قيم !!

أحدث المنشورات

من درع الجزيرة إلى الناتو الخليجي
GOLPH
من درع الجزيرة إلى الناتو الخليجي
 هل يتغير نظام الأمن في الخليج؟ المقدمة شهد النظام الأمني في منطقة الخليج العربي خلال العقود الأربعة...
التفاصيل
التحول الجيوسياسي
geopolitical
التحول الجيوسياسي
من “رأسمالية الاستقرار” إلى “اقتصاد الفوضى” أولاً : فلسفة التحول — حين أصبح الاستقرار...
التفاصيل
في دلالات «التسمية» و«التصنيف»
FOCO
في دلالات «التسمية» و«التصنيف»
قراءة فوكويّة في خطاب المرحلة الانتقاليّة السوريّة اللّغة وسيلة يعبّر بها الإنسان عن الواقع، وهي أيضاً...
التفاصيل
حرب الكهرباء
electricity
حرب الكهرباء
 كيف يكشف تهديد لاريجاني عن أخطر سيناريو صراع في الشرق الأوسط في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، أطلق لاريجاني...
التفاصيل
بيان صادر عن الكتلة الوطنية السورية
BAYAN
بيان صادر عن الكتلة الوطنية السورية
في الذكرى الأولى لمجازر الساحل (آذار 2026) تمرُّ اليوم الذكرى السَّنوية الأولى لمجازر السّاحل السّوري...
التفاصيل

التصنيفات

كلمات مفتاحية

لم تكن “القيم” عند عدد كبير ممن طالب بأن تكون أول ناظم للعلاقة بين السعاة إلى تغيير ديمقراطي مدني في سوريا ابنة نص مكتوب. فقد طالب  بها نيل السوري  وأنصار “عهد الكرامة والحقوق” ومجموعة من النساء السوريات بعد طوفان الارتزاق السياسي واستلاب الرأي بالمال وهيمنة إعلام امتهن الدناءة. تمكن الجراد الأسود من العثور على “ثوريين تحت الطلب” و”مجاهدين تحت السيطرة” وصدّر أشخاص حقيقيون من دم ولحم، قاسوا سجون التسلط والفساد وحملوا أخلاق قامعهم في تمردهم عليه. “ما هو تعريف الإخاء في الثورة الفرنسية، طرح أحد الشباب السؤال ثم أجاب: سيقولون مثاليين أو رجعيين، محافظين أو مندسين، لكننا نقول للجميع لا يمكن بدون تغيير منظومة القيم السائدة في العقول والممارسات وأن نكون حملة قيم إنسانية جديدة، أن نتحدث عن ثورة أو انتفاضة أو تغيير”.

في لسان العرب، القّيم هو المستقيم. وفي الأثر، الشيء القيِّم ماله قيمةٌ عظيمة. وتبعًا لهذا فإنَّ القِيَم هي تلك المبادئ الخلُقِيّة في زمن زمكان وثقافة ومجتمع، يسود تعريف معين لها، فتُمتَدَح وتُستَحسَن، وتُذَمّ مخالفتها وتُستَهجَن.

في الفلسفة اليونانية، العدالة هي أرفع القيم وتؤثر حكما في مختلف القيم. الإنسان العادل يعزز قيم الشجاعة والشهامة وحماية الآخر والاعتدال والمودة والمزاج الحسن. وهي تنمي الطموح بمعناه  الأنبل، أي تقدير قيمة الشخص في المجتمع بما يستحق. في حين يترافق الظلم باختلال في هذه العلاقة سواء كان الإطار المنظم وشكل العلاقة بارتباط مع السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي.

القيم، مشتقة من ثقافات الأمم، هي جملة مبادئ وضوابط أخلاقية تحدد سلوك الفرد في علاقته بمحيطه. تؤثر القيم في البناء العميق للشخصية ويتداخل فيها الوعي واللا وعي. وإن اختلفت تعبيراتها بين مجتمع وآخر وزمان وآخر، إلا أنها تعبير جوهري عن السعي الدائم للإنسان للخروج من الهمجية. تربط المقاربات الدينية القيم بقوة الوازع الديني، وتسورّها بالحلال والحرام والترهيب والترغيب والثواب والعقاب. وتلتقي المقاربات الدينية والإنسانية في ضرورة الصدق والوفاء والإخاء والإعمار والمعرفة وإتقان العمل والإنصاف في العلاقات والأحكام والشعور بالمسئولية والاستقامة وإغاثة الملهوف ومحاربة الرشوة والفساد ومناهضة الظلم (وقد خاب من حمل ظلما). وفي حين تبني العقائد الدينية والقومية جدرانا تحدد فيه قيمها الخاصة والقيم الأخرى (الدخيلة، المستوردة، الكافرة…) يرفض الإنسانيون كل ما يخلق جدارا عقائديا بين الإنسان وأخيه الإنسان.

