أحدث المنشورات
التصنيفات
كلمات مفتاحية
- Home
- مقالات
قراءة في خطاب الاختطاف خلال المرحلة الانتقاليّة السوريّة
تُولد التحوّلات السياسيّة مرّتين؛ مرّة في الواقع، وأخرى في اللغة التي تروي ذلك الواقع، وحين تتقدّم اللغة على الحدث، تغدو الكلمات وثائق تكشف صورة المرحلة بقدر ما تكشفها الوقائع ذاتها. ومن بين الكلمات التي فرضت حضورها في التداول السوريّ خلال المرحلة الانتقاليّة، تبرز كلمة «الاختطاف» بوصفها مفتاحًا لفهم جانب من الوعي الجمعيّ الذي يتشكّل اليوم ويتنامى.
بين «الانتقاليّة» «الانتقاميّة» ميم واحدة قد يبدو حضورها خجولًا في بنية الكلمة، لكنّ دلالتها تتّسع حتى تلامس صورة الدولة في المخيّلة العامّة، فالمراحل السياسيّة لا تُقاس بالبرامج المعلنة وحدها؛ إذ تحمل المفردات المتداولة سجلًّا موازيًا يوثّق ما يشعر به الناس، وما يخشونه، وما يأملونه.
رافقت أخبار الاختطاف الأشهر الأولى من المرحلة الانتقاليّة، واستمرّت في الحضور عبر وسائل الإعلام، ومنصّات التواصل الاجتماعيّ، والبيانات الحقوقيّة، والأحاديث اليومية. ومع كلّ تكرار، تتحرّك الكلمة من مجال الإخبار إلى مجال التأثير، فالتكرار يصنع الألفة، والألفة تمنح المفردة قدرة على إعادة تشكيل الإدراك الجمعيّ، وهكذا يصبح الاختطاف إطارًا يقرأ كثير من السوريّين من خلاله معنى الأمن، وحدود الطمأنينة، وطبيعة المرحلة التي يعيشونها.
تظهر هذه التحوّلات بوضوح في اللغة اليوميّة، إذ تتكرّر عبارات التحذير، وتتّسع مساحة القلق في أحاديث الأسر، ويغدو الاطمئنان خبرًا يستحقّ الإبلاغ عنه. وبالرغم من أنّ هذه التفاصيل تظهر عابرة للوهلة الأولى، إلّا أنّها ترسم خريطة دقيقة لتحوّل الوعي الاجتماعيّ، فالخطاب لا يكتفي بمرافقة الواقع، بل يشارك في إنتاجه، ويمنح التجربة اليوميّة أسماءها ومعانيها.
وتحمل حوادث اختطاف النساء حمولة رمزيّة أشدّ كثافة داخل المجتمعات الخارجة من النزاعات، فالمرأة ترتبط في الوعي الجمعيّ بفكرة البيت، واستمرار الحياة، وأمان الأسرة، وعندما تصبح هدفًا للاختطاف، يمتدّ أثر الحادثة إلى فضاء اجتماعيّ أوسع، وتتغيّر قراءة المجتمع لمستوى الحماية الذي يشعر به أفراده، وهنا تتجاوز الواقعة حدودها الفرديّة، وتغدو جزءًا من الخطاب الذي يعيد تعريف العلاقة بين المواطن والدولة.
تكشف الكلمات أحيانًا ما يتأخّر ظهوره في المؤشّرات الرسميّة، فارتفاع حضور مفردات الخوف، واتّساع تداولها، يشيران إلى تحوّل يستحقّ القراءة بقدر ما تستحقّه الوقائع ذاتها، ولهذا يغدو تحليل الخطاب أداة لفهم المجتمع، لأنّ اللغة تحفظ أثر التحوّلات قبل أن تستقرّ في المؤسّسات.
تبقى الميم أكثر من حرف أضيف إلى كلمة. إنّها استعارة مكثّفة لمسافة يعيشها السوريّ في وجدانه؛ مسافة تفصل بين الوعد الذي حملته المرحلة الانتقاليّة، والشعور الذي يتشكّل في الحياة اليوميّة، وحين يبدأ المجتمع بتداول مفردات الخوف أكثر من مفردات الثقة، تظهر أمام الجميع مهمّة تتجاوز استعادة الأمن إلى استعادة اللغة التي تمنح المستقبل معناه. وربما يبدأ هذا المسار من سؤال بسيط في صيغته، عميق في دلالته: أيّ مفردات نريدها أن تشكّل القاموس الذي يروي سوريا في سنواتها القادمة؟
د. حنين الغزالي