سياسة الملامس: السيف والحرير في خطاب السلطة الانتقاليّة

أحدث المنشورات

اغتيال العقل السوري
poster-web-site0
اغتيال العقل السوري
تزييف التاريخ وتدجين الناشئة في المدارس في إطار التحولات الأيديولوجية القسرية التي تفرضها سلطة الأمر...
التفاصيل
«حدّق في المجزرة»: خطاب سلطة الأمر الواقع في مرآة الشهادات
Miroir brisé d’une ville en ruines
«حدّق في المجزرة»: خطاب سلطة الأمر الواقع في مرآة الشهادات
قراءة في خطاب السلطة والشهادة في كتاب «غزوة السويداء بلسان ضحاياها» لنجاة عبد الصمد تستوقفني في خاتمة...
التفاصيل
لعبة الرموز التاريخية والدينية
game of
لعبة الرموز التاريخية والدينية
جوهر أم غطاء للتطرف والعنف؟ ليس جديداً أن تُمارس الجماعات المتطرفة “قرصنة الرموز” لاستغلالها...
التفاصيل
في مواجهة بناء عرش طاغية جديد
Le trône du pouvoir absolu
في مواجهة بناء عرش طاغية جديد
… السوري ملزم بشق طريق الحرية والديمقراطية معركة السوريين اليوم ليست ضد الرئيس الانتقالي شخصياً،...
التفاصيل
6 تشرين 1973 وحدة الصف العربي وسلاح النفط في مواجهة التفوق العسكري
poster-web-site0
6 تشرين 1973 وحدة الصف العربي وسلاح النفط في مواجهة التفوق العسكري
يمكن لسلطة الأمر الواقع أن تخدع كل الناس بعض الوقت، وبعض الناس كل الوقت، لكنها لن تستطيع أبداً أن تخدع...
التفاصيل

التصنيفات

كلمات مفتاحية

استدعى أحمد الشرع، رئيس السلطة الانتقاليّة في سوريا، خلال افتتاح معرض سوريا الدوليّ للنسيج «ناس تكس 2026»، صورتين تنتميان إلى الذاكرة الصناعيّة السوريّة؛ إذ تحدّث عن «السيوف الدمشقيّة الحادّة» و«الملامس الناعمة من الحرير والأقمشة»، ثم نقل هذه المقابلة إلى المجال السياسيّ بقوله: «فبين الحدّة واللين تكمن السياسة السوريّة المتطبّعة بأكثر ما اشتهرت به، فأعطت كلّ ذي حقّ حقه».

تبدو العبارة للوهلة الأولى احتفاءً بقدرة السياسة على الجمع بين الحزم والمرونة، غير أنّ بنيتها الدلاليّة تكشف مستوى آخر؛ فالسيف والحرير لا يظهران في يدين متقابلتين، وإنّما يجتمعان في يد سياسيّة واحدة تمتلك الحدّة واللين، وتحتفظ بقرار التناوب بينهما.

يمكن وصف هذا البناء، على سبيل الاقتراح التحليليّ، بـ «سياسة الملامس»، إذ تنقل الاستعارة تعريف السياسة، في هذا المقطع، من لغة المؤسّسات والقواعد إلى لغة حسّية قوامها حدّ السيف ونعومة الحرير، ويظهر المواطن داخل هذه الصورة أقرب إلى متلقّ للمعاملة التي ترتئيها السياسة. ولكن، يظل السؤال المسكوت عنه مطروحًا: من يُستقبل بالحرير، ومن يُواجه بالسيف، وما المعيار الذي يحدّد الملمس السياسيّ الملائم لكلّ طرف؟

تبيّن دراسات الاستعارة في الخطاب أنّ الصورة المجازيّة لا تؤدّي وظيفة جماليّة فقط؛ فهي تسهم في تنظيم إدراك الواقع، وتبرز بعض عناصره، فيما تدفع عناصر أخرى إلى الهامش، ومن هنا يبرز خطاب السيف والحرير التوازن والحكمة والقدرة على الجمع بين المتقابلات، في حين تتراجع داخله أسئلة القانون، والفصل بين السلطات، والرقابة على استعمال القوّة.

يعمّق الخطاب هذه الدلالة حين يربط الحدّة واللين بما اشتهرت به سوريا تاريخيًّا، فالسيف يستمدّ رمزيته من انتسابه إلى دمشق، ويستمدّ اللين جماله من الحرير السوريّ، وبذلك يعاد تقديم القوة والمرونة بوصفهما جزءًا من صورة وطنيّة موروثة، عوضًا عن ظهورهما خيارين سياسيّين يحتاجان إلى التفسير والمراجعة. وقد يخفّف هذا الربط من حضور القوّة بوصفها ممارسة سياسيّة قابلة للنقد والمساءلة، لأنّ السيف يدخل إلى المشهد محمّلًا بهيبة التراث، لا بحدّه وحده.

تستكمل جملة «فأعطت كلّ ذي حق حقه» بناء المشهد، حين يعود الضمير في «أعطت» نحويًّا إلى «السياسة السورية»، فتظهر السياسة فاعلًا يعرف أصحاب الحقوق، وكيف يوصلها إليهم. وتحمل الجملة قيمة أخلاقيّة مُطمْئِنة، لكنّها تعلن تحقّق العدالة من داخل الخطاب نفسه، قبل بيان الجهة التي عرّفت الحق، والآليّة التي ضمنته، والمؤسسة التي تراجع السلطة إذا أخطأت في تقديره.

تحتاج الدولة إلى الحزم والتفاوض معًا، غير أنّ عدالتها لا تُختبر بقدرة يد واحدة على حمل السيف والحرير، لأنّ العدل يقاس بالقانون الذي يحدّد موضع القوة، ويقيّد خيارات مستعملها، ويجعل الحقوق ضمانات سابقة على تقدير السلطة، لذلك يكشف الخطاب، من هذه الزاوية، أنّ الحرير لا يكون دائمًا نقيض السيف؛ فقد يصبح الملمس الناعم الذي تقدّم من خلاله سلطة السيف نفسها.

د. حنين الغزالي

Scroll to Top