أحدث المنشورات
التصنيفات
كلمات مفتاحية
- Home
- خطاب السلطة
… السوري ملزم بشق طريق الحرية والديمقراطية
معركة السوريين اليوم ليست ضد الرئيس الانتقالي شخصياً، وليست ضد سلطة الأمر الواقع الهزيلة، أو ضد مشايخ السلطة غير الأكفاء، ورجال أعمال الطفرة الاقتصادية الحالية. المعركة الحاسمة الآن، هي ضد الاستبداد، وفي مواجهة بناء عرش الدكتاتورية الجديد، وضد تركز صلاحيات السلطة بيد قلة. وهي بالتأكيد، معركة الحرية والديمقراطية، وبناء دولة القانون، ورفض تصنيع طاغية جديد. لكن سلطة الجولاني، تمكنت عبر أبواقها، من حرف النضال، المطلبي والسياسي والقانوني الحقوقي، عن مساراته الطبيعية، وعن تطلعات منظميه، وجرِّه إلى دوائر التخوين، وتناقضات الولاء والمعارضة، وتضاد السلطة المستبدة مع المدافعين عن الحريات.
من السّهل جداً على أية سلطة صناعة الاستبداد، وصفة سهلة والبشرية لها تاريخ مرير بهذا الصّدد، لكن ترسيخ الحريات يحتاج إلى عملٍ مضنٍ. وعقبَ سقوط النظام البائد بأشهرٍ قليلة، ظهرت ملامح صناعة استبداد سوري جديد، وتأسيس دكتاتورية ثانية. فكل ما نفذته السلطة، لاسيما الإعلان الدّستوري وما أسمته “مؤتمر النّصر الفصائلي”، وتأييد الجولاني على شكل “مبايعة” عمياء. وغير ذلك كثير، كان يرمي إلى رسم ملمح جديد لسوريا بعد انهيار البعثية الأسدية في كانون الأول 2024.
وسَعَت السُّلطة التي مازالت تعتنق العقيدة الجهادية، إلى تحويل كل مطلب شعبي، أو قضية حقوقية ودستورية، أو كل ما يمس الديمقراطية والحريات والعدالة، حوّلتْه إلى موقف معارض لمسارها، المدعوم دولياً وإقليمياً وعربياً. كما نقلت القضايا الخدمية المطلبية الاعتيادية، إلى خانة المعارضة السياسية البحتة، وإلى رفض السّلطة، وهو ما يتطابق مع رغبة مشايخ (هـ تـ ش) في قمع الرافضين لها ولعقيدتها، وعدم قدرتهم على التَّحول المنهجي من اعتناق عقيدة “الجماعة” إلى اعتناق أسلوب السلطة مبدئياً، ولاحقاً فكر “الدولة”، والمقصود هنا الدولة المدنية التي يتساوى فيها المواطنون بالحقوق والواجبات.
مأزق السلطة الحالي مركّب، وله استطالات داخلية وخارجية معقدة. وإذ تحاول السّلطة أن تختَزل كل هذه التعقيدات، بالقضية الاقتصادية التنموية وإعادة الإعمار، بما فيها إعادة تأهيل البنية التحتية، فإنها تتجاهل مطالب السوريين الأساسية المتعلقة بحقوقهم المدنية، وتأسيس دولة القانون، والتي يسود فيها العدل، فيما رأت السلطة أن عدالتها الانتقائية بالطريقة التي تطبقها هي المسار الحقوقي المطلوب.