لم يخل ميثاق من مواثيق حقوق الإنسان وحماية البيئة من جملة قيم أساسية جامعة للبشر على اختلاف قومياتهم وثقافاتهم وعقائدهم. وفي ميثاق الأرض (2000) ما يؤكد على قيم مشتركة أساسية لحقبتنا مثل:

بناء مجتمعات ديمقراطية منصفة وتشاركية ومستدامة وسلمية تكفل خيرات الأرض وجمالها للأجيال الحالية والمقبلة؛

حماية واستعادة سلامة النظم الإيكولوجية للأرض؛

كفالة تسخير الأنشطة والمؤسسات الاقتصادية على جميع المستويات لخدمة أغراض التنمية البشرية بطريقة منصفة ومستدامة؛

تأكيد المساواة والإنصاف بين الجنسين كشرطين أساسيين للتنمية المستدامة؛

توفير الشفافية والمساءلة في الحوكمة، والمشاركة الجامعة في صنع القرارات، والنفاذ إلى العدالة؛

إدماج المعارف والقيم والمهارات اللازمة لاتباع طريقة مستدامة للحياة في التعليم النظامي والتعلّم مدى الحياة.

يقول منير فاشة مدير “الملتقى التربوي العربي” في معرض حديثه عن القيم والتجربة العيانية: “جاءت الانتفاضة (الفلسطينية) بعفويتها وحيويتها ومنطقها الذي كان مغايراً للمنطق السائد، مثلا عن طريق استعادة قيم نسيها الناس نتيجة القيم التي تبثها أجواء التعليم والإعلام وأيديولوجية الاستهلاك السائدة (لنتذكر أصل معنى كلمة “استهلاك” في اللغة العربية: طلب الهلاك)، مثل الصداقة والمحبة والتكافل والتحادث واللعب في الحارات والمشي في الجبال والسهول والوديان وشرب الماء والكرم والتنوع.  ولعل أهمّ بُعد للانتفاضة كان في استعادة الأمل والمسؤولية كقيمتين يعيشهما الناس في مختلف نواحي الحياة، والتي كان أحد مظاهرهما قيام كل شخص تقريبا بسؤال نفسه: “ماذا يمكنني أن أفعل؟”

لعل في التجربة الفلسطينية للمقاومة المدنية دروسا لنا جميعا لرفض تحويل القيم إلى جمل مجردة أو مهارات تعليمية. فليست القيم شعارات بقدر ما هي اختبار حياتي متجدد للممارسات والمعاملات والنضال. ربط القيم بحياة الإنسان كالجسر الذي يربط المعرفة بالحياة. ومن الجميل إعادة قراءة “قلب الأمور” بعد الزلازل التي شهدناها في السنين الخمس الماضية:

“المبادئ التي تحكم فكرنا وعملنا في “قلب الأمور”:

