ذاكرة وطن مقابل زجاجة عطر: العنف الرمزيّ والاستبداد الحسّيّ في المشهد السوريّ

أحدث المنشورات

«حدّق في المجزرة»: خطاب سلطة الأمر الواقع في مرآة الشهادات
Miroir brisé d’une ville en ruines
«حدّق في المجزرة»: خطاب سلطة الأمر الواقع في مرآة الشهادات
قراءة في خطاب السلطة والشهادة في كتاب «غزوة السويداء بلسان ضحاياها» لنجاة عبد الصمد تستوقفني في خاتمة...
التفاصيل
لعبة الرموز التاريخية والدينية
game of
لعبة الرموز التاريخية والدينية
جوهر أم غطاء للتطرف والعنف؟ ليس جديداً أن تُمارس الجماعات المتطرفة “قرصنة الرموز” لاستغلالها...
التفاصيل
في مواجهة بناء عرش طاغية جديد
Le trône du pouvoir absolu
في مواجهة بناء عرش طاغية جديد
… السوري ملزم بشق طريق الحرية والديمقراطية معركة السوريين اليوم ليست ضد الرئيس الانتقالي شخصياً،...
التفاصيل
6 تشرين 1973 وحدة الصف العربي وسلاح النفط في مواجهة التفوق العسكري
poster-web-site0
6 تشرين 1973 وحدة الصف العربي وسلاح النفط في مواجهة التفوق العسكري
يمكن لسلطة الأمر الواقع أن تخدع كل الناس بعض الوقت، وبعض الناس كل الوقت، لكنها لن تستطيع أبداً أن تخدع...
التفاصيل
بيان من الكتلة الوطنية السورية
bayqn0
بيان من الكتلة الوطنية السورية
حول التوغلات الإسرائيلية والتطورات الخطيرة في الجنوب السوري تتابع الكتلة الوطنية السورية بقلق بالغ التطورات...
التفاصيل

التصنيفات

كلمات مفتاحية

تعكس الصورة الأخيرة من المشهد السوريّ لحظات سقوط وانهيار موثّقة، تجلّت بيقين لا يخطئ، يشبه انكشاف الحقيقة عند سقوط الأقنعة دفعة واحدة؛ وكأنّ الكاميرات لم تعد تسجل مجرد حدث، بل توثق لحظة اعتراف قسريّ بأنّ بيع التراث لم يعد بالإمكان إخفاؤه، وذلك من خلال تحويل الهدايا المتبادلة بين الرؤساء إلى أدوات عنف رمزي تشكّل عبرها الذاكرة وتنشّط الحواس، متجاوزة بذلك كونها مجرد لفتات بروتوكولية.

رئيس “وطنيّ” يقدّم تراث بلاده كهدايا رسميّة، ورئيس أجنبيّ يردّ بزجاجة عطر، بينما تتوارى الدولة خلف استعراض لغويّ حسّي يعيد ترتيب المعنى بطريقة تكشف المسافة بين الرمز والحقيقة، وبين المعروض والمعيش.

فعندما تسلَّم نوتة موسيقيّة خرجت من عمق التاريخ، أو خاتم يحمل بصمة حضارات موغلة في القدم، فإنّ الحدث يتجاوز فكرة الإهداء، ليتحوّل إلى ممارسة على الذاكرة ذاتها. في تلك اللحظة، يغدو التراث، الذي يُفترض أن يكون ملكًا جماعيًّا للسوريّين، أداة تستثمر سياسيًّا.

دراسات الخطاب تطلق على هذه الممارسة تعبير «الاستحواذ على الذاكرة»؛ وفيها يُقتلع الماضي من سياقه الاجتماعيّ، ويُقدّم بوصفه مادّة سياسيّة تُلمّع صورة السلطة، وتعزّز حضورها، وبهذا الفعل تقوم السلطة المؤقّتة بمصادرة علاقة المجتمع بجذوره الثقافيّة، بما يتطابق فعليًا مع أجندتها، ويهزّ المعنى الحقيقيّ للانتماء.

في المقابل، تبرز زجاجة العطر-ببساطتها الظاهرة-كأحد أبرز رموز اللّامساواة الرمزيّة، إذ يضع طرفٌ ذاكرته الوطنيّة كاملةً على الطاولة، وطرفٌ آخر يردّ بهديّة عابرة، فتظهر الفجوة بين قيمة تقدّم وقيمة تُستَلم. المسألة هنا لا تتعلّق بثمن الهديّة، بل بـ قيمة المعنى: أيّ سرديّة يمكن أن تسوّغ اختزال تاريخ أمّة كاملة في مقابل قارورة عطر صغيرة لا تطيق عبء الذاكرة، ولا تمثّل تضحيات شعب يعيش يومه بأمل مكسور؟!

