أحدث المنشورات
التصنيفات
كلمات مفتاحية
- Home
- مقالات
من التسمية السياسيّة إلى الجسد: سيرة المواطنة المفقودة في الخطاب السوريّ
قد تخلّف الحروب دمارًا في المدن والمؤسّسات والاقتصاد، وقد تخلّف معها نوعًا آخر من الخراب، أقلّ ظهورًا وأكثر عمقًا، يتمثّل في اللغة التي يستخدمها الناس لوصف أنفسهم ووصف الآخرين. فاللغة ليست وسيلة للتواصل فحسب، بل هي إطار يعرّف من خلاله المجتمع أفراده وجماعاته وحدود انتمائه، ولهذا تكشف متابعة الخطاب السوريّ خلال السنوات الماضية عن تحوّل لافت لم ينل ما يستحقّه من التأمّل؛ تحوّل انتقل فيه المواطن تدريجيًّا من موقع الفاعل إلى موقع الموصوف، ومن الإنسان إلى التسمية.
في الدولة الحديثة يفترض أن يكون المواطن نقطة البداية في المجال العام. تناقش أفكاره، وتقبل أو ترفض مواقفه، ويحاسب على أفعاله الفرديّة، غير أنّ مسار الصراع السوريّ دفع الخطاب العامّ في اتجاه مختلف، فمع مرور الوقت أخذت التسميات تسبق أصحابها، وأصبح الاسم السياسيّ أو الطائفيّ أو المناطقيّ أكثر حضورًا من الإنسان نفسه.
بدأ هذا المسار بوضوح مع شيوع مفردات مثل «مندّس» و«شبّيح» و«إرهابي»، ثم لاحقًا «فلول» و«حاضنة». قد تبدو هذه الكلمات للوهلة الأولى أوصافًا سياسيّة، غير أنّ قوتها الحقيقيّة لم تكن كامنة في معناها المعجميّ، وإنّما فيما تستدعيه من معان ضمنيّة، فحين يوصف شخص بأنّه «مندّس»، لا يفهم من ذلك أنّه مختلف سياسيًّا فقط، وإنّما يفترض ضمنيًّا أنّه غريب عن الجماعة الوطنيّة أو مرتبط بجهة خفيّة أو فاقد للشرعيّة، وحين يوصف شخص بأنّه «فلول»، لا يُقرأ بوصفه فردًا يمتلك رأيًا خاصًّا، وإنّما بوصفه امتدادًا لماضٍ سياسيّ يراد إدانته.
هنا تفقد التسمية وظيفتها الوصفيّة، وتكتسب وظيفة أخرى تتمثّل في إعادة تعريف الإنسان نفسه، فبدلًا من مناقشة الفكرة، يجري تصنيف صاحبها، وبدلًا من الاستماع إلى الرأي، يصدر الحكم المسبق على قائله، وهكذا يتحوّل الاسم إلى أداة للفرز الاجتماعيّ والسياسيّ.
يمكن قراءة هذه الظاهرة في ضوء ما تناوله غرايس في مفهوم الاستلزام الحواريّ، فالكلمات لا تعمل من خلال معناها المباشر فقط، وإنّما من خلال ما تدفع المتلقّي إلى استنتاجه، ولهذا كانت ألفاظ مثل «مندّس» و«فلول» تنتج شبكة من الأحكام الضمنيّة المتعلّقة بالانتماء والشرعية والثقة، حتى قبل أن يتحدّث الشخص أو يعبّر عن موقفه.
ومع اتّساع الصراع لم تبق هذه الآلية محصورة في المجال السياسيّ، فقد بدأت دائرة التسمية تتوسّع تدريجيًّا لتشمل الطائفة والمنطقة والعشيرة والانتماء الاجتماعيّ، وأصبح الفرد يُقرأ من خلال الجماعة التي ينتمي إليها أكثر ممّا يُقرأ من خلال أفعاله أو أفكاره، وتحوّل بعض الجماعات إلى موضوع لصور نمطيّة جاهزة، تلصق بها صفات أخلاقيّة أو اجتماعيّة أو سياسيّة بصورة جماعيّة.