  1. ننظر إلى الإنسان كبانٍ لمعان وتعابير ومعارف ومجموعات بشرية.
    2. البناء الذي نطمح له يحدث على صعيدين متداخلين ومتكاملين: العالم الداخلي للإنسان، والنسيج الاجتماعي الفكري الثقافي للمجتمع.
    3. البدء في عملية البناء هذه بما هو موجود وإيجابي وملهم (وليس بالاحتياجات والسلبيات والنواقص).
    4. كل شخص يملك خبرة، ولا توجد خبرة لا قيمة لها فالحياة منسوجة من قصص الناس وليس من ذرات.
    5. تحويل الحياة إلى “قصص” عن طريق التأمل والتفكر والتعبير عنها، وهذا بالضرورة يربط الفكر بالعمل والسياق.
    6. الحياة وحدة متكاملة، والمجتمع وحدة متكاملة، والمعرفة وحدة متكاملة. وتنوع الناس في خبراتهم وتعابيرهم ومعارفهم هو مظهر أساسي لهذه الوحدة. لذا لا تقبل المجلة مساهمات تمزق الإنسان من الداخل أو النسيج الاجتماعي من الخارج.
    7. المسؤولية نحو الذات والآخرين والطبيعة بمعنى حمايتها، قدر الإمكان، من الأضرار التي يمكن تجنبها.
    8. المعرفة تبنى جماعيا، من خلال التفاعل مع المحيط الاجتماعي والطبيعي ومن خلال التحادث والتحاور.
    9. التعلم السليم، مثل التنفس السليم، لا يتم إلا إذا حدث بشكل متكامل داخل الإنسان وخارجه.
    10. الحضارة العربية معروفة بالكرم، والقراءة مظهر من مظاهر الضيافة، حيث نستقبل عن طريقها الأفكار، بما في ذلك الغريب منها، لتدخل في أعماق بيوتنا البشرية: أنفسنا. كذلك، فإن الكتابة النابعة من تأمل هي مظهر من مظاهر الكرم، حيث نشارك الآخرين بأعز ما نملك: أنفسنا. من هنا، فإننا نعتبر القراءة والكتابة التأملية عادتين وقدرتين أساسيتين في “قلب الأمور.”
    11. اللغة الأساسية في المجلة هي العربية الفصيحة، وتقبل مساهمات بلغات أخرى يتواجد في بلدانها أعداد كبيرة من العرب.”.

إن استنباط مقومات القيم في المعاش جزء أساسي من فهم المرء لنفسه ولرؤية الآخرين له وللعالم. ففهم المرء لقيمه ولقيم المجتمع الذي يعيش فيه ولقيم الآخرين في كل أنحاء العالم، جزء محوري من التعليم الرامي إلى بناء مستقبل مشترك مختلف عن عالم يملك فيه 1% ما يشمل معيشة 70% من البشر، وتدفع فيه ملايين الدولارات لإنقاذ “مواطن” غربي من جريمة اختطافه من مجموعة إرهابية مولتها الولايات المتحدة (وأترابها) في نعومة أظفارها كما تذكرنا هيلاري كلينتون، ويعتبر فيه تفجير المساجد والكنائس والصوامع جهادا في سبيل الله وتحطيم المواقع الأثرية استجابة متأخرة لفتاوى ابن تيمية، والإفتاء بالتصويت لاستفتاء “دستور الإخوان” في مصر ضمانة لوصول مساعدات بمليارات الدولارات من الإمارة القطرية.

يصنفون القيم وفق مدارس الاعتقاد حينا ومدارس الأخلاق أحيانا أخرى، يتحدث قاموس ويبستر في القيم الأخلاقية  مثل الصدق والأمانة والنزاهة والإخلاص…  والقيم المجتمعية، مثل: التعاون والعمل التطوعي والمساعدة … والقيم الفكرية، مثل: حب الفضول والتروي والعقلانية … القيم السياسية، مثل: إيثار المصلحة العامة والمواطنة. عالم الاجتماع الألماني (سبرانجر) قسّم القيم  إلى ستّ مجموعات: القيم الدينية، القيم السياسية والقيم الاجتماعية، والقيم النظرية والقيم الاقتصاديّة والقيم الجمالية. ثمة من فضل استعمال “القيم المعرفية والأخلاقية الإنسانية والقيم الجمالية” تجنبا لحصر القيم في الأديان. البعض يحصر المواطنة في زاوية القيم الوطنية والبعض الآخر يعتبر حقوق المواطنة الجسر الضروري لحقوق كل إنسان. لكن مهما تكن هذه التصنيفات “موضوعية” حينا وابنة تصورات شمولية في أحيان أخرى، تبقى إشكالية العالمية والمحلية، التقدم والجمود، القدرة على انتزاع الشر من العمل العام والمهادنة في استمرار بذور عودة ولادته بأشكال جديدة، أهم التحديات عند من اختار بناء قيم جديدة لعالم جديد.

التقى جمال الدين الأفغاني (المسلم) وانطونيو غرامشي (الماركسي) على فكرة أساسية، وهي ضرورة الإصلاح الأخلاقي والثقافي لأي تغيير في المجتمعات الإنسانية. وقد احتاج البشر إلى عقود من الحكم الستاليني، أقسى حربين عرفتهما الإنسانية والهولوكوست وأكثر من 80% من الزمن المقتطع من التاريخ في ظل أنظمة التسلط والدكتاتورية لتعود وتناقش من جديد أهمية العودة إلى استنتاج الأفغاني وغرامشي: فسواء كانت الخلفية الفكرية مادية أو مثالية، قومية أو عالمية، دينية أو علمانية، لا بد من قيم عليا ومبادئ أخلاقية للعمل العام، سياسيا كان أو حقوقيا أو ثقافيا أو اقتصاديا.

