أحدث المنشورات
التصنيفات
كلمات مفتاحية
- Home
- مقالات
: الممكنات والآمال.
يعتبر العمل السياسي” الحزبي” بالعموم في سورية من المجالات الخطرة المليئة بالمتاعب والصعاب، بالرغم من الشغف العالي لدى السوريين بتعاطيها باعتبارها: المدخل الأسلم والأنضج لتنظيم شؤونهم واحوالهم.
حضر العمل السياسي” الحزبي” مبكرا في سورية مع نهاية حقبة الاحتلال العثماني، في نهاية القرن التاسع عشر، كنموذج اولي للمطالبة القومية العربية، التحرر من الاحتلال العثماني، والفرنسي من بعده.
مرحلة الاحتلال العثماني:
– جمعية الفتاة العربية١٩٠٩ في باريس.
– حزب اللامركزية الإدارية العثمانية١٩١٢ في مصر.
– جمعية العهد ١٩١٣.
مرحلة الانتداب الفرنسي:
-الحزب الشيوعي السوري- اللبناني ١٩٢٤.
-الحزب السوري القومي الاجتماعي١٩٣٢.
-الكتلة الوطنية ١٩٢٧.
مرحلة الاستقلال:
الانشقاق الكبير داخل الكتلة الوطنية السورية:
-الحزب الوطني- كممثل للنخب السياسية والاقتصادية الدمشقية١٩٤٧.
-حزب الشعب- كمثل للنصب السياسية والاقتصادية الحلبية١٩٤٨.
-حزب البعث العربي الاشتراكي١٩٤٧.
-جماعة الإخوان المسلمين١٩٤٥.
في شباط١٩٥٨ إبان الوحدة العربية” السورية- المصرية” اشترط عبد الناصر حل كل الأحزاب السورية كشرط اساسي للوحدة، وهذا ما تم رسميا/ وليس واقعياً/ مع عودتها بعد الانفصال٢٨ أيلول١٩٦١.
مع رئاسة ناظم القدسي/ حزب الشعب/ كانون الأول ١٩٦١، دخلت سورية مرحلة من الاضطرابات السياسية/ انقلابات عسكرية متوالية- بموازاة حياة برلمانية ديمقراطية نسبيه، مع الدخول العالي لقضية فلسطين( كقضية كل السوريين- كمسألة وطنية تحضر في الشأن السياسي السوري) لحين قيام مجموعة من الضباط البعثيين والقوميين بانقلاب ٨اذار١٩٦3بدعوى مواجهه الانفصال الوحدوي الذي حدث، والقضية الفلسطينية- كشأن وطني سوري-.
في 16تشرين الثاني قاد حافظ الأسد- وزير الدفاع – انقلابا عسكريا أطاح بخصمه صلاح جديد والقيادة المدنية للحزب، وعمل على تكريس سلطته الفردية، تنظيم الحياة السياسية- الحزبية السورية عبر تأسيس الجبهة الوطنية 7 اذار 1972، اعتماد حزب البعث: القائد للدولة والمجتمع، عبر اعتماده دستوريا 1973.
ضمت الجبهة الوطنية:
حزب البعث العربي الاشتراكي- القائد للدولة والمجتمع-.
-1-
الحزب الشيوعي السوري- خالد بكداش- قبل انشقاقات الحزب المتعددة.
الاتحاد الاشتراكي العربي، بتوجهاته الناصرية.
حزب الوحدويين الاشتراكيين، بمزيجه بين التوجه البعثي- الناصري.
حركة الاشتراكيين العرب- أكرم الحوراني-.
اهم ملامح الجبهة الوطنية السورية:
حظر النشاط السياسي للأحزاب غير البعثية داخل الجيش والاوساط الطلابية والجامعية. التبعية التامة لأحزاب الجبهة الوطنية لمناهج ومقررات المؤتمرات البعثية باعتبارها الموجه الأساسي لسياسة الجبهة. التمثيل الصوري لأحزاب الجبهة الوطنية بمحاصصات برلمانية- إدارية داخل مؤسسات الدولة السورية وفق محددات تتولاها الأجهزة الأمنية.