هنا يبرز ما وصفه فان دايك بناء ثنائية «نحن» و«هم». فكلّ جماعة تنتج أوصافًا تمنح نفسها من خلالها صفات إيجابيّة، في حين تنسب إلى الجماعات الأخرى صفات سلبيّة أو مشكوكًا فيها. وبمرور الوقت تصبح هذه التصنيفات جزءًا من الحياة اليوميّة والخطاب الإعلاميّ والسياسيّ.
ظهر التحوّل الأكثر إثارة للاهتمام في التعامل مع اللهجات السوريّة، فاللّهجات في أصلها تعبير عن التنوّع الثقافيّ والاجتماعيّ داخل المجتمع الواحد، وتحمل ذاكرة المكان وتاريخه وخبراته المتراكمة، غير أنّ سنوات الصراع دفعت بعض اللهجات إلى مغادرة فضائها اللغويّ الطبيعيّ، والدخول في فضاء الصراع السياسيّ والاجتماعيّ.
ففي مراحل معيّنة جرى تقليد بعض اللهجات تعبيرًا عن النفوذ أو القوّة أو القرب من مراكز السلطة، ثم شهدت مراحل أخرى تحوّلًا معاكسًا، إذ أصبح بعض اللهجات مادّة للسخرية أو التنميط أو التهكّم، ولم يعد الاهتمام منصبًّا على مضمون الكلام، وإنّما على طريقة النطق ذاتها.
هنا فقدت اللهجة حيادها.
أصبحت قرينة على الانتماء.
وأصبحت الأصوات نفسها موضوعًا للحكم الاجتماعيّ والسياسيّ.
فإذا كانت التسمية السياسيّة قد وضعت الإنسان داخل خانة معيّنة، فإنّ اللهجة أصبحت أحيانًا تقوم بالمهمّة نفسها من خلال الصوت.
ومع ازدياد الاستقطاب وتراكم الجراح والخسارات، انتقل الخطاب إلى مستوى أكثر عمقًا وحساسيّة، فقد شهدت اللغة المتداولة حضورًا واسعًا لشتائم تستهدف الأمّ والأخت والزوجة والمرضع والنسب والعائلة. واللافت في هذه الظاهرة أنّ الرجل يكون في كثير من الأحيان طرفًا في الخصومة، في الوقت الذي تتّجه فيه الإهانة نحو النساء المرتبطات به.
تكشف هذه الممارسة عن بنية ثقافيّة تجعل المرأة رمزًا لشرف الجماعة وكرامتها، ولهذا فإنّ الطعن في الأمّ أو الأخت أو الزوجة لا يُقصد به هؤلاء وحدهنّ، وإنّما يراد منه إلحاق الأذى الرمزيّ بالرجل والعائلة والجماعة التي ينتمي إليها، ومن هنا يمكن فهم سبب الانتشار الواسع للشتائم الجنسيّة في لحظات الاستقطاب الحاد؛ فهي لا تستهدف الفرد مباشرة، وإنما تستهدف منظومة الشرف والقرابة المرتبطة به.
ولم يقتصر الأمر على الأفراد، فقد امتدّ أحيانًا إلى جماعات كاملة، فظهرت أوصاف جنسيّة أو أخلاقيّة تلصق بطوائف أو مناطق أو جماعات اجتماعيّة بأكملها، وهنا لم تعد المرأة تستحضر بوصفها إنسانًا مستقلًّا، وإنما بوصفها أداة رمزيّة لإنتاج صورة نمطيّة عن جماعة كاملة.
كما برزت تعبيرات تستهدف رموز الهيبة والرجولة والمكانة الاجتماعيّة، ومن ذلك عبارات من قبيل «خسئت شواربهم»، إذ يجري الانتقال من مناقشة الفكرة إلى الطعن في القيمة الرمزيّة لأصحابها، فالشارب هنا ليس تفصيلًا جسديًّا عابرًا، وإنّما علامة ثقافيّة محمّلة بدلالات الرجولة والهيبة والقدرة، وعندما تستعمل هذه العبارة في سياق سياسيّ، فإنّها تزيح النقاش من مستوى الحجّة إلى مستوى الإهانة الرمزيّة.