لكنّ المفارقة الأشدّ لا تكمن فيما يُقدَّم، بل فيما يُخفى، ففي الوقت الذي تُرفع فيه رموز الماضي أمام عدسات الكاميرات، تعاني المدارس نقصاً في الكتب، ويُجبر الأهالي على طباعتها على نفقتهم الخاصّة، وتتقلّص وظيفة الدولة تُجاه مواطنيها، بينما يتضخّم حضورها الحسّيّ: افتتاح مُصلّى في مدرسة، أو بثّ مشاهد احتفاليّة، أوالترويج للنوتة المُهداة والمُصلّى وكأنّهما إنجازان كافيان لطمأنة مجتمع مُنهك. إنّها لحظة الانتقال من وجود الدولة في حياة الناس إلى تجسّدها في صورة الأشياء.

وهذا ما يمكن وصفه بـ الاستبداد الحسّيّ:

هيمنة السلطة على كيفيّة سماع الحدث (النوتة)،

وشمّه (العطر)،

ورؤيته (مشاهد المُصلّى)،

وتفسيره (نقص الكتب).

إنّه نمط من الحكم يمارس من فوق الوعي؛ إذ توجّه الحواسّ لصناعة مشهد يبدو متماسكًا ظاهريًّا، فيما تنهار المؤسّسات بصمت، حيث الدولة تصبح مرئيّة في الصوت، والصورة، والرائحة، لكنّها تختفي من الصحّة، والتعليم، والماء، والخبز، والكتاب.

وفي هذا السياق، يبرز جمهور يحتفل بما يُعرض عليه. هذا الجمهور لا يعيش في غفلة، بل يقع ضمن ما تُسمّيه نظريّات الخطاب «صناعة التصديق»: إذ يؤسّس تشكيل وعيه ليتلاءم مع الصورة بدلًا من الواقع. يصفّق لرموز تُلمّع في الواجهة، بينما تنهار المؤسّسات في الخلفيّة. وهكذا يتحوّل الاحتفال إلى جزء من البنية، وأداة بيد السلطة، وهنا ينوس التفاعل الشعبيّ لهؤلاء الناس بين صدى إعادة إنتاج الوهم ذاته، وإجبارهم على رؤية الحدث من زاوية الإيقاع الحسّيّ، لا من داخل احتياجاتهم الحقيقيّة.

وعلى مستوى أعمق، تتسلّل محاولةٌ لإعادة صياغة الهويّة السوريّة، فالتراث الذي يقدّم كهدايا يُنتزع من تنوّعه، ويُعاد إدخاله في سرديّة دينيّة-سياسيّة توظّف بوصفها تثبيتًا لمشروع جديد للهُويّة، لا تمثيلا للواقع الاجتماعيّ. إنّها «عمليّة إعادة تأطير للذاكرة»؛ تُستعمل فيها الرموز لإعادة كتابة الماضي أو محوه بما يوافق رؤية السلطة المتمثلة في (احتكار الحقيقة، وتجنّب ما يعكس طبقات التاريخ التي بناها السوريّون على مرّ القرون، وأخلاق القوة لا قوة الأخلاق، وإدارة المجتمع كملفّ أمني، وإدارة الخراب، وإعادة إنتاج الخضوع، والمحاسبة المؤجلّة إلى الأبد، وشرعية الدعم الخارجي…).

وعند هذه اللحظة، يغدو السؤال أوسع من السياسة، وأقرب إلى جوهر الهُويّة والكرامة:

ماذا يعني أن تُهدى ذاكرة وطن؟

وماذا يعني أن يتلقّى بلد هديّة لا تكافئ رمزيًّا ما قُدّم؟

وهل تكفي حواسّ مستعملة لتعويض غياب مؤسّسات منهارة، أو لملء الفراغ الذي يخلّفه سقوط الدولة؟

ليست مجرّد هديّة، وليست زجاجة عطر، إنّها بنية متكاملة من العنف الرمزيّ والاستبداد الحسّيّ، تنشأ داخل مشهد منسّق، يخفي وراءه ما هو أثقل من أيّ ذاكرة تُهدى، وأعمق من أيّ حاضر يتداعى.

وسط هذه الظلال، يبقى الحسّ الإنسانيّ هو وحده الفاعل المؤثّر القادر على فضح الفجوة بين ما يُعطى وما يُنتزع، بين ما يُعرض وما يُعاش، وبين وطن يستحقّ حياة حقيقيّة، وواقع يُعاد ترتيبه من داخل عدسة السلطة.

د حنين الغزالي

Scroll to Top