ويمكن القول أن التأكيد على أهمية البعد القيمي والأخلاقي في الحياة العامة أصبح هاجسا من هواجس الفكر النقدي والنشاط الأهلي مع انطلاقة ألفية جديدة، فقد شغلت الأخلاق العديد من فلاسفة نهاية هذا القرن كهابرماس Habermas  وأبل K.O. Apel وبول ريكورP.Ricoeur،  وشكلت تسعينات القرن العشرين عودة اعتبار لمفهوم أخلاق المهنة وأخلاق البحث العلمي والأخلاق النضالية والسلوكية في الشأن العام.

صحيح أن كلمات مثل القيم والأخلاق لم تكن في يوم من الأيام وحيدة التعريف ثابتة الهوية في الزمان والمكان. وأنها بالضرورة ابنة التقدم البشري والتعبير المثالي له. إلا أن ثمة جملة مبادئ أخلاقية إنسانية تبلورت عبر القرون والحضارات وشكلت مع الوقت نوعا من القواعد المرجعية في عالم بلا قواعد وعهود، ذمة عامة في وجود لا ذمة له. ويعيدنا اختلاف البشر الطبيعي في المعتقد والرأي إلى ربط إنسانية القيم وعالمية الأخلاق بالإنسان من حيث هو كذلك. ومن هنا يمكن أن نستقرئ بعض المبادئ القيمية كسيادة القرار وحرية اتخاذه والشفافية والأمانة واحترام الآخر والتزام العهد واحتقار الإرتزاق والتبعية والكذب باعتبارها قابلة التعميم لكافة البشر في مختلف الظروف، وإن كانت الحداثة قد جعلت من الشر السياسي جزءا لا يتجزأ من المنظومة الاقتصادية والسياسية السائدة. إلى أن هذه الواقعة البائسة تجرد مفهوم البنية التحتية والبنية الفوقية من معناه ومبناه. بإعطائها قوة حضور لأخلاق التسلط والهيمنة والخداع باعتبارها نواظم مشتركة لما هو مادي أو معنوي ومثالي سواء بسواء.

تتأسس عالمية القيم الأخلاقية على قاعدة التساوي في الذات الاعتبارية والتساوي في مفهوم الشخص والتساوي في إشكاليات العلاقة بين المجتمع والدولة. القيم الإنسانية بهذا المعنى تنبذ المحاباة على أساس طوائف الدم والمعتقد في المجتمعات العضوية  كما تنبذها في طوائفية المهن corporatisme في البنى المدنية وهي تناهض الفساد بكل أشكاله، الفساد بتعريف كليتغارت R.Klitgaard العام له، أي ” وضع الشخص بشكل غير مشروع لمصالحه الخاصة قبل مصلحة البشر والمبادئ التي أعلن عن التزامه بها”.

ليست هذه الضوابط مجرد كلمات تنطق وشعارات تعلن وألفاظ تجري المزاودة عليها. فما من أحد يرفع عَلَم  النفاق ويبجل راية الكذب، وما من حاكم يعتز بالفساد وما من سياسي يقر بتوظيف العام لمصالحه الخاصة، وما من مرتزق يتحدث في نضاله العام كما تتأرجح أسواق البورصة. والحكم الوحيد لكل دعوة أو نشاط هو الممارسة التي أكد القرآن يوما على اعتبارها المصداقية للقول: ” لم تقولون ما لا تفعلون” ؟