مع انقلاب 16 تشرين الثاني- الأسد، انتهت الحياة السياسية- الحزبية السورية ودخلت في منحنى جديد أبرز ملامحه:
سيادة وسطوة المؤسسة العسكرية- الأمنية على كامل عمل الدولة والمجتمع بمختلف قطاعاتها: السياسية، الاجتماعية، الاقتصادية، وذلك يشمل عمل حزب البعث اسوة بأحزاب الجبهة الأخرى.
دخول الحياة السياسية الحزبية في تجليين وحدين تقريبا: الأحزاب الموالية للسلطة/ الجبهة الوطنية/ بالشكل العلني، والأحزاب المناوئة للنظام في شكلها السري.
التبعية والخضوع التام للأحزاب المتآلفة مع السلطة، مقابل العسف والاضطهاد السياسي” الاعتقال، النفي…. وصولا للتصفية الجسدية” الاغتيال السياسي” للأحزاب المعارضة.
مع المسار السياسي الشائك لسلطة الأسد: محليا وإقليميا، تكثفت العديد من المآزق السياسية لنظام الأسد، وموقف الأحزاب السياسية تجاه ذلك:
أحداث الدستور شباط 1973في مدينة حماة، في مواجهة مسلحة مع جماعة الأخوان المسلمين بعد تغيير صفة دين رئيس الجمهورية في دستور 1973، وتم التراجع عنها، بعد ان كانت مدينة حماة معقل الحراك الأول بقيادة كل من: مروان حديد، وسعيد حوى القياديان في جماعة الأخوان المسلمين، لتمتد المظاهرات الى مدن: حمص، حلب ودمشق بمواجهات عنيفة مع إضرابات، ومسيرات تندد بمعاداة سلطة الأسد للدين الإسلامي، ليتراجع بعدها الأسد ويقوم بتعديل الدستور: اعتبار دين رئيس الجمهورية الاسلام، الفقه الإسلامي هو المصدر الرئيسي للتشريع.
الدخول السوري العسكري الى لبنان 17-18اكتوبر1976 بعد قمة الرياض العربية،
لتصادق الجامعة العربية- قمة القاهرة 25 أكتوبر 1976 عليه بعد ذلك، وكان قد سبق ذلك طلب مباشر من الرئيس اللبناني سليمان فرنجية في 31ايار1976 لوقف الحرب الأهلية، والتي كان الهدف الحقيقي وقف انهيار” الجبهة اللبنانية- المليشيات المسيحية اليمينية” في مواجهه الحركة الوطنية اللبنانية( اليسارية) وحليفها من الفصائل الفلسطينية، وانقلب عليهم فيما بعد في المواجهة مع القوات اللبنانية وحزب الكتائب في نهاية عام 1977 في معارك عنيفة( حرب المئة يوم 1978 في بيروت، وفي زحلة 1981).
انعكس ذلك التدخل السوري على الساحة السياسية السوري: الأحزاب الوطنية القومية وبعض أحزاب اليسار” الشيوعي” وقفت ضد التدخل في الشأن اللبناني، بينما أيدته أحزاب” الجبهة الوطنية” آنذاك. الاحداث والمواجهات الدامية بين تنظيم جماعة الأخوان المسلمين وسلطة نظام الأسد بعد مجزرة مدرسة
-2-
المدفعية16 حزيران 1979، بأشراف تنظيم” الطليعة المقاتلة- الأبن الشرعي لتنظيم الأخوان المسلمين وما تلا ذلك من مواجهات عسكرية دامية، امتدت ذيولها لحين مجزرة حماة شباط1982 بقيادة شقيق الرئيس السوري رفعت الأسد.
كانت احداث الثمانينات والمواجهة مع الأخوان المسلمين في أكثر من محافظة سورية: الشرخ الأكبر في الحياة السياسية السورية، ودفع بالعديد من الأحزاب الى تشكيل ” التجمع الوطني الديمقراطي” كقراءة سياسية لما يحدث في سورية آنذاك، بينما اكتفت أحزاب” الجبهة الوطنية” بتثمين مواقف السلطة الأسدية في مواجهة” عصابات الاخوان المسلمين”، واختطت بعض قوى اليسار- الشيوعي بفكرة” الخط الثالث” كمخرج لثنائية السلطة والاخوان آنذاك.
