أحدث المنشورات
التصنيفات
كلمات مفتاحية
- Home
- دراسات وتقارير
منذ سقوط النظام الامني والديكتاتوري المستبد البائد في 8-12-2024، اعتلت السلطة فصائل اسلامية أصولية جهادية، غالبها ذو طبيعة اقصائية وممارساتها فاشية. وأعلنت بأنها صاحبة الفضل في تحرير سورية …. (تحرير سورية من الديكتاتورية وليس من المحتلين الأجانب)
سقوط النظام المجرم الامني الاستبدادي:
قبل سقوط نظام الاسد الديكتاتوري البعثي كان هناك اجماع دولي على تقسيم سورية إلى اربعة مناطق منفصلة، بشكل عام بالرؤى الانية والاستراتيجية والجغرافية، والتبعية الدولية، والبنى الأيديولوجية الخاصة بكل منها، وحتى من حيث الذاكرة الجماعية والثقافة الشعبية العامة.
(آ): الشمال الشرقي: كانت هناك ديمقراطية وحريات عامة وادارات تنتخب وفقا لديمقراطية نسبية و توافقية في اغلب الاحيان بالنسبة للدوائر العليا فيها (مسد)..أ ولها جناحها العسكري الممول- الأسلحة والمعدات -أمريكيا (قسد) مع وجود قواعد أمريكية امتدت من حقل العمر إلى اقصى الشمال الشرقي. (ب): الشمال الغربي فقد خضع للطاعة والاحتلال التركي اللذي سيطر على جزء واسع من الأراضي السوري وكان موزعا بين فريقين (ما يسمى بالجيش الحر وهيئة تحرير الشام الطرف الأكثر قوة) والطاعة بكافة المستويات (البنى الفوقية والثقافية وحتى التربوية على اعتبار أي اتجاه نحو الديمقراطية شرك)، لذلك نرى عشرات الآلاف هناك قابعين في سجون مظلمة. (ج) سلطة التنف كأصغر المناطق الجغرافية ومثلت مركزا للقرار الأمريكي وتحديد اولويات المنطقة، بحكم سيطرتهم المباشرة عليها وإقامة قاعدة عسكرية فيها.(د) سلطة الاستبداد والحكم الفردي (الاحتكاري) بدمشق وهي المعترف بها دوليا وتسيطر على مايقارب 70% من جغرافية الدولة السورية، فقد بقيت ترى في اجهزتها الامنية السور المنيع الحامي لها، ومع تشديد قبضتها المركزية للتحكم بكافة مفاصل الدولة المالية والاقتصادية وابتلاعها، ولتعطي دورا استثنائيا لأمراء الحرب للتحكم بالاقتصاد والمجتمع مما أدى إلى تفشي الفساد بمعدلات غير مسبوقة بالتاريخ السوري. والسلطة على الرغم من مواقفها الوطنية من الاحتلالات وادعاء حرصها للحفاظ على بنية وجغرافية الدولة السورية ومؤسساتها المركزية التي غدت هامشية وضعيفة بكافة المعاني وآيلة للسقوط منذ ازمة عام 2019.
إن ماحدث في الثامن من ديسمبر 2024 على أثر عملية ردع العدوان المرتبطة جاء بتوافق دولي بين اقطاب الصراع على سورية، وتوفر عوامل داخلية كثيرة، فسقطت السلطة الاسدية مسقطة معها تاريخ من الاستبداد والقمع والاستئثار بالسلطة والنهب والفساد، ومسقطة معها أهم مؤسسات الدولة السورية.
تفكيك بنية الدولة
لم تقدم السلطة الاسد للسوريين بعد عام 2018 سوى الحد الادنى لمقومات العيش ( التقارير الدورية لمندوب الأمين العام للأمم المتحدة بعد عام 2019) ولا أي خطط للخروج من الازمة، مما ولد لدى السوريين شعورا جماعيا بالإحباط واليأس وهم يفقدون يوميا مقومات الحد الادنى للحياة، لينتقل جزء منهم لمرحلة العوز الشديد وتنتقل الشرائح الاجتماعية الموالية للنظام إلى طبقة اجتماعية تقف ضمنيا في صف نقده ومعارضته بعد انقسامها طبقيا (طبقة فقراء بغالبيتها القصوى وطبقة أمراء الحرب التي ابتلعت الاقتصاد والدولة كليا.)
