أحدث المنشورات
التصنيفات
كلمات مفتاحية
- Home
- مقالات
كتب جورج نوفاك في بحث الاخلاق الليبرالية: (إن قيمة أي عمل قيمة اي اسلوب للسلوك، أية سياسة، يجب أن يحكم عليها بنتائجها الحقيقية فقط ومما يؤخذ بعين الاعتبار ليس نوايا ودوافع وأهداف الأفراد وإنما النتائج المحضة الناتجة عن أعمال الناس) ص79.
يعتقد البعض من الناشطين بأن العمل السياسي في جوهره غير مرتبط بالأخلاق عموما، مما يفسح المجال لمواقف عملية تتناقض كليا مع ابسط اشكال المنطق الأخلاقي، ويتيح هذا المنطق استخدام أكثر الأساليب دناءة للوصول لغاياتهم التي عادة ما تتحول غاياتهم لوسائل أخرى لتحقيق غاية أخرى، وما أبينه حكما نسبيا يرتبط بطبيعة الوسائل المؤدية للغاية وكيف يبرر كل منا استخدامه لها وارتباط ذلك بالموقف السياسي المنتمي إليه.
يطالبنا كثيرون بأن نكون واقعيين في ممارساتنا السياسية على المستوى المحلي السوري، ومن يسمعهم يعتقد بأننا نعمل في الخيال ونحارب طواحين الهواء. يضربون لنا الأمثلة عن أهمية التعامل الواقعي وما شابه ذلك، هناك تيار من حزب أفنى معظم اعضاءه عقدا أو اكثر في سجون الأسد البائد يطالبون الاخرين بالتعامل بواقعية بمعنى القبول والتعاون مع سلطات الامر الواقع في سورية، ربما غاب عن ذهنهم أن (واقعية السادات لم تنهض بمصر بمختلف المعاني بل تحولت لعقود لبلد تابع) وأما بعض الناشطين لايمانع أن تتحول الدولة الهشة والهامشية في سورية إلى دولة دينية… وفي مشهد آخر يؤخذ على معارضين منسجمين اخلاقيا مع مواقفهم وقيادتهم لحركات سياسية جذرية انفصالهم عن الواقع لرفضهم وضع ايديهم بيد السلطة الأحادية، ورفض أي صلة تواصل أو تعاون مع سلطات الامر الواقع، بالتالي الواقعيين ينظرون باستحالة وصولهم للغايات النضالية الطامحين لها.. وللقراءة الصحيحة سنميز عدة وجهات نظر ونحللها بشكل مختصر هنا بين دعاة الواقعية السياسية والمواقف الجذرية تجاه سلطة الامر الواقع الخاضعة لإرادات خارجية.
وجهات نظر أصحاب الواقعية السياسية:
المفيد بأن نذكر عند سقوط كل سلطة ديكتاتورية وقدوم سلطة أخرى تطمح للديكتاتورية، لابد وأن ينعم المواطنين عموما بحالة نسبية من الحريات الفردية والحريات الطبيعية لفترة زمنية محددة تقترن بابتلاع السلطة للدولة من اجل اعادة انتاج الاستبداد بأسلوب جديد، غايته تمكين الديكتاتورية عبر جهاز امني فاعل، وهو امر غير مرتبط بالديمقراطية او احتمالات الانتقال نحوها، وحين تستكمل السلطة عناصرها الامنية وأجهزتها وشعبويتها تعمل على الانتهاء ممن يهدد وجودها الفعلي، وتلغى تلك الحريات الجزئية، وهذا ليس قانونا بل استنتاجا من قراءة التاريخ المعاصر.
يدعو أصحاب نظرية الواقعية السياسية الى التعاون النسبي والمصافحة مثلا مع السلطة الراهنة لتحقيق مكاسب شعبية جزئية وبعضهم يضرب لنا امثالا عدة عن انجازاتهم في مجالات محددة، كقضية المرسوم الجمهوري الخاص بحقوق الاكراد والإفراج مثلا عن عدد من الموقوفين العسكريين؟؟؟ وقضايا جزئية اخرى.
