سياسة الصدى

أحدث المنشورات

المربع الأيديولوجي وإعادة إنتاج ثنائية "نحن/هم"
AZAM1
المربع الأيديولوجي وإعادة إنتاج ثنائية "نحن/هم"
كيف يُصنع العدو لتثبيت الشرعية؟ مقدمة: هندسة الهوية السياسية في مرحلة الانتقال في علم الاجتماع السياسي ...
التفاصيل
التضليل كأداة قهر:
NG1
التضليل كأداة قهر:
آلية استلاب المخيال الجمعي السوري إن تضليل عقول البشر على حد قول باولو فرير، هو “أداة للقهر”....
التفاصيل
سياسة الصدى
echo policy
سياسة الصدى
حين يصبح الصمت جزءًا من خطاب السلطة قد تبدو * لافتة تحمل حكمًا دينيًّا بالعقوبة حادثة معزولة في بلد أثقلته...
التفاصيل
العمل السياسي- الحزبي في سورية اليوم
partie
العمل السياسي- الحزبي في سورية اليوم
: الممكنات والآمال. يعتبر العمل السياسي” الحزبي” بالعموم في سورية من المجالات الخطرة المليئة...
التفاصيل
بيان إدانة وتحميل مسؤولية
bayqn0
بيان إدانة وتحميل مسؤولية
إن استهداف مدينة جرمانا من جديد لا يمكن اعتباره حادثًا معزولًا، بل نتيجة مباشرة للشحن الغرائزي الطائفي...
التفاصيل

التصنيفات

كلمات مفتاحية

حين يصبح الصمت جزءًا من خطاب السلطة

قد تبدو * لافتة تحمل حكمًا دينيًّا بالعقوبة حادثة معزولة في بلد أثقلته الحروب والانقسامات، غير أنّ الحوادث الصغيرة تكتسب وزنًا سياسيًّا عندما تكشف خللًا يتعدّى حضورها المكانيّ إلى بُعد دلاليّ شديد التأثير، ففي سوريا اليوم يتجاوز السؤال مضمون لافتة ظهرت في المجال العام إلى البيئة التي تسمح لهذا النوع من الخطابات بالظهور، وإلى موقع سلطة جعلت «السلم الأهليّ» و«المواطنة» و«سيادة القانون» جزءًا من معجمها السياسيّ.

غياب إدانة رسميّة واضحة للواقعة، في حدود ما أمكن رصده، لا يكفي لإثبات تبنّي السلطة لمضمونها، كما أنّ الصمت عن حادثة منفردة لا يصنع سياسة، إذ تبدأ الدلالة حين يوضع هذا الصمت إلى جوار خطاب رسميّ متكرّر عن الاعتدال ومواجهة التحريض، ثم يُسأل عن المعيار الذي يستدعي موقفًا من السلطة وما يمرّ من دون موقف، وعن الفئات التي تمتلك مساحة أوسع للكلام في المجال العام.

عندها ينتقل التحليل من الحادثة إلى سياسة الاستجابة للحادثة، فالسلطة تنتج خطابها بما تقوله، وبما تمنعه، وبما تدينه، وبما تحاسب عليه، وبما تتركه يتحرك في الفضاء العام كذلك، وحين تختلف الاستجابة باختلاف المتكلّم أو البيئة التي يصدر عنها الكلام، تصبح الانتقائيّة نفسها رسالة سياسيّة، حتى في غياب نصّ مكتوب يعلنها.

يمكن تسمية هذه العلاقة بين الكلام الرسميّ وما ينمو تحته «سياسة الصدى»، فالسلطة في المركز تكرّر في معظم المحافل والمنابر مفردات مثل: المواطنة، والسلم الأهلي، والقانون، والاعتدال، غير أنّ الصوت يعود من بعض مساحات المجتمع محمّلًا بمعجم آخر: الجماعة، والهويّة، والمؤمن والكافر، والمنتصر والمهزوم، وحقّ تعريف الصواب، والامتثال لتعريف الأكثريّة.

الصدى ليس كلام السلطة، ونسبته إليها مباشرة تفسد التحليل، غير أنّ هذا الصدى يتحرّك داخل مجال تديره الدولة، ولذلك تصبح طريقة تعاملها معه جزءًا من معناه السياسيّ.

هنا تظهر فجوة لا يكفي وصفها بالتناقض، فالخطابان قد يؤدّيان وظيفتين مختلفتين داخل البيئة السياسيّة نفسها، إذ يحتاج الخطاب الرسميّ إلى مفردات الدولة كي ينتج الشرعيّة، في حين يحتاج بعض البيئات الأيديولوجيّة والاجتماعيّة التي تشكّلت خلال سنوات الحرب إلى لغة الجماعة كي تحافظ على تماسكها وقدرتها على التعبئة، وهكذا يتوازى هذان الخطابان، بحيث يُطمْئِن الأول

ويعبّئ الآخر، في حالة يمكن وصفها بـالازدواج الوظيفي للخطاب.