منذ لحظة سقوط النظام البائد استطاعت الفصائل التي قبضت على السلطة أن تقوم بعدة خطوات مركزية تساهم بتفكيك الباقي من بنية الدولة السورية (الهشة أصلا) نقلا عن تجربة العراق 2003 السيئة:
- التأكيد على حل الجيش السوري ( الجيش مكون من كل الشرائح المجتمعية ومن كل الطوائف والمذاهب وجميع السوريين يخضعون للخدمة الالزامية به) استجابة لسردية تلوثه بكافة اقسامه بالدم السوري، وحل وتسريح وزارة الدفاع بأكملها، والجيش هو مؤسسة مركزية واساسية لبنية أي دولة وليس لسلطة ما، وحله يعني الانتقال إلى حالة الفوضى والقتل، ويعمق حالة عدم الفصل بين السلطة والدولة، وعلاقة الربط بينهما واستخدام السلطة لمؤسسات الدولة، كان يجب أن يعزل من قرر أو ارتكب أو خطط لجرائم ومجازر ويحاكم اصولا، أما حله يعني تفكيك العمود الفقري الحامل للدولة (بصفتها اداة منظمة قائمة على المؤسسات).وغاية الفصائل وتركيا والكيان الغاصب (دوره بتدمير أدوات الجيش بعد اليوم التالي للسقوط) انهاء ما تبقى من الدولة الهشة تماما. مع العلم بأن سورية شهدت عشرات الانقلابات منذ 1949 ولكن لم يحل الجيش حفاظا على بنية وهيكلية مؤسسات الدولة الوطنية.
- حل الاجهزة الشرطية بمختلف فروعها مما ادى إلى خلل في قضايا السلم الاهلي وغياب القانون وفتح الباب لحالات الفوضى والثأر فباتت شريعة الفرد والعشيرة والعائلة هي السائدة أي شريعة الغاب.
- منذ صبيحة اليوم الاول تم تحرير اسعار الوقود والخبز ورفع الأسعار بمعدل 800% بذريعة الانتقال للسوق الحرة مسقطين مكتسبات الطبقات الشعبية على مدار عقود عديدة، جاء ذلك في ظل حالة من الفقر الشديد واليأس الذي يخيم على المناطق الخاضعة لسلطة الأسد البائد.
- تعين مجاهدين متطرفين اجانب (عرب وغير عرب) في مواقع القيادات العسكرية ومنحهم رتبا خيالية ومسؤوليات لاتجوز لغير السوريين، ولم تشهد سوريا الحديثة (1919) مثل هذا الامر.
- لم يمض شهرا واحدا حتى بدأت سلطات الامر الواقع بتسريح عشرات الآلاف من وظائفهم بالقطاع العام غالبيتهم القصوى من الاقليات الدينية والقومية إضافة لحملات قتل منظمة على أساس طائفي. مما ساهم في تعميق الانتماء والاحتماء بالطائفة مع ارتفاع مذهل بنسبة البطالة يعد الأعلى عالميا.
- توقف العملية الإنتاجية الصناعيية ( غالبية القطاع الخاص – إيقاف عمل غالبية القطاع العام – احتكار العملة- تراجع الزراعة… الخ) فإذا ادركنا إن نشوء الدول عموما يكون مرتبطا بقدرتها في التدخل بأي نشاط اقتصادي (طبيعته- ادواته- الأساليب ووسائل الانتاج المؤدية للنمو) فلا دولة بالمعنى المدني الحديث دون اقتصاد. وعجلة الاقتصاد داخليا توقفت لصالح التدخل التجاري والاقتصادي الخارجي.
