أحدث المنشورات
التصنيفات
كلمات مفتاحية
- Home
- مقالات
لا يبدأ السوريّ يومه بقهوة، أو نشرة أخبار، أو الاستماع إلى فيروز، وإنما بتفحّص غير واع لمستوى الخوف المحيط به. في هذا البلد، الخوف لم يعد طارئًا، بل أصبح وظيفة؛ وظيفة غير معلنة، يقوم بها السوريّ بلا توقيع، وبلا تدرّب، وبلا تقاعد، يعمل فيها كلّ يوم، داخل مؤسّسة لا يراها، لكنّها تتحكّم بإيقاع أنفاسه، إنّهاشركة الخوف.
هذه الشركة لا تحتاج إلى جدران أو مكاتب. إدارتها مبهمة، وأوامرها صامتة،ويكفي فقط أن يظهر رجل غريب في الحي، أو تنطق بكلمة في غير وقتها، لتستشعر أنك لا تزال ضمن الطوق،طوق لا يُسأل فيه المواطن إن كان يريد هذا الدور، هو فقط يؤدّيه، ويكافَأ بـ «النجاة ليوم آخر»
الخوف هنا ليس إحساسًا عابرًا، بل إنّه نظام تشغيل يسري في العلاقات، وفي الصمت، وفي الحركات العفويّة. لا وجود لشرطيّ واحد، بل ملايين الوجوه التي تعيد إنتاج الخوف، بعضها يتزيّا بزيّ رسمي، وبعضهاالآخر تراه في المكاتب، وكثيرٌ منها يسكن داخل وعينا.
ما من أحد يشبه الوطن الذي نريد،فهذه الوجوه لا تحرس بلدًا، بل تخدم سلطة متعددّة الأقنعة، طارئة ومرتبكة، وجدت في التخويف وسيلتها الوحيدة للتماسك؛سلطة تمارس القمع من خلف شعارات الثورة، وتعيد نشر الرعب باسم النجاة، بعض مكوّناتها يرتدي الكراهية كأنه يؤدي في فقرة مسرحية، التخويف فيهالا يأتي فقط في مشاهد العنف، بل في الابتسامة الباردة، والعبارات المملّة التي تحاصرك أكثر ممّا تخيفك.
في هذه البلاد، الأطفال يتعلّمون كيف يختبئون قبل أن يتعلّموا كيف يحلمون،والشبّان يتقنون فنّالتخفّي خلف العبارات الملتبسة، ويبرعون في حساب المسافات بين النظرة والكلمة،أمّا المؤسسات، ولاسيما تلك التي ولدت بعد الحرب، فتتنفّس بروح الأجهزة القديمة، وتفكّر بذهنيتها، وتعيد إنتاج الخوف بلغة لامعة وزائفة.
الجيل الجديد يعيش داخل شبكة محكمة من الرعب. لا يسأل لماذا، بل كيف يستمر. كيف لا يخطئ. كيف يختفي دون أن يُلاحظ. في هذا المشهد، لا أحد يطلب بطولة. كل ما نحتاجه هو لحظة وعي. لحظة يسمّى فيها الخوف باسمه، لا كعار، بل كحقيقة.
الناس ليست متواطئة، هي منهكة. والخوف ليس خيارًا، لكنه لم يعد خلاصًا أيضًا. حين يكسر هذا الإيقاع اليومي، لا تتهاوى السلطة فقط، بل تنهار القاعدة التي بُنيت عليها: أن يبقى الإنسان صامتًا خوفًا من النجاة.
في سوريا، الحرية لا تهدى، ولا تأتي كذروة. إنها تبدأ حين نرفض أن نعرّف أنفسنا بالخوف، وحين نعيد بناء الإنسان من داخله، لا من حوله.
د. حنين الغزالي