من أهم دروس الخبرة البشرية في القرنين الأخيرين، ضرورة تذرير السلطة المطلقة وتوزيع السلطات بشكل يحول دون إساءة استعمالها قدر الإمكان. وبالإضافة إلى هذا التوزيع الضروري والحاسم في دمقرطة العلاقات الإنسانية، تترسخ يوما بعد يوم، أهمية مفهوم جديد في العديد من الثقافات والحضارات هو مفهوم السلطة المضادة contre-pouvoir ، ورغم أن المكونات المجتمعية لهذا المفهوم قد وجدت منذ أكثر من ألفي عام، إلا أن تبلوره قد أخذ شكلا متقدما مع فصل السلطات وتبلور ما يعرف (على نحو التقريب أو التعسف) بالمجتمع المدني. هذه القوة المتمثلة بأشخاص أحرار (شخصية علمية أو دينية مستقلة، مثقف نقدي..) أو هيئات غير حكومية (جمعيات أهلية، نقابات، مراكز بحوث..) ممن لا يضع السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية على أجندته الخاصة ويرفض توظيف هذا النضال لأية غاية مالية كانت. وقد عرف المجتمع العربي من قديم هذا النموذج في شخص الحسن البصري ويشكل إميل زولا الرمز الأكثر شهرة لهذا النمط في أوربة الغربية. وللسلطة المضادة دورا هاما في فرملة الجنوحات والحد من التجاوزات ومقاومة الانتهاكات الواقعة على حقوق البشر. وهي ذات دور ضروري كجسم وسيط يهدف قبل كل شئ إلى اقتصاد العنف بين الحاكم والمحكوم.

إلا أن اتساع نطاق القوى الخارجية عن الجهاز السياسي لم يلبث أن أوجد صيغ تأقلم واحتواء جديدة وممارسة للسلطة بشكل جديد وخير مثل لهذا الطريقة التي تتم فيها النقاشات الثلاثية القطب في بعض الدول الأوربية (نقابات عمالية، نقابات أرباب عمل، حكومة) أو التأثيرات الكارثية لتجمعات اللوبي في الولايات المتحدة الأمريكية على السياسات الداخلية والخارجية لهذا البلد. من هنا لم يعد  مصطلح سلطة-مضادة يعني بالضرورة موقفا تقدميا وإنسانيا حيث نجد عدة تحلقات أهلية للدفاع عن قوانين بالية أو تجمعات دينية متطرفة وأخرى لمناهضة حماية البيئة أو مساواة الجنسين أو دمقرطة التجارة الدولية إلخ.

إذن ومع هذا التذرر والتعدد في أشكال ممارسة السلطة والجنوح في استعمال السلطة، تستعيد فكرة الإصلاح الأخلاقي أهميتها، خاصة إذا ما شكلت القيم العالمية لحقوق الإنسان والشعوب، المرجع الاعتباري لهكذا إصلاح.

من المفترض  لأي نضال للشأن العام، دوليا وعربيا، أن يعطي هذا البعد الحجم الذي يستحق كونه قد أصبح معيارا عفويا للتقييم العام الذي يسهم في تعزيز مصداقيته أو إضعافها.

إن البعد الأول للعمل السياسي يذكرنا دائما بثنائية الحاكم والمحكوم عند ماكس فيبرMax Veber، أي يجعلنا نضع نصب أعيننا صلة العمل السياسي بالعسف والمفسدات المعاشة وتبرير الذات وشرح ضرورة الأفعال المخزية إلخ،   الأمر الذي يعيدنا إلى مدى تمايز المحكوم مسلكا وسياسة عن الحاكم، أي مدى تبلور هوية المحكوم أو المستقل عن السلطات المالية أو السياسية في الأخلاق والبرنامج والأفق. بتعبير آخر قدرته على مواجهة البعد العمودي الهرمي للسيطرة بالبعد الأفقي والتوافقي لإرادة العيش المشترك. فلم يعد بالإمكان الاكتفاء بإعلان الانتماء لشيء لنيل صكوك البراءة، كما لم يعد الاضطهاد للسياسي أو الحقوقي كافيا لإعطائه صكوك الثقة العمياء. ففي كل منظمة وحزب وميليشيا الغث والثمين، وفي كل معسكر النبيل والحقير والخبير والأجير. وفي التحليل النهائي، ومهما تعددت المناصب والإنتماءات، فإن كل نفس بما كسبت وفعلت رهينة. وإن كان من تحقق دائم لفكرة الإصلاح الأخلاقي فذلك ممكن بالفعل عندما نضع نصب أعيننا أن “المجتمع الحقوقي والمواطنية ممارسة يومية للفكر النقدي” باستعارة تعبير أنطوان مسرة.

