أحدث المنشورات
التصنيفات
كلمات مفتاحية
- Home
- خطاب السلطة
السماد الذي يغيّر هويّته: ماذا تكشف الممارسة عن إدارة السوق؟
تشير معلومات ميدانيّة حصلنا عليها من مصدر فنّيّ مطّلع على الملف إلى دخول شحنات من السماد الأردنيّ بكميّات كبيرة، ثم إعادة تعبئتها بأكياس تحمل علامة تجاريّة سوريّة، قبل طرحها في السوق بوصفها منتجًا محليًّا.
اقتصاديًّا، تتّصل المسألة بـ شفافيّة المنشأ وموثوقيّة المعلومات المتاحة للمشتري. فالمزارع يتخذ قرار الشراء استنادًا إلى بيانات تتعلّق بالمنشأ والجودة والسعر وسمعة المنتج. وأي اختلاف بين المنشأ الحقيقيّ وما يظهر على العبوة يحدّ من قدرته على الاختيار الواعي، ويضعف الثقة بالمعلومات التي يفترض أن يستند إليها في قراره.
ويمتدّ الأثر إلى تكافؤ المنافسة. فالمنتج الوطنيّ يتحمّل تكاليف الإنتاج والتشغيل والنقل والتسويق داخل السوق السوريّة، في حين يؤدّي دخول منتج أجنبيّ تحت هويّة محليّة إلى تشويه شروط المنافسة، وإضعاف قدرة المشتري على التمييز بين المنتج المحليّ والمستورد.
وتزداد حساسيّة المسألة لأن إعادة التعبئة، بحسب المصدر نفسه، تتمّ داخل الحرم المرفئيّ. وهنا يصبح السؤال متعلّقًا بفاعليّة منظومة الرقابة: من يتحقّق من بيانات المنشأ؟ ومن يطابق هويّة السلعة التجاريّة مع وثائقها قبل طرحها في السوق؟ وكيف يمكن أن تمرّ عمليّة من هذا النوع داخل منشأة رسميّة من دون أن ترصدها منظومة رقابيّة
تمسّ هذه الممارسة أكثر من طرف في السوق: المزارع، والمنتج المحليّ، وعدالة المنافسة، وشفافيّة التداول، والرقابة على المنشأ.
وتقع مسؤوليّة سلطة الأمر الواقع في صلب هذا الملف؛ لأن إدارة المرافئ، والتحقّق من بيانات السلع، ومراقبة شروط تداولها، وحماية المنتج المحليّ، وظائف ترتبط مباشرة بقدرة السلطة على ضبط السوق والحدّ من الممارسات التي تشوّه المنافسة.
إذا تغيّرت هويّة السلعة قبل وصولها إلى المزارع، فمن يضمن تطابق البيانات المكتوبة على العبوة مع حقيقة المنتج الذي دخل السوق؟
الكلنكر السوريّ:
تفيد معلومات حصلنا عليها من مصدر فنّيّ مطّلع على حركة هذه المواد بأن الكلنكر السوريّ، وهو المادة الأساسيّة في صناعة الإسمنت، يُصدّر إلى تركيا ورومانيا بنحو 30 دولارًا للطن، في حين يدخل الإسمنت الجاهز من لبنان ومصر بسعر يتراوح بين 100 و120 دولارًا للطن.
يتجاوز جوهر المسألة فارق السعر إلى موقع سوريا داخل سلسلة القيمة الصناعيّة. فمعامل الإسمنت السوريّة تمتلك طواحين جاهزة لطحن الكلنكر محليًّا، وهذا يتيح استكمال مرحلة من التصنيع داخل البلاد، وتوليد قيمة مضافة، وتشغيل اليد العاملة، وتحريك أنشطة النقل والتعبئة والخدمات المرتبطة بالقطاع.
أمّا تصدير الكلنكر ثم استيراد الإسمنت الجاهز، فيعني انتقال جزء من عمليّة التصنيع إلى الخارج، مع زيادة الاعتماد على الاستيراد والحاجة إلى العملة الأجنبيّة. ويحدث ذلك في وقت يحتاج فيه الاقتصاد السوريّ إلى رفع مستوى الاستفادة من طاقاته الإنتاجيّة المحليّة وتوسيع قاعدة التصنيع.
ويبلغ الفارق بين سعر طن الكلنكر المذكور وسعر طن الإسمنت المستورد نحو 70 إلى 90 دولارًا. ولا يمثّل هذا الفارق كله خسارة صافية؛ لأن إنتاج الإسمنت يتطلّب تكاليف للطاقة والطحن، والنقل والتعبئة والتشغيل. غير أنّه يوضّح حجم القيمة المضافة التي كان يمكن توليد جزء منها محليًّا بدل انتقال مراحل من التصنيع إلى الخارج.
وتكمن أهميّة المسألة عند ربطها بملف إعادة الإعمار. فارتفاع كلفة الإسمنت يرفع كلفة بناء المساكن والمدارس، والمستشفيات، والبنية التحتيّة، ويزيد العبء على الأفراد والمنظمات والجهات التي تموّل مشاريع البناء، في وقت ما زال فيه كثير من السوريين يعيشون في المخيّمات بعد سنوات طويلة من النزوح.
هنا تدخل قرارات سلطة الأمر الواقع في صلب التحليل. فسياسات التصدير والاستيراد وتشغيل الطاقات الصناعيّة تحدّد مسار التصنيع ومردوده الاقتصاديّ ومدى الاعتماد على الواردات. ومن هنا تبرز الأسئلة: أين يجري التصنيع؟ وكم من مردوده الاقتصاديّ يبقى داخل البلاد؟ وما مقدار الاعتماد على الواردات؟ وما الكلفة التي يتحمّلها السوريّ مقابل مادة أساسيّة لإعادة البناء؟
«ما الجدوى الاقتصاديّة من تصدير مادة يمكن استكمال تصنيعها محليًّا، ثم استيراد المنتج النهائيّ بكلفة أعلى، في بلد يحتاج إلى كل فرصة لتوسيع إنتاجه وخفض كلفة إعادة الإعمار؟».
وليد العوضي
