خطاب بلا خصوم… مواجهة الجميع بصمت أخلاقيّ

أحدث المنشورات

الانتصار النسبي في النزاعات غير المتكافئة
REVOLUT
الانتصار النسبي في النزاعات غير المتكافئة
قراءة جيوسياسية–اقتصادية–عسكرية في موقع إيران ضمن معادلة الصراع مع الولايات المتحدة في الأدبيات الكلاسيكية...
التفاصيل
بيان دعم وتضامن من الكتلة الوطنية السورية مع حراك 17 نيسان
BAYAN
بيان دعم وتضامن من الكتلة الوطنية السورية مع حراك 17 نيسان
يا أبناء شعبنا… يا أصحاب الصوت الحر… يا من وقفتم دفاعًا عن حقّكم وكرامتكم… تؤكد الكتلة الوطنية السورية...
التفاصيل
من درع الجزيرة إلى الناتو الخليجي
GOLPH
من درع الجزيرة إلى الناتو الخليجي
 هل يتغير نظام الأمن في الخليج؟ المقدمة شهد النظام الأمني في منطقة الخليج العربي خلال العقود الأربعة...
التفاصيل
التحول الجيوسياسي
geopolitical
التحول الجيوسياسي
من “رأسمالية الاستقرار” إلى “اقتصاد الفوضى” أولاً : فلسفة التحول — حين أصبح الاستقرار...
التفاصيل
في دلالات «التسمية» و«التصنيف»
FOCO
في دلالات «التسمية» و«التصنيف»
قراءة فوكويّة في خطاب المرحلة الانتقاليّة السوريّة اللّغة وسيلة يعبّر بها الإنسان عن الواقع، وهي أيضاً...
التفاصيل

التصنيفات

كلمات مفتاحية

إنّ الثوابتَ الوطنيةَ ليست وجهةَ نظر، بل بوصلةَ انتماءٍ\ لا تتبدّل؛ وموقفي منها لا يتغيّر، فلا أؤمن بتقسيم الأرض، ولا بتبرير الشكر لأيّ قوًى أو أطراف أسهمت في إضعاف سيادة الوطن أو النَّيل من كرامته،

غير أنّ البيان الأخير للهجري يخرج من سياق المواقف السابقة، ليشكّل لحظة استثنائية في الوعي واللغة تستحقّ التأمّل بعين الباحث وضمير المواطن..

لحظة حسّاسة تشتدّ فيها الضغوط، وتتصاعد فيها التحدّيات، يتقاطع خلالها الخطاب الإنساني مع السياق السياسي، وضمن هذا المشهد، يبرز خطاب الشيخ حكمت الهجري بوصفه نداءً وجدانيًا يعبّر عن معاناة تتجاوز الحدود المحلية.

في هذا الفضاء يتّخذ بيان الشيخ الهجري شكل نداء إنساني واضح، لا يتقاطع كثيرًا مع اللغة السياسية المعتادة، بل يميل إلى البنية العاطفية التي تستند إلى استثارة الضمير.

وهذا التحليل يقدم قراءة تفصيلية للخطاب استنادًا إلى منهجية تحليل الخطاب السياسي-الإنساني، موزعة على أربعة محاور رئيسة: الدلالة، والتداول، والسياق، والأيديولوجيا.

تأسيساً على ما سبق يتكوّن الخطاب من ثلاث مراحل متتابعة، تبدأ بتوصيف دقيق للواقع المعيشي المتدهور، من حصار خانق، وانقطاع للمواد الأساسية، وتضييق ممنهج على سُبل الحياة، ثم ينتقل إلى إعلان الموقف، إذ تُحمّل القوى الدولية مسؤوليّة إنسانية وأخلاقية تُجاه ما يحدث، وأخيرًا، يصل الخطاب إلى ذروته بالدعوة إلى الفعل، والمطالبة بالتدخّل الفوري ورفع الحصار. هذه البنية تعكس انتقالًا محسوبًا من التشخيص إلى المناشدة، وهو أسلوب يركّز على البعد الوجداني بوصفه مدخلًا أخلاقيًا للتأثير، لا بديلاً عن العقل، بل شريكًا له في توجيه الرسالة.