وفي كل تلك المحطات السياسية البارزة كان المعتقل السياسي هو المآل الأول والأخير لمعارضي سلطة من القوى والأحزاب السياسية المعارضة، عداك عن تنظيم الاخوان المسلمين- الطليعة المقاتلة: الطرف الأوحد تقريبا الذي مارس العمل العسكري في مواجهة النظم السياسية بغض النظر عن وطنيتها، ديكتاتوريها، أو عداه.
في عام1983-1984 ومع مرض حافظ الأسد في نوفمبر1983، ودخوله المشفى، نشأ نزاع كاد ان يؤدي الى مواجهة مسلحة مباشرة بين رفعت الأسد- سرايا الدفاع- ومجموعة من الضباط :
العماد علي دوبا: رئيس شعبة المخابرات العسكرية، العماد إبراهيم صافي: قائد الفرقة الأولى في الجيش السوري، العميد عدنان مخلوف: قائد الحرس الجمهوري، العماد حكمت الشهابي: رئيس الأركان، العماد مصطفى طلاس: وزير الدفاع، وعلى مستوى المواجهة السياسية داخل القيادة القطرية لحزب البعث عبد الحليم خدام: نائب رئيس الجمهورية.
انتهى” حلم الوراثة المزعومة لرفعت الأسد” بتدخل حافظ الأسد شخصيا، وابعاد رفعت الأسد- نفيه الى أوروبا- وتفكيك سرايا الدفاع في منتصف عام1984.
لم تشكل هذه الهزة العنيفة لسلطة الأسد أي امتداد سياسي- حزبي خارج المؤسسة العسكرية، وفي الجدران الداخلية القيادة القطرية لحزب البعث، وواصلت أحزاب الجبهة الوطنية المزيد من التمجيد لسطوة القائد، وأكتفت الأحزاب السياسية المعارضة- خارج الجبهة- بمراقبة المشهد الدموي الذي كان يخيم على سورية.
من المهم الإشارة دوما: بأن اغلب الأحزاب والقوى السياسية السورية لم تمارس العمل العسكري مباشرة في الشارع السوري، باستثناء جماعة الاخوان المسلمين، بينما كان لبعض الأحزاب السياسية دور مباشر في الانقلابات العسكرية كمدخل مباشر للسلطة: حزب البعث، وبعض التشكيلات الحزبية الناصرية” حركة جاسم علوان”.
لم يكن نصيب سورية كنظام سياسي لسلطة الأسد من مخرج لأعاده انتاج نفسه بعد وفاة حافظ الأسد سوى: التوريث السياسي- العائلي في نظام جمهوري في 10حزيران2000.
تم ترتيب الانتقال في زمن الأسد، بعد وفاة ابنه باسل، حيث تم استدعاء طبيب العيون بشار الأسد من لندن، وتم تنظيم الامر بدقه بالاعتماد على بعض شخصيات من” الحرس القديم”، مقابل تصفية العديد منهم .
في10 تموز2000 جرى” استفتاء شعبي” نال بموجبه الرئيس بشار الأسد نتيجة 97% من النتائج بعد انتخابه أمينا قطريا عاما لحزب البعث في حزيران 2000.
كانت باكورة سلطة الأسد الأبن2000-2001 إجهاض ربيع دمشق، واغلاق كل المنتديات السياسية، اعتقال
-3-
قادة حراك ربيع دمشق، مما حدي بالمعارضة السياسية الى البحث عن اشكال جديدة من الحراك السياسي توج في إعلان دمشق للتغيير الوطني الديمقراطي- إعلان دمشق- في 16تشرين الأول 2005 كمحطة نادرة في التاريخ السياسي السوري في الجمع بين كافة التيارات السياسية السورية للمرة الأولى، وجاء رد فعل السلطة – كالعادة- برد أمنى وقمعي ممنهج طال أبرز رموز وشخصيات الإعلان بالاعتقال السياسي، حضر المشهد الإقليمي في الحياة السياسية السورية بقوة:
احتلال بغداد 9ابريل2003 من قبل الولايات المتحدة الامريكية وحلفائها.
اغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري14شباط2005، وما أعقب ذلك من خروج للجيش السوري من لبنان” الوصاية السورية” في 26نيسان2005، والتي دامت29 عام.