إن مفهوم الدولة يقوم على أنه كيان سياسي واجتماعي وقانوني(ارض وشعب وسلطة) محدد بجغرافية متفق عليها في الذاكرة الجماعية لشعبها ويقطنها شعب أو افراد ينتمون بالمعنى التاريخي لأرضها وتخضع لسلطة سياسية من افراد شعبها حصرا، فإن اركان استمرار الدولة عديدة تبدأ من الحفاظ على الهوية الوطنية الجامعة … وصولا لمؤسساتها العسكرية والأمنية والشرطية والمالية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والمؤسسات التي تؤمن البنية التحتية للخدمات، وعليه نرى أن غياب أهم مؤسستين بالدولة لتشكيل بديل عنهما ساهما في تفكك اللبنة المركزية للدولة وسنرى إجراءات لاحقة تؤكد الغياب الكلي للدولة ولمؤسساتها المركزية وأن الحديث عن تمكينها ضمن السلطة الراهنة يغدو ضربا من الهواء و محاولة لتمكين الاستبداد.أفضل ما يقال حاليا أننا في شبه دولة.
مؤتمر النصر وشرعنة القوة:
كان لابد من اختيار رئيسا مؤقتا للدولة، البعض متفائلا بالحكومة المؤقتة (حكومة الانقاذ بالشمال) وسعيدا بتجربة ادلب؟؟؟ والبعض الاخر كان يدرك ماهية الفصائل التي وصلت للسلطة. ولكن الفيصل والضربة القاصمة كان مؤتمر النصر جاء ليرسخ شرعية سلطة الفصائل الجهادية بالحكم ويدمجها تحت اسم وزارة الدفاع بشكل تحافظ على استقلالية نسبية لها ومصالحها وعينوا فيما بينهم رئيسا للدولة أي اكتسب مؤتمر النصر بنظرهم (شرعية ثورية)
وإذا كان المؤتمر المعني محصور بالفصائل المسلحة فكان لابد من البحث عن مخرج وطني لشرعنة نتائجه, فكانت الدعوات من اجل مؤتمر للحوار الوطني جرى بالمحافظات بنحو شكلي لتأكيد المخرجات الظاهرة للعيان من مؤتمر النصر الذي بشكل الدولة العميقة في سورية.
طبيعة الايديولوجية للسلطة الراهنة:
تحدد الايديولوجية عموما شكل السلطة ونمط ممارساتها وفقا لمقاسات محددة تتراوح بدءا من الديمقراطية إلى الاستبدادية إلى الديكتاتورية والامنية والطائفية إلى البونابرتية وانتهاء بالسلفية الفاشية…
والسلطة الحالية المكونة من الفصائل الجهادية تبنت بنحو واضح قضايا التطرف الاسلامي الراديكالي (الفتاوى الاكثر تشدد للوهابية وابن باز وابن تيمية وسيد قطب) ومارست العنف المضاد سابقا ولم تتوان عن ارتكاب أبشع المجازر على اساس طائفي بحت، مما عمق شرخ المواطنة المتساوية والامان المجتمعي وغياب جزئي للقانون، وحصرت كل مراكز البنية الفوقية وتوابعها بين اعضاء هيئة تحرير الشام وذلك للتأكيد على بنيتها ونمط ايديولوجيتها وفتحت مدارس دينية للأطفال منذ نعومة اظفارهم (60مدرسة) تدرس التعاليم الدينية وفق رؤية الهيئة، أي وفق رؤية تنظيم القاعدة والجهادية الإسلامية، وهؤلاء بالمستقبل سيكونون جهاديون اشد تطرفا ….الخ جاء كل ذلك في سياق سعيها الجاد للانتقال إلى دولة دينية.
السلطة تحديدا متطرفة وفقا لمنهج تفكيرها وتخضع لإرادة فردية وتكرس ذلك بتجربة ادلب سابقا عند قيامها بتصفيات دموية مباشرة لحلفائها إذا ما رغبوا في انتزاع السلطة منها أو تضمين فكرة الوطن بالأيديولوجية (قتل قيادة وزعماء وضباط احرار الشام خلال الاجتماع معهم) وبالتالي تنحصر أفاق الحركة لديها بمنطق الفرض والولاء والطاعة عن طريق ممارسة القوة المفرطة والقدرة على تحريك الشارع بخطاب شعبوي أو فئوي….إن السلطة بطبيعتها الراهنة تمارس القطع الكلي لأي انتقال ديمقراطي وتغلق كافة الابواب المؤدية لذلك ( السيطرة المطلقة على الادارات المحلية- النقابات- الجمعيات..) جميعها باتت تعين تعينا من قبل قيادة السلطة الخاضعة في النهاية للإرادة الفردية لقائدها، والقطع الكلي مع أي شكل للمواطنة المتساوية، فلا نعول على أي تقدم بل الملاحظ لدى الجمهور دائما الانتقال البطيء إلى الانتقال لحالة اللا دولة.
