أحدث المنشورات
التصنيفات
كلمات مفتاحية
- Home
- مقالات
لم يمض نصف عام بعد على إعلان “الكتلة الوطنية السورية” حتى أصبحت هذه التجربة الوليدة التعبير الأكثر إثارة للجدل في الأوساط السياسية والمدنية السورية. وبقدر ما تشكل هذه المسألة محركا وباعثا على ولادة نوعية جديدة تكنس الوسائل والرؤى التي سادت لسنوات وآلت إلى مجموعات خرج معظمها من تجارب متعددة للفشل السياسي لأشخاص وأحزاب ومجموعات قدموا الغالي والنفيس، سواء على صعيد التضحيات الشخصية أو الجماعية، وكانوا يصطدمون بصخرة دول عظمى وصغرى تعتبر الولاء لها شرطا واجب الوجوب للاستمرار في الحياة السياسية والعامة داخل وخارج هذه البقعة الجغرافية من العالم التي تكالبت عليها الدول وجعلت منها “صيدة” لكل طامع بمكان تحت شمس شرقي المتوسط. ورغم أن ثلاث مجموعات قد أطلقت على نفسها اسم “الكتلة الوطنية السورية”، منذ 2021، فإن الإعلان الجديد كان مختلفا، وتلقى احتضانا وطنيا فاق توقعات من أطلق هذه الكتلة أنفسهم. ولكن للأسف، حتى داخل النواة الأولية للنشأة، لم تتبلور جيدا الإجابة على عدة أسئلة مركزية مشروعة تطرح على كل ولادة سياسية جديدة:
– من نحن؟
– ما هي الرؤية التي نحملها للواقع الذي نعيش فيه وما هي معالم المشروع السياسي المدني الذي نتبناه؟
– هل يمكن أن نتمكن من تجاوز أوضاعنا البائسة دون ابتكار وسائل النضال الأنسب للحقبة التي نعيش فيها… لأن العديد من عناصر انطلاقة الكتلة الوطنية السورية لم يكن عندهم التصور الواضح لضرورة بناء تجمع سياسي من نمط نوعي مختلف. فالبعض يحمل في جعبته تجربة “الجبهة الوطنية السورية” البائدة، والتي شهدنا موتها في بلدان أوربة الشرقية قبل أربعين عاما وفشلها في إعلان دمشق والمجلس الوطني السوري، كذلك في توليفة هيئة التنسيق الوطنية التوفيقية التي حملت أمراض الأحزاب المشاركة فيها إلى صلب تجربة حاولت الجمع بين المستقلين والمجتمع المدني والأحزاب التقليدية، وانتهت بمصادرة الحزبية للمشروع الوطني بعد تصفية رموزه، كذلك في البناء التنظيمي لمجلس سوريا الديمقراطية الذي لم يأخذ العبر من هذه التجارب المؤلمة.
بكل أسف، ضمت الكتلة في انطلاقها كل ما يمكن أن يسمح للحزبية التقليدية بالتواجد بثوب جديد دون أية مراجعات لكل إرثها السياسي بعجره وبجره… لذا كان إصراري منذ اليوم الأول لاجتماع البدايات، على تفريد الانتساب للكتلة ورفض صيغة الانتساب الجماعية من أي حزب أو منظمة مدنية. وجعل الانتساب يقوم على عهد شرف شخصي وقسم يؤديه كل شخص بوصفه مواطنا ومواطنة سورية تجاه عمل جماعي مشترك يقوم على أسس دستورية وبرنامجية واضحة يحترم فيها مسائل مركزية فوق دستورية وعهد شرف مشترك واضح المعالم:
– السعي المشترك لبناء الدولة الوطنية الديمقراطية المدنية الحديثة التي تضمن المساواة التامة بين المواطنين، رجالاً ونساءً، في الحقوق والواجبات وحرية الأشخاص، انطلاقاً من الإقرار بمبدأ المواطنة الذي ينظر لجميع المواطنين بشكل متساوٍ بغض النظر عن انتماءاتهم المختلفة.
– الالتزام بالعقد الاجتماعي الذي رسخه الآباء المؤسسون للدولة السورية منذ مئة عام، القائم على مبدأ: الدين لله والوطن للجميع، وحيادية الدولة نحو كافة الأديان والمعتقدات، ووحدة الأراضي السورية أرضاً وشعباً، ورفض ومقاومة المحتل، أيّاً كان، لأراضٍ سورية وبكافة السبل التي أقرّتها الأمم المتحدة.
– الديمقراطية هي جوهر هذا النظام، بمفهومها المعاصر الذي توصّلت إليه تجارب شعوب العالم، والتي تستند خصوصاً إلى مبادئ سيادة الشعب عن طريق الانتخاب الحرّ وتداول السلطة، وإلى حرية الرأي والتعبير والتنظيم، ومبادئ التعددية والمواطنة وحقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية، واستقلال السلطات وسيادة القانون.
– احترام التنوع المجتمعي ومعتقدات ومصالح وخصوصيات كل أطياف الشعب السوري، وعدم السماح، تحت أي ظرف ولأيّ كان، بالإساءة إليها أو بانتهاكها أو بتقييد دورها في الحياة العامة، والإقرار بحقها في التطور والرعاية كونها جزءاً أصيلاً لا غنى عنه في جسد الشعب السوري الموحَّد.