وحقيقة الآمر مختلفة كليا بالقراءة، فمرسوم منح بعض الحقوق القومية للكورد جاء بعد ضغط فرنسي وامريكي إرضاء لحلفاء الأمس والسلطة الراهنة لامفر امامها إلا الخضوع للخارج، وتلبية مطالبه، ولم يأت مرسوم حقوق الكرد تلبية لشروط محلية، أو رغبة من السلطة التي ارتكبت بحقهم مجازر بشعة في الشيخ مقصود. بجميع الاحوال لازالت حتى المناطق الكوردية تشكل جمرا قابل بكل لحظة للاشتعال والتحول إلى بركان ( كوباني مثلا) عدا عن اللغة المحلية لازالت هي الكردية وليست العربية، لقد حافظ الاكراد على لغتهم وتراثهم وبالعقد الأخير.. الكوردية لغة المدارس والجامعات في روج آفا والمرسوم تتفيذبا لم يبدل بالواقع العملي. أما قرار مظلوم عبدي حل قسد والدمج بوزارة الدفاع فجاء بسياق مختلف ( كلا الطرفين خاضعين وتابعين للإرادة السياسية ألأمريكية ) فقد جاء القرار بعد ضربة مطار ابو الظهور وبعد الاجتماع المشين بين مايسمى وزير الخارجية السورية واستخبارات الكيان الغاصب، جاء بإرادة صهيونية – أمريكية بهدف سد الذرائع أمام التمدد العسكري التركي بالشمال السوري، ومكافأة لقيادات قسد ومسد للخضوع الأمريكي والتركي تعين بعضهم بمناصب قيادية (غير فاعلة) ضمن سلطة الامر الواقع، مقابل الانحسار الواسع لمساحة الفعل السياسي لقوى مسد..
أما طرح قضايا الافراج عن عدد محدود من العسكريين ممن تقدموا اساسا لتسوية وحصلوا عليها ولم يشاركوا في حرب ما، يعد توقيفهم جريمة إنسانية وقانونية, فالإفراج عنهم يتم وفق حسابات خاصة بهيئة تحرير الشام وفصائل شريكة لها.
إن عدد الموقوفين يتجاوز العشرة ألاف والبعض يقدر العدد بعشرين الفا، مقابل الافراج عن اعداد بسيطة يتم يوميا اعتقال العشرات عوضا عنهم لأسباب مجهولة، فلا يعتقد أحد من الناشطين السياسيين الواقعيين وناشطي ) ان جي اوز) بان لهم دورا مؤثر بذلك، هم يبيعون كراماتهم وأخلاقهم لقاء بسمة من مسؤول بالهيئات السياسية الحالية من الدرجة الثانية أو الثالثة أو حفنة من الدولارات فقرارات السلطة الراهنة مستمدة فقط من مجلسها الشرعي الناتج عن مؤتمر النصر الحاكم الفعلي للبلاد.
اصحاب الواقعية السياسية يصدحون رؤوسنا بنشاطات خلبيه شكلا أما مضمونا وبعيدا عن كل اشكال الاخلاق الانسانية بحدها الأدنى: يعملون بجدية لتمكين السلطة بشكلها الراهن مبررين لها مجازرها العديدة والقتل اليومي المستمر وخطف وسبي للنساء، وبيت الاخوات للذهبي وفصل الموظفين من العمل والتجويع والبطالة وسحق الطبقات الشعبية.. ، فغايتهم هي تثبيت اركان السلطة مهما كانت الوسائل لا أخلاقية تحت ذريعة الوصول للغاية المرسومة في اذهانهم دون الاهتمام بالوسيلة، مما يشكل هوة اخلاقية واسعة عندهم كما يعتقد جون ديوي (إن علاقة الوسائل بالغايات قد كانت لوقت طويل موضوعا رئيسيا في الاخلاق كما كانت موضوعا مهما في النظرية السياسية وتطبيقها العملي).
والملفت للأمر بأن بعض الواقعيين قاتل بالكلمة ضد ديكتاتورية الاسد البائد وهو أمر يستحق الاحترام، وحاليا يعتقدون بأن السلطة الراهنة هي الأفضل لذلك يطالبوننا التعامل بواقعية، غافلين مثلا عن عددا كبيرا من سكان المدن والمناطق الخاضعة للحرب والقصف بالعقد الماضي قد نزح إلى الساحل السوري والسويداء ( العدد يتجاوز المليون ونصف المليون) ومارسوا نشاطهم الاجتماعي والاقتصادي والثقافي والمواطني دون أدنى شعور بالخوف أو فقدان للأمان الشخصي، السؤال ماذا لو قلبنا الصورة الآن؟؟؟؟ هل يستطيع اهل الساحل والسويداء النزوح للريف الحلبي مثلا.
إن دعاة الواقعية السياسية يبحثون حقيقة عن مواقع ومصالح فردية خاصة بهم، يريدون من الاخرين معانقة ودعم وتبرير أفعال سلطة فصائل جهادية جاء بها (الصهيوني والتركي والأمريكي) وإن لم تتحقق مصالحهم سينقلبون على الارجح لاحقا لخندق آخر ويكتشفون كم كانوا بلهاء.
وفي مقالي التالي سيكون الحديث عن أخلاق العقلانية السياسية: بين المبدئية وممارسة الممكن.
محمود اسحاق