لم تنشأ هذه التحوّلات في فراغ، فقد أسهمت سنوات الحرب الطويلة في إضعاف المجال الوطنيّ المشترك الذي كان يسمح للسوريّين برؤية أنفسهم جزءًا من جماعة سياسيّة واحدة بالرغم من اختلافاتهم. ومع تصاعد الاستقطاب وتراكم الخسارات والآلام الفرديّة والجماعيّة، ازدادت أهمية الهويّات الفرعيّة في تعريف الذات والآخر، وأصبحت الطائفة والمنطقة والعشيرة واللهجة والانتماء السياسيّ أدوات أساسيّة للفرز والتصنيف، وفي هذا المناخ لم تعد الكلمات تستعمل للتعبير عن المواقف فقط، وإنّما تحوّلت إلى وسائل لتحديد المواقع داخل خريطة الولاءات والخصومات.
وقد منحت هذه التسميات كثيرين شعورًا باليقين والانتماء في لحظة اتّسمت بالخوف والفوضى وعدم اليقين، فالتسمية تختصر الواقع المعقّد في كلمة واحدة، وتحدّد بسرعة من هو الصديق ومن هو الخصم، كما تمنح مستعملها شعورًا بالانتساب إلى جماعة تمتلك قاموسها الخاصّ وشعاراتها، الخاصّة، وأعداءها المحدّدين.
من هنا يمكن ملاحظة مسار كامل في تطوّر الخطاب السوريّ:
بدأت الأزمة حين أصبح الاسم يسبق الإنسان.
ثم تعمّقت حين أصبحت الهويّة تسبق الفكرة.
ثم اتّسعت حين أصبحت اللهجة تسبق المعنى.
ثم بلغت ذروتها حين أصبح الجسد ذاته موضوعًا للصراع السياسيّ والاجتماعيّ.
هذه المراحل لا تمثّل تحوّلًا لغويًّا فحسب، وإنّما تكشف مسارًا متدرّجًا لتراجع المواطنة داخل الخطاب العام، فكلّ خطوة كانت تدفع الإنسان إلى الخلف، وتدفع التسمية إلى الأمام.
لهذا لا تبدو مشكلة اللغة المتداولة اليوم في سوريا مجرّد قضيّة تتعلّق بالألفاظ القاسية أو الشتائم المتبادلة. القضية أعمق من ذلك بكثير؛ إنّها تتعلّق بالطريقة التي جرى من خلالها إعادة تعريف المواطن نفسه، فحين يتحوّل الإنسان إلى «مندّس» أو «فلول»، ثمّ إلى طائفة أو منطقة، ثمّ إلى لهجة أو نسب أو جسد، يصبح الاسم أكثر حضورًا من صاحبه، وتصبح التسمية أكثر قوّة من الإنسان الذي تحمل اسمه.
لعلّ إحدى أكبر خسائر السنوات الماضية أنّها لم تنتج فقط ضحايا ومهجّرين وسجناء، وإنما أنتجت أيضًا مواطنًا مفقودًا في اللغة؛ مواطنًا تراجع حضوره أمام سيل من التسميات والنعوت والأحكام المسبقة.
لهذا تبدأ استعادة المواطنة من استعادة الإنسان داخل الخطاب العام، وتبدأ كذلك حين يعود الرأي سابقًا للتصنيف، ويعود الحوار سابقًا للحكم المسبق، وتعود اللهجة تعبيرًا عن التنوّع الثقافيّ، وتعود المرأة إنسانًا كاملًا لا أداة في معارك الإهانة، ويعود المواطن أوسع من كلّ الأسماء التي ألصقت به.عندها فقط تستعيد اللغة وظيفتها الأصلية: أن تكون جسرًا بين الناس، لا سلاحًا يشهره بعض السوريين في وجه بعضهم الآخر.
د. حنين الغزالي