وبوضوح أكثر للسلطة الراهنة طبيعة ديكتاتورية الفرد واستبدادية تحمل ضمنا في طياتها سمات فاشية عديدة تعود إلى قناعاتها النظرية الايديولوجية الإسلامية الجهادية. وحينما صدر الاعلان الدستوري كرس رئيس الدولة كديكتاتور طيلة ما يسمى المرحلة الانتقالية.
تكريس الديكتاتور والحكم الفردي قانونيا:
لم يخرج السوريين عام 2011 ضد البعث ونظام الاسدين البائد على الارجح لأسباب طبقية واضحة المعالم ترتبط بمصالح الطبقات الشعبية أو لأسباب اقتصادية معيشية إنما لقضايا أبرزها:
- احتكار السلطة والاستبداد والقمع والنظام الامني وعدم فتح أي باب للمشاركة السياسية وللتداول السلمي فيها.
- سلب حرية التعبير من المواطنين التي هي جزء من الحريات الطبيعية المرافقة للفطرة الانسانية
- خلق حالة الذعر من العمل السياسي واعتباره من أشد المحرمات والوسيلة لذلك الاجهزة الأمنية الجاهزة للقمع بطريقة الاخطبوط. (حماة 1982) مما ساهم بعزل الجمهور عن العمل السياسي المباشر.
- عدم السماح بالعمل الحزبي السياسي المعارض، واعتباره جريمة كبرى، وممارسة الاعتقال التعسفي بحق المعارضين مع اجراء محاكمات شبه شكلية لهم….
- ابتلاع السلطة لمؤسسات الدولة الاساسية مما صعب الفصل بينهم.
نتيجة لذلك وبالموازاة مع نمو التيار الديني السلفي المدعوم أمريكيا وخليجيا بسرعة النار في الهشيم ورفعه شعارات شعبوية وعاطفية قادرة على تعبئة وحراك الشارع بذرائع مختلفة مقابل تراجع حركات المد اليساري والمدني ووجود حراك وانتفاضات شعبية بعموم المنطقة فبدأ الحراك الشعبي اذارعام 2011.
بالمحصلة سورية خضعت للاستبداد والديكتاتورية عبر نظام أمنى مثل قاعدة صلبة وعميقة لعهد الاسدين عموما ترك أثاره السلبية والنفسية على كافة السوريين.
مع العلم أن نظام الاسدين حافظ شكليا في الدساتير على الديمقراطية بحدها الادنى واجراء الانتخابات على مستويات داخلية عديدة (ادارة محلية-نقابات مجلس شعب) وعلى مؤسسات الدولة التي تمثل العمود الفقري لاستمراره.
أما سلطة الامر الواقع الحالي فقد كرست الاستبداد وحكم الفرد عبر اعلان دستوري مؤقت أهم ميزاته:
- حصر جميع الصلاحيات العامة بشخص الرئيس
- الغاء الفصل بين السلطات الثلاث الاساسية
- تعين ثلث عدد النواب من قبل الرئيس. والباقي تحدده لجنة تشكيل هيئات انتخابية يقوم بتسميتها.
- تعينه لمجلس القضاء الاعلى والوزراء وحقه في انشاء صناديق مالية موازية (الصندوق السيادي)
- الرئيس سيشغل منصب رئيس الادارة التنفيذية ورئيسا للدولة خلال المدة الانتقالية
- لامجال دستوري أو قانوني لمحاسبته أو عزله
- الغاء الدور الرقابي للبرلمان (المعين)
- غياب أي احتمال مهما كان ضعيفا لأي شكلا من اشكال الديمقراطية.
وعليه فإن الاعلان الدستوري كرس قانونيا حالة من الاستبداد والديكتاتورية وحكم الفرد المطلق. التي منذ عقود عديدة كافح المثقفون والسياسيون والسوريون عموما ضدها ودخل عددا واسعا منهم للمعتقلات ضريبة لنضالهم.
