أحدث المنشورات
التصنيفات
كلمات مفتاحية
- Home
- مقابلات
لن أتحدث في البروباغندا بالمعنى التقليدي للكلمة، خاصة وأن سوريا كانت مخبرا لعمليات التجديد والابتكار في الدعاية والإعلام. كذلك لن أضيع وقتكم بصناعة الكذب الإعلامية التي رافقت وصول أبو محمد الجولاني إلى دمشق وعشرات ملايين الدولارات التي دفعت للترويج لصورة “المخلص” من الدكتاتورية الأسدية. ورغم أن أصوات المقاومة بدأت تتعدى، في تقديرات الميديا وتش، العشرة بالمئة، ويمكننا اليوم الحديث عن سقوط ورقة التوت عن عورات الكارتل الإعلامي التركي الخليجي، وانطلاقة حالات الصحو المجتمعية في مواجهة السياسة الطائفية الممنهجة لسلطة الأمر الواقع، والسياسة الاقتصادية المتوحشة التي تعتمد على تحطيم البنيات الإنتاجية المحلية ونهب ثروات البلاد.
سأتوقف سريعا في هذه المداخلة، عند عملية “الترويج والبروباغندا” الغربية. فمن الممتع أن نجد مؤسسات تعمل، كما تقول، من أجل دمقرطة الأمن والجيش في بلدان المشرق، أو إيجاد منابر للحوار من أجل بناء الديمقراطية ودولة القانون، تدخل في جوقة تنسيب هيئة تحرير الشام وأخواتها، إلى مشروع “الشرق الأوسط الجديد”، في تعاون غير معلن، بين من يحتل أجزاء هامة من سوريا شمالا وجنوبا أو باشر عملية مصادرة ما تبقى من ثروات وبنيات تحتية تسمح لهذا البلد النازف بالخروج من القاع.
في مطلع 2025 وصلني نسخة من كتاب Transformed by the People “طريق هيئة تحرير الشام إلى السلطة في سوريا” (330 صفحة) الذي كتبه جيروم دريفون Jerome Drevon الذي أصبح تعريفه: باحث متخصص في تحولات الجماعات المسلحة والحركات الجهادية والحوكمة في مناطق التمرد والمحلل الأول لشؤون الجهاد والصراعات الحديثة في “مجموعة الأزمات الدولية” (ICG)، وباتريك هايني Patrick Haenniالذي عمل عشر سنوات في مصر مؤلف كتاب “إسلام السوق” وأيضا محلل أول ولكن في HD (الحوار الإنساني!!) السويسرية!! وقد جرى تقريظ الكتاب من صفحته الأولى من أسماء معروفة في وزارتي الخارجية الأمريكية والبريطانية.
يتضح من الكتاب أن السياسة البريطانية الأمريكية، أو لنقل الغربية، منذ 2021 على الأقل تعتمد على ثلاثة مبادئ رئيسية، ساخرة ولكنها واقعية، تلخص ما يسمى Real Politik الواقعية السياسية وعملية التسويق والبروباغندا للصداقات والعداوات في الغرب:
- الاستقرار التعاقدي بدلًا من الفضيلة الديمقراطية. بالنسبة للحكومات الغربية، غالبًا ما يُفضّل وجود زعيم استبدادي يسيطر على أراضيها، على الفوضى أو الحرب الأهلية أو حاكم مناهض للمصالح الغربية. فإذا قدّم هذا الحاكم ضمانات أمنية يمكن التنبؤ بها (كعدم تصدير الإرهاب، واحترام الحدود الجيوسياسية…)، فإن الغرب على استعداد للتغاضي عن غياب دولة القانون والحريات الداخلية والجندرة والمجدرة، ويمكن. وهذا هو مبدأ: “صحيح أنه وغد، ولكنه وغدنا” (وهو مبدأ يُنسب تاريخيًا إلى الدبلوماسية الأمريكية).
- ازدواجية المعايير المؤسسية: يتعاون الغرب تعاونًا وثيقًا واستراتيجيًا مع العديد من الملكيات المطلقة أو الأنظمة العسكرية في الشرق الأوسط وأماكن أخرى، حيث لا يوجد فصل بين السلطات، ويوجد تفرد لدكتاتور بالسلطات، وثمة اضطهاد للمعارضة والأقليات، وبالتالي ما هو مطلوب من هيئة تحرير الشام لا يعتمد على العلاقة بينها وبين المجتمع السوري، تصنيف السلطة السياسية بأنها “مقبولة” لا علاقة له ببنيتها ووظائفها الداخلية، بل على سياستها الخارجية وخضوع هذه السياسة لمصالح القوى الغربية.
- أولوية الوظيفة على الأيديولوجيا: في حالة الجولاني (أحمد الشرع)، تتمثل السياسة الواقعية في تقييم قدراته الإدارية والعسكرية. إذا تمكن من القطع مع الجهاد العالمي Global Jihad وتطهير العناصر الأكثر تطرفًا في تنظيم القاعدة وداعش، القطيعة والمواجهة مع المحور الإيراني-الشيعي، تأمين الحدود مع إسرائيل وتركيا، والحفاظ على استقرار جهاز الدولة السورية، فإنه يؤدي وظيفته كـ”مدير للأزمات”. يصبح ماضيه السلفي أو حكمه الاستبدادي أمرًا ثانويًا. هذا هو الإطار التحليلي الدقيق الذي يطبقه باتريك هيني وجيروم دريفون ومن انضم لهما في الترويج والدعاية للإرهابي المتحول إلى خادم الشعب.
من الضروري الإشارة إلى هذه المراكز وهؤلاء المختصين، لأن دورهم لا يكمن في منح الديمقراطيات أو النظم التسلطية تقييمات إيجابية أو سلبية، بل في وصف العالم كما يعمل: فضاء تحكمه ديناميكيات القوة، والمصالح الأمنية، والحاجة إلى إيجاد محاورين قادرين على فرض اتفاق على أرض الواقع.
عندما تنجح هذه المراكز في تحويل الجماعة الجهادية إلى “إسلام السوق” ينتهي الخطر منها على المصالح الحيوية الغربية، وهذا مربض الفرس.
————-
مداخلة الدكتور هيثم مناع في ندوة منتدى الحوار المدني الديمقراطي- مدى. “واقع السلطة الراهنة في سوريا وهوية الدولة المنشودة” مع د.هيثم مناع و د.سربست نبي، الخميس 24 سبتمبر 2026.