السويداء: كيف نستفيد من الجميع من دون أن نرتهن لأحد؟

أحدث المنشورات

لماذا نحن في الكتلة الوطنية
ishak4
لماذا نحن في الكتلة الوطنية
ليس انتماؤنا للكتلة الوطنية السورية فقط لأنها تضم مناضلين وناشطين من كل النسيج المجتمعي السوري الذي تسعى...
التفاصيل
الواقعية وسياسة الامر الواقع.
relate
الواقعية وسياسة الامر الواقع.
كتب جورج نوفاك في بحث الاخلاق الليبرالية: (إن قيمة أي عمل قيمة اي اسلوب للسلوك، أية سياسة، يجب أن يحكم...
التفاصيل
السويداء: كيف نستفيد من الجميع من دون أن نرتهن لأحد؟
swida
السويداء: كيف نستفيد من الجميع من دون أن نرتهن لأحد؟
تعيش السويداء ظرفاُ شديد التعقيد، تتداخل فيه آثار المجازر الطائفية مع التجاذبات الإقليمية والدولية. وقد...
التفاصيل
السلطة الراهنة (طبيعتها ومسارها)
The Current Authority
السلطة الراهنة (طبيعتها ومسارها)
منذ سقوط النظام الامني والديكتاتوري المستبد البائد في 8-12-2024، اعتلت السلطة فصائل اسلامية أصولية جهادية،...
التفاصيل
ماذا تكشف السياسة الاقتصاديّة عن أولويّات السلطة؟
walid1
ماذا تكشف السياسة الاقتصاديّة عن أولويّات السلطة؟
السماد الذي يغيّر هويّته: ماذا تكشف الممارسة عن إدارة السوق؟ تشير معلومات ميدانيّة حصلنا عليها من مصدر...
التفاصيل

التصنيفات

كلمات مفتاحية

تعيش السويداء ظرفاُ شديد التعقيد، تتداخل فيه آثار المجازر الطائفية مع التجاذبات الإقليمية والدولية. وقد يبدو السؤال الأكثر إلحاحاً: «مع من نقف؟»، لكن السؤال الأكثر ارتباطاً بمصالح الناس ربما يكون: «كيف نمنع تكرار الكارثة، ونحمي الإنسان، ونقلل الخسائر، ونحافظ على قدرتنا على الاختيار؟».

الفارق بين السؤالين ليس لغوياً فقط. فالأول يدفع نحو الاصطفاف وتحديد الخصوم والحلفاء، في حين يفتح الثاني المجال أمام البحث عن المصالح والبدائل، وتوظيف ما هو متاح لحماية المجتمع، من دون تحويل الحاجة إلى تبعية، أو العلاقة إلى ولاء، أو المساعدة إلى مدخل للنفوذ.

خلّفت مجازر تموز 2025 مقتلة طالت مدنيين، بينهم نساء وأطفال وكبار سن، إلى جانب النزوح والدّمار وانعدام الثقة. ولم تعد السويداء أمام أزمة سياسية عابرة يمكن تجاوزها بتحديد موقف مؤيد لهذا الطرف أو معارض لذاك؛ فهي أمام اختبار أكثر تعقيداً: كيف تحمي مجتمعاً خرج من كارثة واسعة، فيما لا تزال عوامل التوتر والتصعيد قائمة؟

لذلك، قد تكون البوصلة الأكثر واقعية في هذه المرحلة معادلة واضحة في مبادئها، وإن كانت صعبة في تطبيقها:

منع العنف وحماية المدنيين تأمين الاحتياجات الأساسية منع التحريض والاقتتال الداخلي حماية قدرة المجتمع على إدارة شؤونه توسيع الخيارات السياسية ضمن إطار تشاركي ضامن للمستقبل.

ليس مطلوباً أن نتفق على كل شيء

لا تحتاج السويداء، لكي تتحرك بما يحمي مصالح مجتمعها، إلى اتفاق أبنائها على رؤية سياسية واحدة. فمن الطبيعي أن تختلف الآراء حول شكل العلاقة مع دمشق، ومستقبل الإدارة والحكم، وطبيعة الشراكات الدولية، والموقف من القوى الإقليمية، وأدوات التفاوض، وحتى الأولويات السياسية والاقتصادية.