في مستواه الدلالي، يتأسّس الخطاب على معجم قِيَمي وإنساني واضح، ويكثف دلالاته في كلمات محورية مثل: الكرامة، والحياة، والمدنيّين، والضمير، والعدالة، والحرية، والإنسانية… هذا المعجم يتجاوز الاصطفافات الضيّقة، ويضع الإنسان في قلب الاهتمام، في محاولة لاستدعاء تعاطف يتخطّى التقديرات السياسية أو الفئوية، كما يتجنّب الخطاب المعجم الصراعي أو التحريضي، وهذا ما يشير إلى حِرص المتحدث على استعمال لغة جامعة لا تقسّم، وعلى ذلك تعزّز الأفعال التي يستخدمها، مثل: نطالب، ونناشد، ونأمل، ونذكّر… هذا التوجّه الجمعي، وتمنح الخطاب بعدًا وطنيًا موحّدًا، يعكس هُويّة جماعية تتشارك الألم ومسؤوليات الحلّ.

وعلى المستوى التداولي، يعيد الخطاب تموضع مصدر الشرعية الأخلاقية، جاعلًا من الألم والمعاناة قاعدة يستند إليها، بدلًا من القوّة أو التمثيل الرسمي، لذلك يوجّه الخطاب رسالته إلى المجتمع الدولي بوصفه مرجعيّة أخلاقية، لا كطرف في الصراع، محاولًا استعادة الاهتمام العالمي بالوضع الإنساني من خلال القنوات الحقوقية والقانونية، وبناءً على هذه المقاربة يعكس استخدام الضمير “نحن” وعيًا بصياغة هُويّة جماعية تتجاوز الانقسامات المحليّة، ويمنح المتكلّم موقعًا ينطق فيه باسم ضمير جمعي متألّم لا باسم فئة محددة، واللافت، هنا، أن الخطاب لا يطرح نفسه كممثّل سياسي، بل كشاهد أخلاقي على الواقع، مما يُضفي عليه مسحة من الصدقيّة الوجدانية، فلم يخرج الفعل السائد عن هدف الاستنهاض، الذي يجمع بين التحريض الإيجابي واستدعاء التعاطف، في محاولة لحثّ الضمير العالمي على التحرّك والفعل.

أمّا على المستوى السياقي، فيأتي الخطاب في ذروة ضغط معيشي واقتصادي خانق في محافظة السويداء، مما يُضفي عليه مشروعيّة نابعة من الواقع المباشر، لكنه، في المقابل، لا يدخل في تفاصيل تقنيّة، أو تسميات مباشرة، بل يختار منحى تأويلياً في بعض الأحيان، ولغة رمزية عالية تتفادى الاصطدام مع الأطراف الفاعلة، وهذا الخيار يعكس رغبة في إبقاء مساحات الحوار مفتوحة، ويُظهر نضجًا في بناء خطاب يمكن أن يجد صدى في المحافل الدولية، كما أنّ الابتعاد عن تحديد المسؤولين بالاسم ليس ضعفًا، بل استراتيجية خطابية واعية، تحمي الخطاب والمتحدث، وتمنحه قابليّة التلقّي من جمهور متنوّع، بما في ذلك الجهات الأممية والدولية.

ومن الناحية الأيديولوجية، يستند الخطاب إلى وطنيّة أخلاقية غير صدامية، تنطلق من الإيمان بالعدالة، وتخفيف المعاناة، وبوحدة المصير الإنساني، فلم ينحز البيان إلى مشروع انفصال، ولم يدافع عن السلطة المركزية، بل تحرّك في منطقة رمزية وسطى تعيد بناء مفهوم الوطنية على أساس الإنسان قبل الأرض، والكرامة قبل الولاء. وبهذا، يقدّم نموذجًا لخطاب وطني جديد، يواجه أدوات القمع بالعقلانية والمناشدة الأخلاقية، لا بالشعارات أو العنف المضاد.

البيان، في مضمونه وأدائه، يؤدّي ثلاث وظائف متشابكة: فهو أولًا يذكّر العالم بملف إنساني منسي في الزحام السياسي، وثانيًا يستنهض الداخل من دون صدام، وثالثًا يوجّه رسالة رمزية إلى كل القوى بأن المجتمع المحلي لم يفقد صوته ولا ضميره.

في المحصّلة، يمثّل الخطاب نقطة تحوّل من السياسة الخشنة إلى الأخلاق الناعمة، ومن تمثيل الفئة إلى استنهاض الضمير الجمعي، ويحدّد موطن قوّته التي لا تكمن في التفاصيل السياسيّة أو الشعارات، بل في شرعيّة الألم التي ينطلق منها، ومن هنا، يعيد صياغة مفهوم السلطة الخطابية في الواقع السوري، حينما ينقلها من سلطة السلاح إلى سلطة الكلمة، ومن منطق القوّة إلى منطق الضمير.

د حنين الغزالي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top