هذا المفهوم لا يفترض وجود تعليمات خفيّة أو توزيع أدوار مقصود، لأنّ الفرضية أكثر تعقيدًا، فالسلطة تستفيد سياسيًّا من خطاب لا تتبنّاه رسميًّا، ما دام ذلك الخطاب يؤدّي وظيفة اجتماعيّة أو هوياتيّة، من دون أن تتحمّل المؤسّسة الحاكمة كلفته المباشرة.

وهنا يتغيّر السؤال، فبدلًا من البحث عن سبب التناقض بين ما تقوله السلطة وما يظهر في المجال العام، يصبح الأجدى أن نسأل: ماذا لو كانت المسافة بين الخطابين تؤدّي وظيفة سياسيّة؟

فسلطة الأمر الواقع الانتقاليّة تحتاج إلى تقديم نفسها دولة لجميع السوريين، وهذه الوظيفة تتطلّب معجم المواطنة والقانون والسلم الأهلي. وفي الوقت ذاته، يصعب على قوّة خرجت من حرب طويلة أن تنفصل سريعًا عن البنية الهُوياتيّة التي أسهمت في تماسك حاضنتها خلال سنوات الصراع.

تنشأ هنا واحدة من أعقد مشكلات الانتقال السياسيّ: الانتقال من «نحن» التي انتصرت إلى «نحن» الوطنية التي تستطيع أن تضمّ إليها من لم يكن جزءًا منها، وهذه في المحصّلة ليست أزمة مفردات، بل إنّها أزمة تحوّل الجماعة الحاكمة إلى دولة.

وكلّما تأخّر هذا التحوّل، ظهرت دولتان في مستوى المعنى: دولة المؤسسات التي تتحدّث بلغة المواطن، و”دولة” البيئة الاجتماعيّة التي لا تزال تقرأ الأفراد وفقًا لقربهم من الجماعة أو بعدهم عنها، وقد تبقى المؤسّسات قائمة، في الوقت الذي تظلّ فيه الحدود الفعليّة للمواطنة تُرسم خارجها، بحسب مقدار الأمان الذي يتمتّع به المختلف في المجال العام، وعند هذه النقطة يصبح الصمت أكثر دلالة من البيان.

الصمت السياسيّ لا يعني الموافقة تلقائيًّا، غير أنّ تكراره بصورة انتقائيّة قد ينتج أثرًا قريبًا من الموافقة، فالجماعة التي تكتشف أنّ خطابها لا يواجه اعتراضًا واضحًا قد تختبر سقفًا أعلى في المرّة التالية، في حين يتعلّم الطرف المستهدف أنّ النصّ القانونيّ ليس المصدر الوحيد الذي ينبغي أن يقرأه، فينشأ بالتدريج قانون اجتماعيّ غير مكتوب لا تنشره الجريدة الرسميّة، لكنّ الناس يتعلّمونه من التجربة، ومن مقدار الخوف، ومن معرفة ما يمكن قوله ومن يستطيع قوله، وهنا تنتقل المسألة من تحليل الخطاب إلى تحليل السيادة.

يستحضر سمير التقي، في مقاله «تشاؤم واقعيّ: جولة أفق في نظام عالميّ يتفكّك»، مفهوم «الدولة المجوّفة» ضمن قراءة أوسع لأزمة الدولة القوميّة، ويتوقّف عند وظيفة الدولة في تنظيم احتكار العنف الجماعيّ، فيفتح ذلك سؤالًا سوريًّا مختلفًا: ماذا يحدث عندما تحتكر الدولة السلاح، في الوقت الذي تفقد فيه قدرتها على احتكار الطمأنينة؟

في هذه الحالة قد تسيطر الدولة على الجيش والشرطة والمعابر، لكنّ المواطن يشعر أن طائفته أو عشيرته أو جماعته أكثر قدرة على حمايته من القانون، وفي هذه اللحظة تبدو السيادة كاملة نظريًّا على الخارطة، لكنّها في الواقع ناقصة أو مجتزأة في وعي الناس، وتبدأ الدولة بخسارة جزء من سيادتها قبل أن تفقد سلاحها، وتبدأ هذه الخسارة كذلك حين يفقد المواطن ثقته في أنّ القانون وحده يكفي لحمايته.