لكن الاختلاف في هذه الملفات لا يعني استحالة الاتفاق على حد أدنى يحمي المجتمع. ويمكن أن يبدأ هذا الحد من قواعد واضحة: لا حرب جديدة، لا مجازر جديدة، لا تجويع أو حصار، لا استهداف للمدنيين، لا تحريض طائفي، ولا تحويل للخلافات السياسية إلى اقتتال داخلي.

يسمح وجود هذه المساحة المشتركة بأن يصبح الاختلاف السياسي أقل خطراً؛ لأنه يجري داخل إطار يضع حماية الإنسان وحقوقه في المقام الأول.

الاستفادة من الجميع… لا الارتهان لأحد

لا تكمن المشكلة في التواصل مع الآخرين، وإنما تبدأ حين تتحول الشراكة إلى ولاء، أو يتحول الاحتياج إلى تبعية. لذلك، يمكن النظر إلى علاقات السويداء مع الأطراف المختلفة من زاوية عملية: ماذا يستطيع كل طرف أن يقدم؟ وما الذي تحتاجه السويداء؟ وما الشروط التي تمنع تحول هذه العلاقة إلى أداة نفوذ عليها؟

يمكن اعتماد مسطرة واضحة:

من يستطيع تأمين الغذاء والدواء والخدمات، يمكن التعاون معه في تأمينها، شريطة ألا تتحول الحاجة الإنسانية إلى ابتزاز سياسي أو وسيلة للنفوذ.

ومن يستطيع فتح طريق أو معبر، يمكن التفاوض معه من أجل فتحه، من دون أن يتحول الطريق إلى بازار سياسي.

ومن يمتلك قدرة سياسية أو دبلوماسية أو قانونية أو إنسانية…إلخ على الإسهام في حماية المدنيين، يمكن الاستفادة من هذه القدرة ضمن أطر تحترم حقوق السكان والسيادة واستقلال القرار.

ومن يمتلك علاقات دولية، يمكن الاستفادة منها للضغط من أجل وقف التصعيد، وتأمين الدعم، وتعزيز فرص الحل السياسي.

ومن يملك موارد اقتصادية، يمكن توظيف مساهمته في استمرار الخدمات وخلق فرص العمل، ضمن آليات شفافة وقابلة للمساءلة.

ومن يتمتع بوزن اجتماعي، يمكن أن يؤدي دوراً في تخفيف التحريض ومنع الاقتتال.

ومن يمتلك خبرة قانونية، يمكن أن يسهم في التوثيق والمساءلة وحفظ حقوق الضحايا.

بهذا المعنى، لا تكون العلاقات والشراكات غاية في ذاتها، وإنما أدوات لتقليل المخاطر وحماية مصالح المجتمع وتوسيع خياراته.

لكن المصلحة الآنية لا تكفي وحدها لتقييم أي علاقة. فقد يقدم طرف مساعدة عاجلة، ثم يحولها لاحقًا إلى وسيلة ضغط أو نفوذ. لذلك، ينبغي طرح سؤالين معًا: ماذا تحقق هذه العلاقة الآن؟ وماذا يمكن أن يترتب عليها مستقبلاً؟

وتبقى العلاقة المتوازنة هي التي يستطيع المجتمع الدخول فيها والخروج منها من دون أن يدفع ثمناً سياسياً أو أمنياً يمس استقلال قراره.

التواصل ليس موافقة، والتفاوض ليس تنازلاً

تحتاج السويداء، ربما أكثر من أي وقت مضى، إلى إعادة تعريف بعض المفاهيم التي تحولت خلال سنوات الصراع إلى ثنائيات حادة.

التواصل لا يعني الموافقة، والتفاوض لا يعني التنازل، والشراكة لا تعني التبعية، والاستفادة من طرف لا تعني تبني مشروعه، والاختلاف معه لا يستوجب قطع كل قنوات التواصل.

وقد تكون القدرة على إبقاء أكثر من قناة مفتوحة أحد عناصر الحماية في الأزمات، خصوصاً عندما تكون الخيارات محدودة وكلفة الخطأ مرتفعة.