ما هو الفرق بين حاكم يستعمل أموال الناس لتوطيد سلطته ومعارض يضع رصيده النضالي في مزاد علني لسلطات أكثر طغيانا من حكامه وأكثر ظلامية من أنموذج تمرد عليه. أو مسؤول في منظمة غير حكومية يوظف أموالها في شراء الذمم ويعزز ميزانياتها من مهمات “تحت الطلب”؟ ما الفرق بين موظف دولة يستعمل سيارة عمله لغايات شخصية وعامل في منظمة غير حكومية أو حزب معارض يوظف إمكانياتهما لمصالح شخصية أو لمآرب خاصة ؟

طالب الفقيد ادوار سعيد بإحالة بيل كلينتون وميلوزيفيتش إلى محكمة جنائية دولية. ويمكن لهذا الطلب أن يكون عاديا جدا في عالم تتمتع فيه وسائل الإعلام بحد من النزاهة يسمح بدمقرطة الإعلام وبإسماع مختلف وجهات النظر في ظروف الحرب. إلا أن هكذا طلب، رغم استناده لأسس منطقية وإنسانية لا يقل عن تلك التي دفعت القاضية الكندية إلى إعداد ملف الاتهام بحق ميلوزيفيتش، ستبقى رغبة كاتب نقدي آثر الصدق مع النفس على النفاق العام في أول حرب لمجموعة دول ضد دولة دون المرور بالأمم المتحدة منذ ولادة الأخيرة. ونبوءة صادقة لصيرورة التدخل وسيلة من وسائل إعادة صياغة الاستعمار الجديد في عالم ما بعد الحداثة. ولكن أما آن لنا، ديمقراطيون ومدافعون عن حقوق الإنسان والطبيعة أن نخرج من منطق “المجتمع الشمالي المشهدي”  إلى عالمية راقية تعيد النظر في التاريخ والواقع من هيروشيما إلى بريشتينا، ومن حلبجة وحماه وجسر الشغور وغزة إلى حلب والموصل؟

لم تكن مدينة هيروشيما بحاجة إلى أن تدخل التاريخ باعتبارها الضحية لجريمة بلا عقاب وكان بإمكانها أن تبقى على الخارطة تلك المدينة التي نشأت حول قصر إقطاعي على دلتا نهر اوتا في جزيرة هونشو  في المنطقة الغربية من اليابان.

ومهما كانت دوافع اختيار هذه المدينة لتكون أول حقل بشري لتجربة نووية في زمن الحرب، فإن نسبة العسكريين من الضحايا محدودة جدا أمام النسبة الأكبر من  سبعين ألف مشوه وثمانين ألف قتيل  من جراء إلقاء طائرة حربية أمريكية قنبلة نووية على المدينة في السادس من أغسطس (آب) 1945. وبقدر ما شكلت كلمة الهولوكوست مأساة ذات مرجعية قادرة على محاسبة المسؤول عن أية جريمة حرب أو جريمة ضد الإنسانية، كانت هيروشيما (وناكازاكي بعدها) بعيدة كل البعد عن منطق المحاسبة. فمن يحاسب الطرف المنتصر في حرب. أليس الغالب هو المؤهل الوحيد لصياغة القانون والطرف المخول بكتابة التاريخ؟ وهل يمكن أن تكون هناك محكمة نورنبرغ للذين اتخذوا قرار ضرب هيروشيما؟

كسرت قضية هيروشيما كل ادعاءات القيم الأخلاقية للحرب بل وأدخلت مصطلحات كالحرب الجيدة والحرب المبررة والقصف الجراحي، مصطلحات تلوث الحضارة الغربية ووجهها الآخر البشع الذي انتج النازية كما انتج السلاح النووي والجرثومي والبيولوجي وتلوث البيئة والمخدرات ونهب وإفقار الآخر.

إن التعامل مع هيروشيما كحدث طبيعي هو الذي أوصل إلى قصف ملجأ العامرية في العراق واختراع النظام السوري لبراميل الموت وبعض معارضيه لمدفع جهنم. وجعل كلمة “الضربات الجراحية” تعتبر في مصطلح عدة منظمات إنسانية شمالية من عاديات الأمور. فماذا يعني بالتحديد هدف عسكري؟ أليس هدم مدينة لوقف الحرب هدفا يستحق النظر؟ هل الجسر هدف مدني أم عسكري، أليست محركات توليد الطاقة هدفا عسكريا بامتياز ولو أن ضربها يشل العمل في المستشفيات والمخابز؟ وأخيرا، هل أفضل من ماء الشرب وسيلة لإذلال شعب؟