لقد ابتلعت سلطة المعتوه الأسد الكثير من مؤسسات الدولة فأعادت السلطة الحالية ابتلاعها وأضافت إليها النقابات والجمعيات ومنظمات المجتمع المدني الممولة بعمومها والإدارات وأخضعتها لإرادتها، فألغت كل احتمال للانتقال الديمقراطي ولجأت إلى تعيينات على اساس فصائلي وطائفي بحت. مما افسح المجال لغياب أي دور فاعل للانتقال لدولة مدنيةحديثة.
والسؤال المهم هل تم التوافق الدولي لإسقاط الديكتاتورية الامنية للاسد المستبد لاستبدالها بمستبد آخر يأخذ شكلا قانونيا بالاستبداد عبر الاعلان الدستوري المؤقت. ويقضي على بقايا مؤسسات الدولة السورية ويحقق الاحلام الاستعمارية للدول الفاعلة حاليا بالملف السوري؟
السوريون والبحث عن اللامركزية الموسعة
منذ نهاية عام 2024 كشفت سلطة الامر الواقع القناع الحقيقي عن وجهها، وابتدأت عمليات الثأر والانتقام الطائفي والمذهبي تطفو على الوجه وبطريقة تقارب المجازر الجماعية في بعض القرى (فاحل- بلقسة- القبو) وتوجت تلك العمليات في السابع من آذار بمجازر الساحل ثم جرمانا ثم بمجازر السويداء ثم الشيخ مقصود، وجميعها يندى لها الجبين، دون أي توقف لحالات القتل الفردي، واستمرار الخطف والسبي إلى يومنا هذا والبعض يعتقد التحريض الطائفي على وسائل التواصل تقف خلف ذلك القتل. ولكن بالتدقيق سنجد أن السلطة هي من تقف خلف ذلك عبر:
- الاعلان المتتالي عن سردية المظلومية السنية (مليون قتيل) ملايين المشردين والمدمرة منازلهم.. المخيمات الخ وجعل هذه المظلومية تمثل المرجع المركزي للسنة، وتم غرسها في نفوسهم لتغدو جزء هام وفاعل من الذاكرة الجمعية لديهم الآن، مما شكل العامل الحقيقي للتحريض وشد العصب المذهبي والشعبوي. ومما فتح المجال للثأر عبر الجهة التي تملك القوة والسلاح والشارع.
- مقولة اين كنتم منذ 14 عام نحن من دفع الثمن وبالتالي يحق لنا مالا يحق لغيرنا.
- تكريس فكرة بأن (المجازر) التي ارتكبت من قبلهم ضد المدنيين من قبلهم كانت بفعل جهادي وشرعي ضد الكفرة ودفاعا عن النفس. صحيح بأن النظام البائد ارتكب مجازر من قتل وتدمير لكنه كان يتذرع بقضية الدفاع عن وحدة الدولة، وفقا لدستور البلاد، ولم يستخدم التعابير الطائفية أو يمارس التطهير الطائفي العلني، فالمكون الاسدي الاستبدادي كطبقة تنتمي لجميع المذاهب والاعراق التي عملت على بناء مصالحها البرجوازية ونهب مقدرات الدولة.
وهكذا انهارت بشكل عام بقايا الهوية الوطنية السورية (كانت مفروضة بالقوة الامنية) لتنهض الهويات الطائفية، كشعار للمرحلة، وتحولت الدولة من وحدة جامعة لمواطنيها إلى ممزقة، تقوم على اسس طائفية تماما. وعلية نشطت فكرة الادارات الذاتية والانفصال واللامركزية السياسية عند عموم الاقليات وإن كان الصوت في ذلك عاليا أو منخفضا لكنها قائمة على الارجح لدى الغالبية الشعبية منهم ولم يعد الانتماء للوطن أو الدولة أو الدفاع عنها مهما وبتقديري. نجحت السلطة الحالية في ايصال السوريين لهذا الموقع من التفتيت وانهيار الوطن. مما جعل المطالبات باللامركزية الموسعة كحل جذري ووحيد للشرخ القائم بين السوريين.