لكن هذه المرونة لا تعني غياب الحدود. فالتواصل لا يمحو مسؤولية أي طرف عن الانتهاكات، والتفاوض لا يمنحه شرعية تلقائية، والاستفادة من المقدرات التي يضع يده عليها لا تعني قبول مشروعه السياسي، والواقعية لا تبرر المساس بالحقوق أو السيادة أو استقلال القرار.

كما أن رفض الاصطفاف لا يعني الوقوف على مسافة أخلاقية واحدة من جميع الأطراف، مهما اختلفت أفعالها ومسؤولياتها. ويبقى المعيار واضحًا: حماية المدنيين، وصون الحقوق، ورفض العنف والتحريض الطائفي، وسيادة القانون، ومساءلة مرتكبي الانتهاكات أياً كانت هوياتهم وانتماءاتهم.

تقوم القاعدة هنا على التعامل مع الجميع حيث تكون مصلحة الناس، والاختلاف مع الجميع حيث تتضرر هذه المصلحة، من دون منح أحد تفويضاً مفتوحاً باسم السويداء.

……..

السؤال الأهم: ماذا ستكون النتيجة؟

تستطيع المجتمعات في الظروف المستقرة أن تمنح مساحة واسعة للصراع السياسي وتنافس المشاريع والرؤى. أما في مراحل الخطر، فتصبح النتائج أهم من الشعارات.

يمكن، قبل اتخاذ أي موقف أو الدخول في أي شراكة، طرح مجموعة من الأسئلة:

  • هل يقلل القرار احتمال وقوع مجزرة جديدة؟
  • هل يحمي المدنيين ويحد من الخسائر؟
  • هل يساعد في تأمين الغذاء والدواء والوقود والخدمات الأساسية من دون تحويلها إلى أدوات للضغط السياسي؟
  • هل يحافظ على قدرة المجتمع على التفاوض من موقع أقل هشاشة؟
  • هل يمنع ارتهان القرار لطرف واحد؟
  • هل يفتح خيارات للمستقبل أم يغلقها؟
  • هل يستطيع المجتمع إنهاء العلاقة مستقبلاً من دون أن يدفع ثمناً يمس استقلال قراره؟

لا تلغي هذه الأسئلة السياسة، وإنما تعيدها إلى وظيفتها الأساسية: السياسة وسيلة لحماية المجتمع وإدارة مصالحه، وليست بديلاً عن حمايته.

حين يتحول الخلاف إلى تخوين

لا تسمح تجربة تموز بالكثير من المغامرة؛ فالمجتمع الذي دفع ثمناً باهظاً للعنف لا يستطيع تحمل تحويل كل خلاف سياسي إلى معركة تخوين، ولا كل محاولة للتواصل إلى اتهام بالعمالة، ولا كل اختلاف في التقدير إلى خيانة للمصلحة العامة.

من الطبيعي أن تختلف التقديرات بشأن الطريق الأفضل للخروج من الأزمة. لكن الخطورة تبدأ عندما يتحول المختلف سياسياً إلى خصم داخلي ينبغي إسقاطه، بدلاً من أن يكون شريكاً في البحث عن أقل الخيارات كلفة.

يمكن أن يصبح الاستقطاب نفسه عاملاً من عوامل الخطر في مجتمع أنهكته الخسائر والنزوح والانقسام وانعدام الثقة. وعندها يصبح السؤال عن «الأكثر وطنية» أقل أهمية من سؤال آخر: أي سياسة تقلل احتمال أن يدفع المدنيون الثمن مرة أخرى؟

ولا يعني رفض التخوين تعطيل النقد أو المساءلة؛ فقبول التعدد السياسي لا يمنح أحداً حصانة من النقد، لكنه ينقل الخلاف من اتهام النيات إلى مناقشة الخيارات ونتائجها.

حماية القرار لا تعني العزلة

لا يعني الحفاظ على قدرة المجتمع المحلي على إدارة شؤونه الانغلاق، وقد يتطلب العكس تماماً: بناء علاقات متعددة ومتوازنة تقلل فرص الارتهان لطرف واحد. يكون الطرف الذي لا يملك سوى خيار واحد أكثر عرضة للضغط، في حين تمنح تعددية القنوات والشركاء والبدائل مساحة أوسع للمناورة والتفاوض.