حرب تموز2006 على الضاحية الجنوبية معقل حزب الله – حرب الثلاثين يوما-. النزاعات البينية العربية- العربية، وخارطة التحالفات الإقليمية: إيران، تركيا، السعودية…
اذار- الربيع العربي في سورية
شكلت ظاهرة الربيع العربي التي بدأ من تونس ممتدة نحو ليبيا، مصر، وصولا الى سورية المحطة الأهم في الحياة السياسية السورية بعد ان تقدمت لتدمر الوطن والمواطن. انتهجت السلطة السورية لبشار الأسد مبكرا الخيار والحل العسكري- الأمني في مواجهة المطالب الشعبية في التغيير الديمقراطي المنشود، وهو ما أفضى بالمحصلة المبكرة الى مواجهات عسكرية تجاوزت الاحتجاجات السلمية المبكرة، للتداخل الإقليمي والدولي في الملف السوري، ومن كل الفرقاء المتصارعة عسكريا” سلطة ومعارضة”، وتراجعت المطالب السلمية في الحل السياسي لتعنت الأطراف المتنازعة، والتدخلات الخارجية.
شكلت غالبية الأحزاب السياسية السورية الخلفية التبريرية للنزاع المسلح الذي غطى على كامل الحراك الشعبي السلمي، ولكل من موقعه من النزاع والأطراف المتحالفة معه، وفي ذلك تراجع فاضح لدور السياسة لصالح المشاريع والخطط العسكري- المدعومة خارجيا بالأغلب- مع الحفاظ على جذوة المطالب السورية في: الخلاص من الديكتاتورية، الحياة الديمقراطية، بناء دولة المواطنة الكاملة المتساوية…..كحد أدنى من الحقوق.
وبالنظر الى- الشبه الطائفية- للنظام السوري، ودور الدول الداعمة للخيار العسكري، وباعتبار التيار السلفي الجهادي الاسلامي الأكثر طواعية وسيطرة لدى الاستخبارات الدولية، نمت التنظيمات العسكرية الجهادية كالفطر في المشهد السياسي- العسكري للجماعات المعارضة( المسلحة) بالخصوص: داعش، جبهة النصرة، جيش الإسلام، حركة احرار الشام الإسلامية، هيئة تحرير الشام….ويغلب عليها التوجه الديني السلفي- الجهادي المتشدد، بمرجعية فقهية متشددة تجاه فكرة: الوطن، المواطن، الديمقراطية، الأحزاب السياسية، سيادة القانون، الدولة، مقابل الرعية، الأمة الإسلامية، الشورى، الأمير، الحاكمية لله، الولاء والطاعة……
انهيار نظام بشار الأسد 8كانون الأول2024ن منهيا بذلك 53 عام من حكم سلطة الأسد وحزب البعث في سورية، وتولي هيئة تحرير الشام- جبهة النصرة- أبو محمد الجولاني- أحمد الشرع السلطة في دمشق.
أستهل الجولاني سلطته في دمشق بعد مرور اقل من ثلاث اشهر6-27 آذار2025 بمجازر ممنهجة ومخططة في الساحل السوري: طرطوس، اللاذقية، وأجزاء من ريف حماة الغربي، وبمساعدة ومباركة من أطراف إقليمية- تركيا- الراعي المباشر لما يسمى بالجيش الوطني- الحمزات والعمشات- في مجازر شنيعة ترافقت مع قتل، تمثيل وحرق للجثث، حرق وتدمير للبيوت والممتلكات، اجبار المدنيين على النزوح تتراوح ارقام الضحايا بين ارقام رسمية لسلطة الجولاني1400 ضحية، وأرقام لمنضمات حقوقية بالعديد من الآلفات 21000، مخلفة تدميرا وتشويه للهوية الوطنية السورية، لصالح الهوية الطائفية البغيضة، على الرغم بوجود العديد من الضحايا من أصحاب المذهب السني اللذين لا ينحازون لتوجهات الجولاني في توجهاته الفقيه.
-4-
في 13-16 يوليو 2025 شنت القوات العسكرية والأمنية التابعة لهيئة تحرير الشام، مدعومة” بفزعة العشائر السنية” بالهجوم مدينة السويداء مرتكبة الكثير من المجازر بحق المدنيين ،النساء والأطفال- مجزرة مشفى السويداء- اسفرت عن ارقام ضحايا متناقضة حسب الجهة المدققة: 1700 ضحية، وتهجير 200,000 مدني، مقابل ارقام تفوق ذلك بأضعاف المرات، دون أي مبرر وجاهي أو فقهي” غياب ايه ذريعة، على العكس مما حدث في مجزرة الساحل” بدعوى الفلول”، عداك عن العديد من التفجيرات التي طالت دور العبادة المسيحية.