الدولة وحكم الشيوخ:
على الرغم من صدور الاعلان الدستوري (غير المقبول قانونيا وانسانيا بكل تفاصيله) إلا أنه مثل شكلا شرعيا أمام دول الخارج (الصف الأمريكي) لنيل الرضا، لكن بقيت اتفاقات مؤتمر النصر (السرية للعموم) المقرر الفعلي للسياسة العامة والحكم بالداخل انطلاقا من قناعة ثابتة (من يحرر يقرر) العبارة شكلت المدخل الرئيسي للسيطرة الكلية على جميع مفاصل الدولة، ومؤسساتها بالواقع التنفيذي. لنجد في كل محافظة أو بلدة أو مفصل أو مؤسسة أو حي شيخا من فصيل ما يدير شؤونه بإرادة وقرارات فردية نابعة من قناعته، بمعنى أنه بات المالك والوالي والجزء الأكبر من الريع يكون لصالحه والآخرين رعايا وعلى الرغم من ادعاء السلطة التي سعت لإخضاع السويداء والشيخ مفصود والجزيرة لسلطتها بذريعة وحدة الاراضي السورية، إلا أنها تغاضت عن حكم الشيوخ كولاة ومالكين يتصرفون بمقدرات المؤسسات العامة والخاصة والنقابات، يسيرون قضايا الاقتصاد والمال كما يشاءون وبصلاحيات فردية واسعة، ومن كان واليا على منطقة يفرض قوانين اجتماعية واقتصادية وامنية كما يناسب فصيله الأساسي، والامثلة الحية كثيرة (عربين – قطنا- التل…) يضاف لذلك مصادرة أو وضع اليد على العقارات والاملاك الخاصة بذرائع مختلفة لصالح افراد من الفصائل؟ وليس للصالح العام والتعامل مع كل مؤسسة أو منطقة على أنها مستقلة بحد ذاتها… وهكذا تم حل الدولة لصالح ولاة شيوخ على مناطق محددة. وبالتالي على مستوى المؤسسات لم يعد المتبقي من موظفي القطاع العام متساوين تقريبا أو خاضعين لقانون واحد، بل لإرادة شيوخها على مستوى الاجور والتعويضات بفروقات بينهم تصل لعشرة اضعاف. وكأن كل مؤسسة في دولة ما مختلفة عن الاخرى ولم يعد معنى لوحدة البلاد إلا في الشكل الظاهري أما في المضمون فبات التفرد الخاص بالقرار هو المرجع الأساسي. مع خضوع الجميع لقرارات وسلطات مؤتمر النصر.
وإذا كان مفهوم الدولة بالمعنى القانوني بأحدى مقوماته وجود السلطة فإن دورها يبرز في النظرة المتساوية لعموم افراد الشعب كمواطنين وعليها اصدار القرارات لتأمين التفاعل الاجتماعي المتكامل أي الوصول لعقد اجتماعي ولسردية جامعة لا مفرقة تقوم على اساس الوطنية والمواطنة المتساوية. وإلا لا يبقى معنى لبقاء الدولة.
الدولة والاملاك العامة والأزمات الاقتصادية
السلطات الانتقالية بالعرف الدولي هي سلطات مؤقتة لا يحق لها التصرف بمؤسسات ومفاصل الدولة الهامة والرئيسية والاعلان الدستوري في المادة 51 منه يطابق ذلك، ولكن منذ تنفيذ سيطرة الفصائل على السلطة بدأت بالمفاوضات لبيع اهم القطاعات المركزية وكان عقد الكهرباء (الاخوين خياط وشركاهم الامريكان ) المدخل الرئيسي لرفع الدعم الحكومي، أي تخصيصها بشكل مبطن مما شكل مخالفة دستورية واضحة, وطعنة قاصمة للطبقات الشعبية التي تعاني الآمرين من المعيشة والتضخم الهائل بالأسعار.
وقد طرحت قضية المرفأ وقضايا اخرى عديدة، العديد من الشركات وبالأخص النفطية ثم السيطرة على شركتي الاتصالات لصالح الصندوق السيادي وأملاك المسؤولين والناهبين السابقين لصالح مسؤولين جدد واملاك البعث البائد لصالح بعض الوزارات والافراد والتعدي على الاملاك الفردية الخاصة بذرائع مختلفة، ولو بيعت أملاك الفارين وأملاك البعث بمزادات علنية لصالح المصرف المركزي وبشفافية في ظل حكومة انتقالية حقيقية لكانت عائداتها كافية لتأمين سكن شعبي لجميع من تبقى في الخيام و المخيمات ولتوقف التضخم عموما المتفاقم بسبب توقف دورة الانتاج .