وتصبح الاستفادة من الجميع، بهذا المعنى، استراتيجية لحماية الخيارات، لا شكلاً من أشكال الاصطفاف. لكن حماية القرار لا تعتمد على العلاقات الخارجية وحدها؛ فهي تحتاج أيضاً إلى تنظيم الداخل من خلال مؤسسات وآليات واضحة لاتخاذ القرار، وشفافية في إدارة الموارد والعلاقات، ومساءلة لمن يتحدث باسم المجتمع.

لا يتحقق استقلال القرار إذا انتقل من يد خارجية إلى يد داخلية غير خاضعة للمساءلة. فالقرار الذي يحمي المجتمع ينبغي أن يكون مؤسسياً وشفافاً وتشاركياً، يعرف الناس من يتخذه، وبأي تفويض، وكيف تدار الموارد والعلاقات المرتبطة به.

ولا يجوز أن تتحول عبارة «المصلحة العامة» إلى غطاء لخيارات فردية أو فئوية، أو أن يحتكر شخص أو جهة حق التحدث باسم مجتمع كامل من دون آليات واضحة للتمثيل والمساءلة.

السويداء ضمن الإطار السوري

تعيش السويداء أزمة لها خصوصيتها، ومن حق مجتمعها أن يحمي أمنه ومصالحه وأن يشارك بفاعلية في إدارة شؤونه. لكن حماية القرار المحلي لا ينبغي أن تتحول، بقصد أو من دونه، إلى تصور لقرار سياسي منفصل عن الأزمة السورية. الأدق هو حماية قدرة المجتمع المحلي على إدارة مصالحه والمشاركة في صنع القرار ضمن إطار يقوم على المواطنة وسيادة القانون، ويضمن حقوق المجتمعات المحلية والتعدد السياسي والاجتماعي.

البوصلة: الإنسان أولاً

لا تحتاج السويداء اليوم إلى إجماع سياسي كامل، فهذا يبدو غير واقعي في مجتمع تتعدد فيه الرؤى والمصالح وفي ظرف بالغ التعقيد. ما تحتاجه أكثر هو توافق على البوصلة.

أن يكون الإنسان أولاً.

أن يكون منع المجازر والعنف أولوية.

أن يكون تأمين الاحتياجات الأساسية بعيداً عن الابتزاز السياسي أولوية.

أن تكون حماية المجتمع من الاقتتال الداخلي أولوية.

أن تكون الشفافية والمساءلة أساساً لأي قرار يُتخذ باسم الناس.

أن يبقى القرار بمنأى عن الارتهان الخارجي والاحتكار الداخلي في آن معاً.

وأن تبقى الخيارات مفتوحة بدلاً من رهن المستقبل بخيار واحد أو طرف واحد.

عندها يمكن أن يصبح الاختلاف السياسي مصدر تنوع، لا مصدراً إضافياً للخطر.

فالسويداء ليست مضطرة إلى اختيار حليف أبدي أو رهن مستقبلها بمحور واحد. كما أن المرونة في إدارة العلاقات لا تعني تحويل الحقوق أو السيادة أو القانون إلى ملفات قابلة للمقايضة.

تحتاج السويداء إلى سياسة واقعية تعرف متى تتفاوض، ومتى تختلف، ومتى تتعاون، ومتى تضع حدوداً واضحة.

ولا ينبغي أن يكون السؤال في النهاية: مع أي طرف نصطف؟ بل: أي خيار يحمي الإنسان، ويمنع تكرار الكارثة، ويصون الحقوق، ويحافظ على أكبر قدر ممكن من الاستقلال والخيارات للمستقبل؟

فالمجتمعات الخارجة من الكوارث لا تقاس قدرتها على البقاء بعدد الشعارات التي ترفعها، بل بقدرتها على تقليل الخسائر، وحماية الناس، وبناء مؤسسات قابلة للمساءلة، والحفاظ على أكبر قدر ممكن من الخيارات للمستقبل.

نتواصل من دون تفويض، ونتفاوض من دون تنازل عن الحقوق، ونتعاون من دون تبعية، ولا نستبدل ارتهاناً خارجياُ باحتكار داخلي للقرار. وتبقى البوصلة: الإنسان، والحقوق، والقانون، واستقلال القرار ضمن الإطار السياسية الواقعية.

السويداء – رواد بلان

Scroll to Top