حتى الأن، لم تغازل السلطة السّوريين عامّة، هي تكتفي بمغازلة مؤيديها، وقلة من المستفيدين منها، وتتغاضى عن ممارساتهم، والتي تخضع في حال تطبيق القانون للمساءلة ضمن إطار المساءلة الجرمية وليس الجنائية. وهنا قد يكون اقتناص سوريين لفكرة صادق جلال العظم “الشخصية الفهلوية” في كتابه (النقد الذاتي بعد الهزيمة)، توصيف دقيق لاستكمال مرحلة الأسَديّة، والتي كان يتعامل معها السّوري بصفتها أمر واقع غير قابل للتغيير، في معارضة مطلقة لصيرورة التاريخ، ورفض لحالة التغيير الممكنة والملزمة، على مر الزّمن في أضعف الإيمان، مع تبدل أطوار الدّولة كما وصفها مؤسس علم الاجتماع ابن خلدون. انهيار الدولة السّورية لم يكن في نهاية 2024، ورحيل الأسد من قصر الشعب المطل على قاسيون، انهيار الدولة السورية التي كانت وليدة جرى قبل عقود، منذ لحظة تأسيس الأجهزة الأمنية التي مهمتها القمع، وتصفية المعارضين، والاستحواذ على السلطة، وحراسة الديكتاتورية. هي الفترة التي تَقَاتل فيها السوريون على من يَحكُم، أي عقب الاستقلال بسنوات، ومع أول انقلاب عسكري للعقيد حسني الزعيم في آذار 1949. صحيح أن البلاد مرت بشكل سريع في سنوات قليلة بحالة من الأمن والاستقرار، لكنه الاستقرار السياسي في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، والذي كانت تغلي تحته براميل البارود. هذه البراميل، إن صح التوصيف، انفجرت غير مرة، وكان أمام السّوريين فرصة تصحيح مسار بناء الدولة، لكن مجمل الظروف لم تًسمح باستكمال هذا المسار، والذي أصيب بالعطب الكلّي خلال خمسة عقود متتالية من حكم الأسد، جرى فيها اختزال الدولة بشخص الحاكم المستبد، والذي مارس معظم وصايا مكيافيلي لـ “الأمير” من ممارسة القمع والعنف لضمان استمرارية الحكم.
سلطة الجولاني تعيدُ قراءَة المشهد بعيون البعثية الأسدية المطلقة، وصاغت علاقتها مع المواطن السّوري وفقاً لتأييده لها، أو وقوفه الخجول في معارضتها أو رفضها. وهذا ليس إنكاراً لتضحيات السّوريين، أو تنكّراً لمبادئ دوليّة حقوقية تتعلق بالحريات والديمقراطية والعدالة، وليس رفضاً لحقوق الناس غير القابلة للجدل، بل هو استحضار قويٌ وعنيف لعقيدة (هـ تـ ش) الرافضة للآخر، الآخر غير المنتمي لها، وذلك بالبناء على مقولة “من ليس معنا فهو ضدنا”، والتي أطلقها الرئيس الأمريكي جورج بوش الإبن في حربه ضد الإرهاب. يعي الجولاني، المقاتل السّابق في صفوف القاعدة، هذه القضايا تماماً، وهو الذي تفاخَر بتاريخه أمام الكاميرات، لكن يستشرس المؤيديون له في رفض أي تلميحٍ أو إشارة إلى ذلك التاريخ، وكأنه صفحة طويت، وعلى الناس نسيانها. بل تضيق السلطة ذرعاً بتسمية الجولاني رئيساً انتقالياً، وتصرُّ على تسميته رئيس سوريا، ضاربة عرض الحائط بكل المعايير الحقوقية والدستورية. وهذا ليس من أجل التأسيس الصحيح للجمهورية، في مرحلةِ ما بعد التخلّص من الدكتاتورية، هذا النّهج الضيق يعيد امكانية تكرار سيناريوهات مرحلة ما بعد الاستقلال وصراع القوى المسلحة على كرسي الحُكم، وليس من أجل السّوري النبيل، ومعالجة قضاياه. لكن بالتأكيد ليس قدر سوريا المطلق أن ترضخ إما لدكتاتوريات عسكريّة، حكمَت البلاد بالحديد والنار ومارست كل أنواع الاستبداد، أو لدكتاتورية جهادية وعقيدة متطرفة تمنع الحريات والديمقراطية عن شعب فعل كل ما يجب عليه أن يفعله، من أجل وطن طبيعي، ومن ثم يُقتل من جديد، على يد الطاغية. في كتابه الشهير (العبودية المختارة) يروي إتيان دو لابويسي: “إن الشعوب هي التي تُسلس القيادة لمضطّهدها، لأنها لو كفت عن خدمته لضمنت خلاصها”. السّوري في هذه المرحلة ليس بحاجة للمواءمة بين الشخصية الفهلوية وفكرة لابويسي، بل هو ملزم بشق طريق الحرية والديمقراطية بنفسه.
ثامر قرقوط