سياسة الملامس: السيف والحرير في خطاب السلطة الانتقاليّة

أحدث المنشورات

من هرمز إلى دمشق
From Hormuz to Damascus
من هرمز إلى دمشق
اقتصاد الاختناق الجيوسياسي وأثر الصراع الأميركي–الإيراني على أسواق الطاقة والاقتصاد السوري “دراسة...
التفاصيل
نداء وطني عاجل
bayqn0
نداء وطني عاجل
العدالة حق.. والثأر ليس عدالة تتابع الكتلة الوطنية السورية بألم وقلق بالغين تداعيات الجريمة التي أودت...
التفاصيل
الممارسة الميدانية عندما يكشف العنف زيف الخطاب الجامع
rawi12
الممارسة الميدانية عندما يكشف العنف زيف الخطاب الجامع
مقدمة: اختبار الدم في التحليل السياسي تُعتبر الممارسة الميدانية خاصة في أوقات الأزمات أصدق مؤشر على حقيقة...
التفاصيل
حين تصبح الصفة الدينيّة جزءاً من الوصفة العلاجية
WhatsApp Image 2026-09-09 at 09.34
حين تصبح الصفة الدينيّة جزءاً من الوصفة العلاجية
تدخل الصفة الدينيّة أحياناً في صلب الوصفة العلاجيّة، فيتّسع السؤال ليشمل حقّ المريض في المعرفة، وحقّه...
التفاصيل
الأميّة التي لا تراها الأبجديّة قلعة دمشق نموذجًا
salma11
الأميّة التي لا تراها الأبجديّة قلعة دمشق نموذجًا
للحجر ذاكرة، غير أن امتلاك الذاكرة لا يعني دائمًا القدرة على قراءتها. صيف دمشق 2026 قدّم مشهدًا يستحق...
التفاصيل

التصنيفات

كلمات مفتاحية

استدعى أحمد الشرع، رئيس السلطة الانتقاليّة في سوريا، خلال افتتاح معرض سوريا الدوليّ للنسيج «ناس تكس 2026»، صورتين تنتميان إلى الذاكرة الصناعيّة السوريّة؛ إذ تحدّث عن «السيوف الدمشقيّة الحادّة» و«الملامس الناعمة من الحرير والأقمشة»، ثم نقل هذه المقابلة إلى المجال السياسيّ بقوله: «فبين الحدّة واللين تكمن السياسة السوريّة المتطبّعة بأكثر ما اشتهرت به، فأعطت كلّ ذي حقّ حقه».

تبدو العبارة للوهلة الأولى احتفاءً بقدرة السياسة على الجمع بين الحزم والمرونة، غير أنّ بنيتها الدلاليّة تكشف مستوى آخر؛ فالسيف والحرير لا يظهران في يدين متقابلتين، وإنّما يجتمعان في يد سياسيّة واحدة تمتلك الحدّة واللين، وتحتفظ بقرار التناوب بينهما.

يمكن وصف هذا البناء، على سبيل الاقتراح التحليليّ، بـ «سياسة الملامس»، إذ تنقل الاستعارة تعريف السياسة، في هذا المقطع، من لغة المؤسّسات والقواعد إلى لغة حسّية قوامها حدّ السيف ونعومة الحرير، ويظهر المواطن داخل هذه الصورة أقرب إلى متلقّ للمعاملة التي ترتئيها السياسة. ولكن، يظل السؤال المسكوت عنه مطروحًا: من يُستقبل بالحرير، ومن يُواجه بالسيف، وما المعيار الذي يحدّد الملمس السياسيّ الملائم لكلّ طرف؟

تبيّن دراسات الاستعارة في الخطاب أنّ الصورة المجازيّة لا تؤدّي وظيفة جماليّة فقط؛ فهي تسهم في تنظيم إدراك الواقع، وتبرز بعض عناصره، فيما تدفع عناصر أخرى إلى الهامش، ومن هنا يبرز خطاب السيف والحرير التوازن والحكمة والقدرة على الجمع بين المتقابلات، في حين تتراجع داخله أسئلة القانون، والفصل بين السلطات، والرقابة على استعمال القوّة.

يعمّق الخطاب هذه الدلالة حين يربط الحدّة واللين بما اشتهرت به سوريا تاريخيًّا، فالسيف يستمدّ رمزيته من انتسابه إلى دمشق، ويستمدّ اللين جماله من الحرير السوريّ، وبذلك يعاد تقديم القوة والمرونة بوصفهما جزءًا من صورة وطنيّة موروثة، عوضًا عن ظهورهما خيارين سياسيّين يحتاجان إلى التفسير والمراجعة. وقد يخفّف هذا الربط من حضور القوّة بوصفها ممارسة سياسيّة قابلة للنقد والمساءلة، لأنّ السيف يدخل إلى المشهد محمّلًا بهيبة التراث، لا بحدّه وحده.

تستكمل جملة «فأعطت كلّ ذي حق حقه» بناء المشهد، حين يعود الضمير في «أعطت» نحويًّا إلى «السياسة السورية»، فتظهر السياسة فاعلًا يعرف أصحاب الحقوق، وكيف يوصلها إليهم. وتحمل الجملة قيمة أخلاقيّة مُطمْئِنة، لكنّها تعلن تحقّق العدالة من داخل الخطاب نفسه، قبل بيان الجهة التي عرّفت الحق، والآليّة التي ضمنته، والمؤسسة التي تراجع السلطة إذا أخطأت في تقديره.

تحتاج الدولة إلى الحزم والتفاوض معًا، غير أنّ عدالتها لا تُختبر بقدرة يد واحدة على حمل السيف والحرير، لأنّ العدل يقاس بالقانون الذي يحدّد موضع القوة، ويقيّد خيارات مستعملها، ويجعل الحقوق ضمانات سابقة على تقدير السلطة، لذلك يكشف الخطاب، من هذه الزاوية، أنّ الحرير لا يكون دائمًا نقيض السيف؛ فقد يصبح الملمس الناعم الذي تقدّم من خلاله سلطة السيف نفسها.

د. حنين الغزالي

Scroll to Top