على المستوى السياسي لسلطة الجولاني:
في خطبته من منبر الجامع الاموي 12ديسمبر 2025، يحدد الجولاني العلاقة السياسية مع الشعب السوري: أطيعوني ما أطعت الله فيكم…. كنموذج للعلاقة السياسية بين الحاكم والمحكوم، وفق تصور فقهي خاص بالجماعة الجهادية- السلفية.
مؤتمر النصر29 كانون الثاني2025 حيث تم اعتماد احمد الشرع رئيسا للبلاد بوصفه رئيس المرحلة الانتقالية لخمس سنوات. حل الفصائل العسكرية المسلحة ودمجها في الجيش السوري القادم” مشروع نظري”.
مؤتمر الحوار الوطني 24-25 شباط 2025 بمشاركة 600- 900 من أصحاب اللون الواحد الذي تقبله سلطة الجولاني، واقصاء: الأقليات القومية- الكرد، والدينية- المسيحيين، والمذهبية- العلويين والدروز.
الإعلان الدستوري في 13 اذار2025 ولمده خمس سنوات تم فيها منح” الرئيس الانتقالي” صلاحيات دستورية غير مسبوقة: تعيين الحكومة والوزراء واقالتهم، سن القوانيين، تعيين ثلثي أعضاء مجلس الشعب، القائد العام للجيش والقوات المسلحة، تعيين رئيس وأعضاء المحكمة الدستورية العليا…..
الحكومة السورية الانتقالية29مارس 2025 حيث شهدت غياب لمنصب رئيس الوزراء، ودمج العديد من الوزارات لصالح رئيس السلطة التنفيذية، او رئيس الحكومة والمرحلة الانتقالية احمد حسن الشرع، وتم توزيع المناصب على المقربين من الجولاني ومن حاضنة هيئة تحرير الشام، مع بعض من الأسماء : علوي، مسيحي، درزي، كرد، للتعمية.
بالمجمل هذه خريطة مبسطة لسلطة الجولاني السياسية في دمشق اليوم، مع ملاحظة التدهور الفاحش في الحياة الأمنية للسورين في ظل غياب تحقيق مبدأ العدالة الانتقالية، وعمليات القتل الممنهج للأقليات والعديد من الشرائح السنية التي ترفض فقه الجولاني السلفي- الجهادي.
التدهور الاقتصادي والنهب الممنهج للمدخرات السورية تحت عناوين جديدة: تغيير العملة، الانفتاح الاقتصادي، الخصخصة، تراجع الدولة عن الكثير من مهامها: الدعم للسلع الأساسية، المحروقات، الكهرباء….
تبقى السياسة هي المدخل شبه الضروري لمناقشة الشأن العام، وستظل الأحزاب السياسية هي المكان الأكثر نضوجا لممارستها، وفي ذلك غياب فاضح اليوم لدى سلطة الجولاني نفسه، والمجتمع السوري كذلك، بالرغم من العديد من التشكيلات والهيئات السياسية التي وجدت طريقا بأفكارها لدى السوريين: الكتلة الوطنية السورية، تحالف المواطنة السورية المتساوية” تماسك” والكثير من الأحزاب السياسية الغير مرخصة.
يعتبر المجتمع المدني/ مقابل البنى العشائرية، الطائفية، الأثنية/ هي البنية الأنضج لممارسة الفعل السياسي بالمعنى الحديث والمتطور له، وذلك يفترض بالبداهة وجود مؤسسات وهيئات مستقلة في الشأن العام” الدولة” كمدخل لتنظيم العمل السياسي/ بغض النظر عن عدالتها أو قمعيتها/ مع التأكيد على شرعيتها السياسية، بالحد الأدنى: المدخل الوحيد والضروري للحوكمة، كعلاقة بين الحاكم والمحكوم.