كل هذه الأسئلة عادت بقوة بعد خمسين عاما ومع حرب الكوسوفو التي حققت لأول مرة في التاريخ توقيعا لوقف إطلاق النار دون وفاة جندي واحد من جيوش حلف شمال الأطلسي. كنا نتمنى أن لا يكون ثمن ذلك قتل مئات الضحايا المدنية من صربيا وكوسوفو وهدم مئات المدارس والمصانع والجسور. جاء احتلال العراق ليخلق حالة تطبيع مع القتل الجماعي باسم التحرير. لن يحاسب أحد على قتل العراقيين كما لن يحاسب أحد على قتل الليبيين والسوريين واليمنيين حتى كتابة هذه الأسطر. وكأن الهمجية تستعيد كل مواقعها باسم غياب المحاسبة الضروري للوحدة الوطنية والسلام الاجتماعي وإعادة احتكار العنف للدولة. ما أبشع بعض البشر وهم يطالبون بالتدخل العسكري لحماية النفس من بطش الدكتاتورية، وما أبشع بعضهم الآخر وهو يفلسف ويفسر ضرورة التدخل العسكري لحماية الدكتاتورية من أعدائها… وفي نهاية المطاف تحول هذه المطالب إلى وسيلة لتدمير البلاد والعباد وخنوع بلد وشعب.

إن قدرة المنتصر على فرض قوانينه باعتبارها المنظم الأول للعلاقات بين البشرية يمس في الصميم مفهوم العالمية ومفهوم العدالة الدولية، لقد أعطت حرب البلقان صورة لمدى قدرة حلف شمال الأطلسي على استعمال وتوظيف العديد من السياسيين والمنظمات غير الحكومية مع تأثير ذلك على حق التدخل لهذه المنظمات الذي نطالب به. فكما يقول كلود لانزمان Lanzmann، فإن ولادة نمط جديد من الحرب والنظام الدولي أصبح يخيفنا مما قد يصل إليه موضوع التدخل. وكم كان أجدر بالمنظمات غير الحكومية أن ترفض دور سرفيس الصيانة S.A.V   وأن تكون أكثر نضجا وتأخذ المسافة الضرورية والموضوعية من الأحداث حتى لا تتحول إلى وسيلة من وسائل الاحتواء في زمن الحرب. فبين حق التدخل للمنظمة غير الحكومية واستعمال هذا الحق من قبل قوى عظمى لغاياتها ومصالحها فرق كبير.

نبصر ضعف بعض المؤسسات بين الحكومية التي تحابي أنظمة تسلطية وتنعكس محاباتها هذه على أية شروط تتعلق بحقوق الإنسان تضعها على غيرها من الأنظمة. وفي هذا المجال، أقرب الأمثلة وأكثرها تعبيرا التبادل الاقتصادي الأوربي الإسرائيلي واتفاق الشراكة الأوربي التونسي و”النضال” من أجل فرض عقوبات على هذه الدولة أو تلك وأكثر وضاعة من ذلك: تحويل الفصل السابع لميثاق الأمم المتحدة إلى مطلب حقوقي؟.

ناضلنا ونظرنا بتفاؤل إلى ولادة المحكمة الجنائية الدولية ونحن نترقب بحذر المواقف الشمالية لتوظيف هذه المحكمة لغير المبادئ التي ولدت من أجلها، وفي هذا المجال، فإن الامتحان الكبير لكل من يتحدث في هذا الموضوع هو قدرته على القول بصوت عال أن هذه المحكمة يتحكم بمدعيها العام حتى اللحظة مجلس أمن لم تعترف أغلبيته الدائمة (الاتحاد الروسي والصين الشعبية والولايات المتحدة) بميثاق روما ولم تستطع بعد، وضع أبيض أوربي أو أمريكي واحد تحت مجهرها الأعور. هناك جريمة ضد الإنسانية اسمها الاستيطان في فلسطين تجري تحت أعين العالم منذ خريطة التقسيم في 1947 المقرة من الأمم المتحدة إلى خرائط باراك ونتنياهو القائمة على منطق الاحتلال ومحاصرة الآخر لخنقه. هذه الجريمة أخطر وأكبر بكثير مما فعل بعض الضباط الكروات أو الصرب أو البوسنيين وكان كافيا لمثولهم أمام المحكمة الجنائية الدولية ليوغسلافيا السابقة. فهل هناك من يجرؤ من المنظمات الشمالية غير الحكومية على فتح هذا الملف؟ شهدنا إبادة جماعية في غزة ذهب ضحيتها أكثر من مئة ألف ضحية… من المضحك المبكي أن القاضي المكلف بالقضية في المحكمة الجنائية الدولية كان أول من تصدر من GAFA وترامبها مذكرة توقيف ومصادرة لأمواله المنقولة وغير المنقولة.