فمنذ اللحظة الأولى لحكم الهيئة توقفت العملية الإنتاجية الضعيفة اصلا بغالبية القطاعات العامة والخاصة وفجأة دخلت البلاد بأزمة نقد مالي خانقة أدت لاحتباس السيولة النقدية من قبل المركزي أو فقدانها بطريقة مجهولة.. وخضعت الطاقة ومشتقاتها لتحرير الاسعار مما انعكس سلبا على الزراعة وعلى المتبقي من الصناعة معلنين الموت البطيء مما أدى لارتفاع جنوني بالأسعار وارتفاع نسبة الفقر، لصالح البرجوازية التجارية المرتبطة بشكل عضوي في تركية، فشهدت البلاد المزيد من البطالة التي وصلت لمعدلات تتجاوز حدود العقل (شبه الأعلى عالميا) والمزيد من الفقر لقد سيطرت طبقة برجوازية (كونيالية)تجارية جديدة على جميع مفاصل القطاعات الاقتصادية العامة والخاصة واحتكرت المال مدعومة بحكم الشيوخ والفصائل.
وكما ذكرت بأنه لامعنى لمفهوم الدولة خارج الاقتصاد فإن السلطة مهمتها تنظيم العلاقات الاقتصادية بين مختلف القطاعات الإنتاجية والخدمية والزراعية والتجارية لا فرض قطاع محدد وتهميش الباقي كما تفعل الآن مما ساهم في تفيتت بقايا الدولة.
لقد سعت السلطة الراهنة لبيع ما يمكن بيعه من مؤسسات وشركات الدولة من اجل هدم كل الاسس المتبقية والمحتملة لإعادة بناء دولة حديثة وفاعلة. والعائدات ليس للمصرف المركزي إنما للصندوق السيادي حصرا المحتكر من قبل الطبقة السياسية المرتبطة كليا بالإرادة الخارجية.
ولابد من الإشارة كذلك إلى قضية التهجير القسري الحالي على أساس طائفي التي حدثت بعشرات القرى في ريفي حماة واللاذقية ويمكن اعتبارها من جرائم الحرب التي يعاقب عليها القانون الدولي.
الاحتلالات الحالية:
حين يغيب الحديث عن الجولان وعن التدخلات العسكرية اليومية للصهاينة بالجنوب السوري وحين يوسع المحتل مساخات الاحتلال ويدمر كل قدرات الجيش المنحل ويحق له قصف المواقع التي يريدها،نستطيع حينها ان نفهم تصريحات ترامب ونتياهو حول الشرع ودورهم بوصوله للسلطة.
الاخطر من الكيان الصهيوني الاحتلال التركي الذي وضع مراصد عديدة له منذ 2017 ودخل عدد هائل من بلدات الشمال السوري محاولة لتتريكها (العملة التركية والتعليم باللغة التركية والارادة تركية ببعض المناطق) وبعد سقوط الاستبداد الاسدي دخلت تركية بغزو اقتصادي وتجاري وامني وسياسي هائل على كامل سورية لدرجة جعل البعض يعتقد بأن سورية هي محافظة تركية جديدة فهي تتدخل في كل القضايا وتفوض نفسها بحضور ومتابعة كافة الملفات الخارجية…الخ وسوف نضيف بأنه فتحت الابواب مشرعة للصف الامريكي بأكمله دون أي رادع وطني أو قانوني أو سياسي أو اخلاقي.
بالتالي سلطات الامر الواقع لم تهتم ابدا بقضايا التدخل الخارجي عبر المواجهة أو سياسات وطنية بل مستعدة للمساهمة في تقديم لما تراه دول الخارج مناسبا لمصالحها مقابل الاعتراف بها وبقاءها. وتحديدا الدول التي عبدت لها الطريق للوصول إلى السلطة.