في المشهد السوري اليوم، وبعد التحطيم الهائل للعديد من مؤسسات الدولة السورية في ظل النزاع العسكري الذي امتد منذ 2011 ولحينه، كانت المؤسسة العسكرية الأمنية للنظام السوري البائد- الأسد- أخر القلاع المؤسساتية، ومع مجيء سلطة هيئة تحرير الشام- الجولاني- تم الإجهاز على كامل الدولة السورية السالفة،
-5-
باتجاه تنظيم” سلطة- دولة” وفق مقاس الجولاني الذي بدأ بتكريسها كما سبق الإشارة بذلك.
بالعودة الى تجربة هيئة تحرير الشام المنبثقة عن تحالفات جبهة النصرة- طوعا او رغما- في الشمال الأدلبي، افرزت نموذجا اعتباطيا لفكرة المجتمع المدني، وبالتالي للعمل السياسي، بالرغم من الجهود الأهلية للناس
لتنظيم حياتهم بالشأن العام وفق ذلك التصور، وسيطرت فكرة الولاء والطاعة، ولاه الأمر، المرجعية الدينية،
الطائفية والاثنية على تنظيم علاقة الحاكم بالمحكوم، مع الحضور العالي للتعسف، الاعتقال، التصفية السياسية: الجسدية والمعنوية.
مع وصول الجولاني الى دمشق، والبدء بتأسيس سلطته ونظامه السياسي، تجلى واضحا المسافة الكمية والنوعية لطموح الشعب السوري في الثورة على ديكتاتورية وطغيان سلطة الأسد، وطموحها وحقها في المشاركة السياسية الحقيقة، والسعي لإيجاد دولة سيادة القانون، وفق حق المواطنة الكاملة، والمتساوية، وفق نضال سياسي سلمي ديمقراطي يحكم العلاقة بين المجتمع من جهة ، والحاكم من جهة أخرى.
ان الحق في الممارسة السياسية للأفراد والجماعات داخل المجتمع لا تشترط بالضرورة وجود نظام/ سياسي ديمقراطي/ قد يكون العكس أكثر أهمية وضرورة، أي ضرورة وجود الدولة كشرط مسبق، كما لا يعني الاعتراف الشرعي لسلطة النظام السياسي المسيطر بقوة السلاح أو ما عداه.
السؤال الذي يطرح ذاته بقوة: هل من حق السوريين، او وجوبهم التوجه نحو العمل السياسي المنظم في ظل الأوضاع السوداوية لسلطة الجولاني اليوم؟؟؟
الجواب بكل تأكيد هو: نعم مضخمة وفائقة الوجوب.
من حق السوريين اليوم العمل الجاد للانخراط في العمل السياسي كمدخل لإعادة الحياة الى ذاتهم ووطنهم وفق الشروط التي يطمحون اليها، ولما كانت هذه السلطة الديكتاتورية الجهادية- السلفية ترفض شرعية العمل السياسي، مقابل فكرة الولاء والطاعة، يجد السوريين وبمواقع متنوعة أنفسهم في مواجهة هذه السلطة.
ان العمل السياسي للأفراد والجماعات ينطلق من بديهية محددين اساسين: الموقف من السلطة الحاكمة وطريقة التعاطي معها، شكل وشروط العمل السياسي: السلمي المدني، العصيان، التمرد والاحتجاج، المواجهة المسلحة… الى العديد من اشكال النضال وفق شروط وظروف المرحلة.
من المؤكد سيجد السوريين نموذجا يمكن الاتكاء عليه بمواجهة الديكتاتورية الجديدة بلبوسها الجهادي- السلفي، مع التأكيد/ الشخصي/ على ضرورة تجنب فكرة الانتحار السياسي، وضرورة ابداع نماذج نضال سياسية جديدة تتناسب وظروف المرحلة التي يعيشونها.
من المؤكد بأن البشر- بفردانيتهم- يلجؤون الى اشكال من الخلاص الفردي في ظل الازمات العنيفة، الكوارث، الانتهاكات والمجازر العنيفة: الهجرة، الانكفاء واعتزال العمل السياسي العام، التريث، المحاباة…لكن الأكثر صوابيه هو: التنظيم الجيد في مؤسسات أو أحزاب سياسية تنظم الجهود الفردية وفق ترابية الأكثر أهمية والأشد ضرورة وإلحاحيه.
ماجد حبو 08-08-2026
-6-