من هنا يمكن اقتراح مفهوم «احتكار الطمأنينة»؛ بمعنى أن تكون الدولة المرجع الذي يجعل المختلف آمنًا من دون حاجة إلى ضمان إضافيّ يمنحه هويّته، لكن للواقع مساراته الأخرى، فالمواطن يحتاج إلى طائفته كي يشعر بالأمان، فتحصل الطائفة على جزء من وظيفة الدولة، ويحتاج إلى عشيرته للحصول على حقّ، فتحصل العشيرة على جزء آخر، وحين يصبح خوفه من جماعة أقوى من ثقته في القانون، تكون تلك الجماعة قد امتلكت سلطة لم يمنحها إيّاها دستور أو قانون، وعندئذ تظهر نتيجة أخرى يمكن وصفها بـالتضخم الهوياتيّ.

فكلّما انخفضت القيمة العمليّة للمواطنة ارتفعت القيمة السياسيّة للهويّات الفرعيّة، وتحوّلت الطائفة والعشيرة والمنطقة والجماعة من انتماءات اجتماعيّة إلى موارد للحماية. يشبه هذا الأمر، مجازًا، حالة عملة تفقد قدرتها الشرائيّة؛ حين تعجز «المواطنة» فيها عن شراء الأمان، يبحث الفرد عن عملة أخرى.

هنا تكمن المفارقة الأشدّ في خطاب السلم الأهليّ، فالخطاب الذي يسعى إلى تخفيف حضور الهويّات قد يرفع قيمتها حين يعجز القانون عن طمأنة أصحابها، وكلّ خطاب إقصائيّ، في هذا السياق، يمرّ من دون معيار قانونيّ واضح، فيلجأ كلّ من يشعر بأنّه مستهدف إلى مزيد من الاحتماء بجماعته.

ليصبح تسلسل المشهد على النحو الآتي: تخاف جماعة فتنغلق، فترى جماعة أخرى هذا الانغلاق تهديدًا، فتعود هي الأخرى أيضًا إلى استثارة هويّتها وتعزيزها، وبهذه الآليّة يتحوّل الخوف إلى رأس مال هُوياتيّ يعيد إنتاج نفسه في كلّ هويّة، وعلى أكثر من مستوى في كلّ حدث وموقف.

لهذا لا يكفي قياس السلم الأهليّ بغياب حالة الاشتباك أيًّا كان نوعها، فقد يكون الشارع هادئًا لأنّ الناس آمنون، وقد يكون هادئًا لأنّ المختلف تعلّم أين يصمت ومتى يصمت، والفرق بين الحالتين هو مقدار ما يستطيع المواطن قوله والعيش فيه من دون أن يلقي بالًا لهُويته ولهُوية الآخر.

السلم الأهليّ، بهذا المعنى، هو انخفاض كلفة الاختلاف، إذ كلّما ارتفعت كلفة الاختلاف، فقد الحديث عن السلم الأهلي جزءًا من قيمته، فالدولة تُختبر في مقدار الأمان الذي يتمتّع به المختلِف، وفي قدرته على أن يكون مواطنًا من دون أن يحمل معه هويّة إضافيّة للحماية.

تعود بنا الحادثة التي بدأ منها المقال إلى سؤال أكبر من لافتة أو مجموعة أشخاص، فالقضيّة تتعلّق بنوع المجال العام الذي يتكوّن في سوريا، والمعيار الذي تعتمده السلطة في تأطير حدوده، والمسافة التي تفصل بين خطاب الدولة والخطابات التي تنمو تحت سلطتها.

حادثة واحدة لا تثبت ازدواجيّة سياسيّة، وصمت واحد لا يصنع سياسة، غير أنّ تراكم الصمت، ولا سيّما إذا رافقته انتقائيّة في تعريف التحريض والخطر والسلم الأهليّ، يستحقّ القراءة بوصفه جزءًا من بنية الحكم؛ لأنّ السلطة التي تختار متى تتكلّم تختار أيضًا متى تترك الآخرين يتكلّمون داخل فضائها.

وهنا يقع الامتحان الأصعب لسلطة الأمر الواقع الانتقاليّة التي استطاعت أن تنتج معجمًا جديدًا للدولة، لكنّها لم تمتلك، إلى الآن، القدرة على إنتاج واقع يستطيع فيه السوريّ أن يعيش «مواطنًا»  داخل معاني ذلك المعجم.

فالانتقال السياسيّ لا يكتمل عندما تتغيّر الكلمات التي تصف الدولة، بل يكتمل عندما تتغيّر القواعد غير المكتوبة التي يتعلّم بها المواطن كيف يعيش داخلها.

وعندها فقط يمكن معرفة أيّ الخطابين انتصر: الدولة التي بنتها الكلمات التي قالتها السلطة، أم الدولة التي بنتها الكلمات التي سُمِح لها بأن تُقال؟

د. سلمى الراوي

*ech

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top