا تبرز المفارقة الأساسية: قد تنجح الدولة في سحب جزء من السيولة من الاقتصاد، لكنها لا تستطيع تحقيق استقرار نقدي مستدام إذا لم يكن الاقتصاد قادراً على إنتاج قيمة جديدة وإعادة ضخ الدخل في الدورة الاقتصادية. فالعملة لا تستمد قوتها من تصميمها أو من ندرتها وحدها، وإنما من الاقتصاد الذي يقف خلفها، ومن قدرة ذلك الاقتصاد على الإنتاج والتصدير وتوليد الدخل والثقة.
السؤال الحقيقي لا يتمثل فقط في ما إذا كانت الحكومة السورية تتجه نحو تقليص السيولة النقدية، بل في طبيعة هذه السياسة وغايتها ونتائجها المحتملة: هل نحن أمام سياسة نقدية انكماشية مقصودة تهدف إلى إعادة ضبط الاقتصاد تمهيداً لإطلاق دورة إنتاجية جديدة؟ أم أمام استجابة مالية قصيرة الأجل لأزمة الإيرادات، تقوم على امتصاص ما تبقى من السيولة والعملة الأجنبية من المجتمع، في وقت لم تُبنَ فيه بعد قاعدة إنتاجية قادرة على تعويض ما يجري سحبه؟
إن الفرق بين الاحتمالين ليس تفصيلاً تقنياً. ففي الاقتصاد المنتج، قد يكون ضبط السيولة جزءاً من عملية استقرار ضرورية. أما في اقتصاد متوقف الإنتاج، فإن سحب السيولة دون خلق قنوات جديدة لإعادة إنتاجها قد يحول السياسة الانكماشية إلى آلية لتجفيف الاقتصاد نفسه. ومن هنا، فإن تحليل المسار الاقتصادي السوري الراهن يتطلب تجاوز النظر إلى كل قرار بصورة منفردة، والنظر بدلاً من ذلك إلى الصورة الكلية: ماذا يحدث عندما تجتمع إعادة تنظيم العملة، والجباية بالدولار، والتسعير وفق السوق الموازي، وارتفاع كلفة التجارة، وتراجع الإنتاج، في اقتصاد واحد؟
فالمشكلة، في نهاية المطاف، ليست في سحب السيولة بحد ذاته، بل في سحبها من اقتصاد لا ينتج ما يكفي لإعادة ضخها.
د. علي مطيع عيسى
لقراءة الدراسة كاملة
When the Government Strangles the Economy to Save the Currency