طبيعة سلطة الامر الواقع الراهنة:
- بعد كافة المقدمات السابقة نرى أن السلطة الراهنة هي نتاج وصول فصائل اسلامية جهادية ذات طبيعة اقصائية وفاشية متشددة إلى سدة الحكم وسيطرتها الكلية على كافة مقدرات الدولة وذوبان الدولة في طبيعة هذه السلطة التي تحمل نفس مواصفات فصائلها. بالتالي ستبقى سياستها ترتكز على التعبئة الشعبوية عبر التكبيرات بالجوامع أو الفزعات أو تسليح طرف ضد طرف وإعادة نبش الاثار الكارثية للاسدية عند كل منعطف أو مأزق تجد ذاتها به بغاية الخروج منه. أوافتراض خلق اعداء دائمين لها والاستعداد لمواجهتهم
- للسلطة الراهنة دور وظيفي مهم في التموضع الجيوسياسي للحلفاء في سورية بدءا من قضايا الاقتصاد والتجارة والأمن والقواعد العسكرية والثروات الباطنية لكن وظيفتها لاتنتهي بانتهاء الدور المنوط بها كما يعتقد البعض إنما تقوم حاليا بتقوية مراكزها الداخلية والبناء الفوقي لها (أمنيا وعسكريا واقتصاديا) من خلال الامن وفصائله وشيوخه ومن خلال سعيها لإقامة دولة سلفية دينية .
- ستعمل السلطة على تمكين البرجوازية الكولونيالية المرتبطة بالخارج والقادمة من مناطق الشمال الغربي للسيطرة الكلية لتمثل القاعدة الاقتصادية الشريكة لها ومحمية بها أي أن السلطة حاليا هي مصدر الثروة وليس الانتاج وفي العهود السابقة كانت كذلك الامر.
- السلطة كرست ذاتها كسلطة فرد غير قابلة للتداول أو النقد خلال الخمس سنوات القادمة من أجل تمكين نفسها كحكم استبدادي فردي مطلق لا يؤمن جانبها ابدا وأثبتت التجارب ذلك في مجازر الساحل والسويداء وعشرات القرى الاخرى بالتالي هي تسعى لإقامة ديكتاتورية المشايخ بقيادة رئيس الدولة، وفي ضوء استمرارها كل حديث عن انتقال ديمقراطي أو دولة حديثة وفقا لأدنى المقومات لن تكون حاضرة حاليا ولن تهتم أو تعطي أي اعتبار للقرارات الدولية طالما هي تقوم بتمكين بنيتها داخليا وخارجيا.
الخلاصة:
نظام اقصائي وفصائلي ذات طبيعة أيديولوجية إسلامية راديكالية يتميز بما يلي:
- نظام برجوازي كولونيالي لا وطني ديني أحادي (لايمثل الاشاعرة والصوفية والمعتدلين) وطائفي مستبد يستمد شرعيته من فائض القوة داخليا عبر الخطاب الشعبوي وخارجيا من دعم الصف الأمريكي له عموما وتركية وقطر خصوصا.
- نظام لايمتلك ادنى مقومات الكفاءات العلمية أو الادارية لقيادة المرحلة ومؤسسات الدولة ويستمد استمراره من الأفكار التجريبية بالإدارة والميل لانفصال المؤسسات بنحو لامركزي
- يقوم بتفتيت بنية وهيكيلة مؤسسات الدولة لتخضع لحكم ولاة لا يمتلكون أدني كفاءة معرفية تمهيدا لإعلان دولة دينية تقوم على شرعة المذهب الاحادي. مما أدى انتقالنا إلى ماقبل الدولة.
- ممارساته آلت لانقسام الاجتماعي عميق آلت للتمترس خلف الطوائف والعشائر والعرق والعائلة.
- الغياب الكلي: لأي مشروع ديمقراطي محتمل – أو لأي مجتمع مدني فاعل غير مرتبط ماليا – أو لأي تطبيق للقانون أو دستور على ارض الواقع. مما يغيب مفهوم الدولة بالمعنى القانوني والمدني.
- يمكن القول بأن ما كنا نسميه بالقرن الماضي بالحلف الرجعي الاسود قد انتصر انتصارا ساحقا في سورية.
وفي ضوء جميع المعطيات الموضوعية يجب أن تحدد كل القوى السياسية الوطنية والديمقراطية موقفا واضحا وصريحا من سلطة الامر الواقع بشكل استراتيجي ويجب أن نعمل بفاعلية وعقلانية لتحديد مهامنا السياسية اليومية التكتيكية لمواجهة سلطة الامر الواقع.
ارام ابراهيم