الأميّة التي لا تراها الأبجديّة قلعة دمشق نموذجًا

أحدث المنشورات

«حدّق في المجزرة»: خطاب سلطة الأمر الواقع في مرآة الشهادات
Miroir brisé d’une ville en ruines
«حدّق في المجزرة»: خطاب سلطة الأمر الواقع في مرآة الشهادات
قراءة في خطاب السلطة والشهادة في كتاب «غزوة السويداء بلسان ضحاياها» لنجاة عبد الصمد تستوقفني في خاتمة...
التفاصيل
لعبة الرموز التاريخية والدينية
game of
لعبة الرموز التاريخية والدينية
جوهر أم غطاء للتطرف والعنف؟ ليس جديداً أن تُمارس الجماعات المتطرفة “قرصنة الرموز” لاستغلالها...
التفاصيل
في مواجهة بناء عرش طاغية جديد
Le trône du pouvoir absolu
في مواجهة بناء عرش طاغية جديد
… السوري ملزم بشق طريق الحرية والديمقراطية معركة السوريين اليوم ليست ضد الرئيس الانتقالي شخصياً،...
التفاصيل
6 تشرين 1973 وحدة الصف العربي وسلاح النفط في مواجهة التفوق العسكري
poster-web-site0
6 تشرين 1973 وحدة الصف العربي وسلاح النفط في مواجهة التفوق العسكري
يمكن لسلطة الأمر الواقع أن تخدع كل الناس بعض الوقت، وبعض الناس كل الوقت، لكنها لن تستطيع أبداً أن تخدع...
التفاصيل
بيان من الكتلة الوطنية السورية
bayqn0
بيان من الكتلة الوطنية السورية
حول التوغلات الإسرائيلية والتطورات الخطيرة في الجنوب السوري تتابع الكتلة الوطنية السورية بقلق بالغ التطورات...
التفاصيل

التصنيفات

كلمات مفتاحية

للحجر ذاكرة، غير أن امتلاك الذاكرة لا يعني دائمًا القدرة على قراءتها.

صيف دمشق 2026 قدّم مشهدًا يستحق أكثر من الاحتفاء. يدخل الزوار قلعة دمشق، تتقدّم الهواتف لالتقاط الصور، ثم تتكرّر عبارة واحدة على ألسنة بعض الداخلين: «حرمونا من القلعة». الاعتراض على استبداد النظام الأسديّ مفهوم، أمّا تحويل هذا الاعتراض إلى رواية كاملة عن المكان فيفتح سؤالًا أشدّ إزعاجًا: هل تكفي معرفة اسم القلعة كي نكون قادرين على قراءة تاريخها؟

عبارة «حرمونا منها» قصيرة، لكنها تؤدّي وظيفة خطابيّة أوسع من معناها المباشر. فهي تقسّم الزمن إلى شطرين: ماض مغلق، وحاضر مفتوح. ومع تكرارها، تتقلّص المسافة بينهما حتى تتوارى وقائع كثيرة، ويصبح الانطباع بديلًا من الذاكرة.

لكن الحجر نفسه يحتفظ بسيرة أكثر تعقيدًا. بدأت أعمال ترميم القلعة عام 1992 بإزالة الأنقاض وترميم الأبراج، ثم تشكّلت عام 2000 بعثة سوريّة ـ فرنسيّة عملت حتى 2006 في التنقيب والترميم، إلى جانب إسهامات إيطاليّة في ترميم أجزاء حجريّة وقاعة العرش وأعمال مرتبطة بالفسيفساء. وفي عام 2006 افتُتحت أجزاء من القلعة أمام الجمهور ثم حلّ عام 2008، وكانت دمشق عاصمة للثقافة العربيّة، عام 2008، فامتلأت القلعة بالموسيقى والجمهور، واحتضنت حفلات وفعاليات، من بينها أمسيات لزياد الرحباني. واستمرّ حضور المكان خلال سنوات الحرب عبر فعاليات ثقافيّة وتراثيّة، وزيارات مدرسيّة، ومهرجان للطفل، و«ليالي القلعة» في أعوام متتالية.

وتذكّر هذا الوجه من تاريخ القلعة لا يستدعي نسيان الوجه القمعي للنظام الذي حكم البلاد؛ فالذاكرة التي نطالب بها هنا ذاكرة كاملة، لا ذاكرة مضادّة تنتقي من الماضي ما يلائم موقفها.

واللافت أن هذا التاريخ لم يختف. الأخبار والصور والتسجيلات والمواد الرقميّة ما زالت موجودة، أي إنّ الذاكرة التي غابت عن الخطاب بقيت قريبة من أصابع من يصوّرون القلعة بهواتفهم.

وصيف 2026 نفسه لم يكن خاليًا من المعرفة؛ فقد قُدّمت شروح عن القطع الأثريّة المعروضة والعائدة من فرنسا، وعن تاريخها وقيمتها. وهذه حقيقة يجب تثبيتها، لأن نقد الانتقاء يفقد معناه إذا مارس الانتقاء نفسه. غير أنّ المفارقة ظهرت في موضع آخر: القطع امتلكت حكايتها، في حين كادت القلعة تفقد حكايتها القريبة.

هنا تتجلّى أميّة لا تستطيع الأبجديّة قياسها: أن نقرأ البطاقة المعلّقة إلى جوار الأثر، ثم نعجز عن قراءة تاريخ المكان الذي يحتضنه.

فالذاكرة الانتقائيّة لا تحتاج دائما إلى تزوير وثيقة. يكفي أحيانًا أن تعيد توزيع الضوء: تضيء ما يحدث الآن، وتترك ما سبقه في الظل. ثم يتكفّل التكرار بتحويل الجزء إلى كل، والانطباع إلى معرفة، واللحظة السياسيّة إلى بداية للتاريخ.

قلعة دمشق أقدم من الأسد، وأقدم من سلطة الأمر الواقع، وستبقى بعدهما. لذلك، فإن استعادة السوريين فضاء القلعة لا ينبغي أن تعني توريثهم رواية جديدة عنها.

محو الأميّة في عصرنا لا يبدأ من تعليم الحروف وحدها؛ يبدأ أيضًا من تعليم العقل أن يقرأ الحجر قبل أن يردّد رواية السلطة.

د. سلمى الراوي

salma11 salma22 salma33

Scroll to Top