غادر في شهر يونيو (حزيران) 1999 نيسلون مانديلا رئاسة جمهورية جنوب إفريقيا بعد 27 عاما في السجن وولاية رئاسية واحدة. غادرها دون مال ولا نهب ولا سرقة ولا محاباة ليدخل التاريخ البشري كأحد أقطاب مناهضة العنصرية ودعاة بناء إفريقيا ديمقراطية ذات كرامة. ولا شك بأن كل عربي ( و60 % من العرب اليوم لم يعرف في حياته أكثر من رئيس أو ملك أو أمير واحد) قد وقف بإجلال، ليس فقط أمام الحاكم النزيه وإنما أيضا وقبل ذلك، أمام المناضل النزيه الذي لم تلوثه الأيام ولم يلعب يوما ورقة الضحية ولم يتعامل مع أحد من تحت (أو من فوق!) وكان كبيرا في السلم الأهلي والحرب الأهلية.

كم من السنين مرت لم يكن يعترف على مانديلا في الغرب سوى قلة من اليساريين والمثقفين، وكم من السنين احتاج الأمر ليصبح رمزا لا يستطيع أحد تجنبه. كم من السنين مرت لتأكيد مكانة المهاتما غاندي، الذي رفضت هيئة جائزة نوبل منحه الجائزة حتى لا تزعج المستعمر البريطاني.. إلا أن التمسك بالمثل وعدم السقوط في السفاسف والشموخ أمام تحديات العصر مسائل تترك بصماتها مهما غيّب المستحقون وتشعر بها أكثر الشعوب تعرضا للتجهيل والحرمان من الحرية. وتمّيز بها وعبرها أمثولتها وحلمها في التغيير.

مهما نجح المجتمع المشهدي في تنصيب بعض الرموز فهو أعجز عن أن يحّول أشباه الديمقراطيين والنفوس الصغيرة ومقبلي أيادي موظفين من الدرجة الثالثة في الغرب إلى قيادة وقدوة يمكنها الإسهام في الخلاص من جبروت القوة والتسلط والفساد. وما يقال في رموز السلطة يقال في رموز السلطة المضادة. فكما للسلطات أمراضها لأوساط المعارضة والمجتمع المدني أمراضها وعليها أن تنظر لها بشكل نقدي ومبكر حتى لا توظف ضد المثل والمبادئ التي تعلنها.

لم يعد الحلم الثوري يدغدغ مشاعر الكثيرين في خناق العولمة حيث صارت الثورة شكلا من أشكال الإرهاب، إلا أن الحس العام لأبناء الجنوب يتعرف بحكمة شرقية عميقة أكثر فأكثر على ضرورة الإصلاح الأخلاقي والثقافي كمرحلة لا بد منها لإعادة اكتشاف النفس والآخر، “إن المبدأ الأخلاقي، كما يشير فارس ساسين، مثالي بلا أدنى ريب، ولم يخبئ الأخلاقيون ذلك يوما، إلا أنه على احتكاك بالواقع وفي مسعى دائم لتقييمه وتغييره واستجماع القوى كافة لتبديل ما أمكن منه. ولو اقتصر القانون الأخلاقي على النية دون الفعل، لتحول إلى عكسه: وسيلة من وسائل الرياء الذاتي”.

التراجيديا السورية التي نعيشها اليوم أعادت للكلمات بعضا من صدقيتها… فالقيمة الوحيدة المتبقية عند أولياء الأمر بالقوة، هي ما يصدر عن “ولاية الشيخ”، أي تعميم الغباء والتوحش في العلاقة بين الإنسان وأخيه الإنسان…

في عالم تسوده جهالات أشباه “الشيوخ” وحماقات “السلفي الجهادي” المعولم، يتسارع خائبي الرجاء على جعل العنف والانتقام والثأر قيما؟؟؟  وسيجدون في الجموع المحطمة المتكسرة الأجنحة والأوصال من يلبي لهم شهوة تمجيد التفاهة واغتيال ما تبقى من قيم..

هيثم مناع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top