– التشجيع بالقول والفعل على التواصل والتفاعل الودي والإيجابي، السلمي والأخوي، بين جميع ألوان وأطياف الشعب السوري بلا استثناء، وعدم السماح بما من شأنه إثارة الفرقة أو الخلاف أو التوتر أو البغضاء بينها، وعدم ممارسة، أو القبول بممارسة، أيّ سياسات تمييزية أو إقصائية أو مجحفة ضد أي طائفة أو جماعة قومية سورية.
– عدم استخدام العنف أو القبول باستخدامه تحت أي ظرف كان، الآن ومستقبلاً، وعدم التعامل بغير سياسات اليد الممدودة والقلب المفتوح، والحفاظ على أمن وكرامة وحرية كل أطياف الشعب السوري، وعدم القبول بالاعتداء على أي جزء من أجزائه أو انتقاص حقوقه، وعلى رأسها حقه في الشراكة الوطنية في جميع مستوياتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
– العمل المشترك لإزالة كل ما هو غريب عن تاريخ وممارسات جميع أطياف الشعب السوري، الطائفية والاثنية، التي كانت دائماً موحَّدة ومنفتحة بعضها على بعضها الآخر، ضمن مخيال جمعي مشترك، مؤتلفة ومتعايشة تحت سقف الأخوّة والعيش المشترك، ومتكاملة المشاعر والأفكار والمعتقدات، وهو ما جعل بلادنا واحة سلام وأمن أهلي ومدني.
– مقاطعة وإدانة كل جهة تساهم، سواء بالكلام أو بالفعل، في بثّ الفرقة وافتعال التناقضات بين المواطنين في المجتمع السوري الذين يتعرّضون، جميعاً بلا استثناء، للقمع والحرمان.
– الامتناع عن كافة الأعمال والممارسات غير القانونية التي تثير المواطنين ضد بعضهم بعضاً، وتسبّب الأذى للأشخاص والممتلكات العامة والخاصة، وإدانة تلك الأعمال وتجريمها، ودعوة جميع المواطنين إلى نبذ القائمين بها، كائناً من كانوا.
هذا مع التأكيد على الالتزام الدستوري بلا مركزية الدولة وضرورة صناعة الأنموذج السوري للامركزية عبر مؤتمر وطني سوري جامع مع التأكيد على اعتبار الجيش والقوات المسلّحة والشرطة وأجهزة الأمن، مؤسسات وطنية حيادية في الحياة السياسية والإيديولوجيات. وعلى هذا الأساس كان الحوار مع المنظمات والتجمعات السورية المعارضة، وعليه أيضا، يجري الحوار منذ أسابيع من أجل وثيقة وطنية مشتركة للمبادئ الأساسية مع عدد هام من الأحزاب والقوى والشخصيات الديمقراطية، وجرى توقيع وثيقة الخطوط الوطنية الحمراء مع الحزب الدستوري السوري في 6 أكتوبر 2025.
هذه هي المنطلقات الأساسية في تكوين الشخصية الاعتبارية للكتلة الوطنية السورية. وما من شك أن هذه المشتركات تجمع كل المنتسبات والمنتسبين للكتلة الوطنية السورية، ليس باعتبارها تجمع أحزاب وتنظيمات سياسية أو مدنية وإنما باعتبارها نقطة لقاء لكل السوريات والسوريين الأحرار، على مختلف انتماءاتهم السياسية والمدنية والحقوقية… كأشخاص أحرار التزموا بهذه المشتركات.
لذا فإن الحوار والتنسيق والبناء لمشتركات نضالية مع الأحزاب والقوى السياسية والمدنية مهمة يومية لتوسيع المشتركات الوطنية المواطنية بين الديمقراطيين، وبناء غرف عمليات دائمة معهم، دون أن يكون لأي حزب لا صفة الانتساب كحزب أو أي كوتا حزبية داخل جسم الكتلة الوطنية السورية.. ولحسن الحظ، فإن الكتلة تضم كوادر هامة من أكثر من عشرة تيارات وقوى سياسية بصفتهم أفراد أحرار قبلوا فكرة العمل الجماعي المشترك لبناء هذه التجربة الجديدة والمبتكرة.
وحتى لا تبقى “السرية” حاميا لأي توجهات حزبية كانت، لتغيير نهج الكتلة هذا، صار من الضروري اليوم، أن تكون الشفافية والوضوح سياسة واضحة للجميع: الكتلة الوطنية السورية ليست تجمع أحزاب أو تعمل بتوجيهات أحزاب، وأي نشاط باسم هذا الحزب أو ذاك، لا يعبر عن فكرة ومشروع الكتلة، بل يتعارض مع منطلقات الكتلة الأساسية. من حق من يتوهم أن الكتلة تحالف بين حزبي، أن يتابع نشاطه لوحده، ولن يطالبه أحد لا بتغيير الاسم ولا الرسم، فالكتلة الوطنية السورية، مثل “المعالج النفسي”، تعبير غير محمي بالقانون وليس ملكية خاصة لأحد (يوجد حتى الآن ثلاثة هياكل تستعمل الاسم نفسه أحدها تقدم مؤخرا لسلطة الجولاني بطلب الترخيص)…
ولكن السوريون والسوريات يعرفون جيدا بأن “الكتلة الوطنية السورية” التي نتحدث عنها، حركة معارضة مستقلة عن كل الأحزاب السياسية، مستقلة عن كل الدول والإيديولوجيات. وكجسم مستقل تتحاور وتنسق وتشبك مع كل الديمقراطيين والديمقراطيات الذين يتقاطعون مع أطروحاتها الأساسية ومع نضالاتها ومواقفها اليومية.
الدكتور هيثم مناع