حين تخنق الدولة الاقتصاد لإنقاذ العملة

أحدث المنشورات

اغتيال العقل السوري
poster-web-site0
اغتيال العقل السوري
تزييف التاريخ وتدجين الناشئة في المدارس في إطار التحولات الأيديولوجية القسرية التي تفرضها سلطة الأمر...
التفاصيل
«حدّق في المجزرة»: خطاب سلطة الأمر الواقع في مرآة الشهادات
Miroir brisé d’une ville en ruines
«حدّق في المجزرة»: خطاب سلطة الأمر الواقع في مرآة الشهادات
قراءة في خطاب السلطة والشهادة في كتاب «غزوة السويداء بلسان ضحاياها» لنجاة عبد الصمد تستوقفني في خاتمة...
التفاصيل
لعبة الرموز التاريخية والدينية
game of
لعبة الرموز التاريخية والدينية
جوهر أم غطاء للتطرف والعنف؟ ليس جديداً أن تُمارس الجماعات المتطرفة “قرصنة الرموز” لاستغلالها...
التفاصيل
في مواجهة بناء عرش طاغية جديد
Le trône du pouvoir absolu
في مواجهة بناء عرش طاغية جديد
… السوري ملزم بشق طريق الحرية والديمقراطية معركة السوريين اليوم ليست ضد الرئيس الانتقالي شخصياً،...
التفاصيل
6 تشرين 1973 وحدة الصف العربي وسلاح النفط في مواجهة التفوق العسكري
poster-web-site0
6 تشرين 1973 وحدة الصف العربي وسلاح النفط في مواجهة التفوق العسكري
يمكن لسلطة الأمر الواقع أن تخدع كل الناس بعض الوقت، وبعض الناس كل الوقت، لكنها لن تستطيع أبداً أن تخدع...
التفاصيل

التصنيفات

كلمات مفتاحية

هل تتجه سوريا نحو اقتصاد بلا سيولة؟

في الاقتصادات التي تعاني من التضخم وانهيار القوة الشرائية وتراجع قيمة العملة، تبدو السيطرة على السيولة النقدية للوهلة الأولى هدفاً منطقياً للسياسة الاقتصادية. فزيادة الكتلة النقدية في ظل ضعف الإنتاج يمكن أن تغذي التضخم، فيما قد يؤدي ضبط السيولة إلى الحد من الطلب الزائد والضغط على الأسعار. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول هذه السياسة من أداة ضمن حزمة إصلاح اقتصادي متكاملة إلى مسار قائم بذاته، يجري تطبيقه في اقتصاد يعاني أصلاً من توقف قطاعات واسعة عن الإنتاج، وضعف الاستثمار، وتراجع القدرة على التصدير.

في الحالة السورية، تبدو مجموعة من الإجراءات والتحولات الاقتصادية وكأنها تتجه، بدرجات متفاوتة، نحو امتصاص السيولة من السوق: من آلية استبدال العملة، إلى فرض ضرائب ورسوم متزايدة بالدولار، مروراً بتسعير بعض السلع الأساسية، وفي مقدمتها المحروقات، وفق سعر السوق الموازي بدلاً من السعر المركزي، وصولاً إلى سياسات تجارية لا توفر بيئة كافية لتحفيز الإنتاج والتصدير. وفي الوقت نفسه، لا تبدو عجلة الإنتاج قادرة على استعادة دورها باعتبارها المصدر الأساسي للدخل والسيولة الجديدة، بينما تتجه رؤوس الأموال بصورة متزايدة نحو قطاعات خدمية ومشاريع سريعة الربحية، بدلاً من الاستثمار طويل الأجل في الصناعة والزراعة والقطاعات القابلة للتصدير.

هنا تبرز المفارقة الأساسية: قد تنجح الدولة في سحب جزء من السيولة من الاقتصاد، لكنها لا تستطيع تحقيق استقرار نقدي مستدام إذا لم يكن الاقتصاد قادراً على إنتاج قيمة جديدة وإعادة ضخ الدخل في الدورة الاقتصادية. فالعملة لا تستمد قوتها من تصميمها أو من ندرتها وحدها، وإنما من الاقتصاد الذي يقف خلفها، ومن قدرة ذلك الاقتصاد على الإنتاج والتصدير وتوليد الدخل والثقة.

السؤال الحقيقي لا يتمثل فقط في ما إذا كانت الحكومة السورية تتجه نحو تقليص السيولة النقدية، بل في طبيعة هذه السياسة وغايتها ونتائجها المحتملة: هل نحن أمام سياسة نقدية انكماشية مقصودة تهدف إلى إعادة ضبط الاقتصاد تمهيداً لإطلاق دورة إنتاجية جديدة؟ أم أمام استجابة مالية قصيرة الأجل لأزمة الإيرادات، تقوم على امتصاص ما تبقى من السيولة والعملة الأجنبية من المجتمع، في وقت لم تُبنَ فيه بعد قاعدة إنتاجية قادرة على تعويض ما يجري سحبه؟

إن الفرق بين الاحتمالين ليس تفصيلاً تقنياً. ففي الاقتصاد المنتج، قد يكون ضبط السيولة جزءاً من عملية استقرار ضرورية. أما في اقتصاد متوقف الإنتاج، فإن سحب السيولة دون خلق قنوات جديدة لإعادة إنتاجها قد يحول السياسة الانكماشية إلى آلية لتجفيف الاقتصاد نفسه. ومن هنا، فإن تحليل المسار الاقتصادي السوري الراهن يتطلب تجاوز النظر إلى كل قرار بصورة منفردة، والنظر بدلاً من ذلك إلى الصورة الكلية: ماذا يحدث عندما تجتمع إعادة تنظيم العملة، والجباية بالدولار، والتسعير وفق السوق الموازي، وارتفاع كلفة التجارة، وتراجع الإنتاج، في اقتصاد واحد؟

فالمشكلة، في نهاية المطاف، ليست في سحب السيولة بحد ذاته، بل في سحبها من اقتصاد لا ينتج ما يكفي لإعادة ضخها.

د. علي مطيع عيسى

لقراءة الدراسة كاملة

When the Government Strangles the Economy to Save the Currency
Scroll to Top