الجيش الوطني.. حلم يتنازع عليه الواقع

أحدث المنشورات

الانتصار النسبي في النزاعات غير المتكافئة
REVOLUT
الانتصار النسبي في النزاعات غير المتكافئة
قراءة جيوسياسية–اقتصادية–عسكرية في موقع إيران ضمن معادلة الصراع مع الولايات المتحدة في الأدبيات الكلاسيكية...
التفاصيل
بيان دعم وتضامن من الكتلة الوطنية السورية مع حراك 17 نيسان
BAYAN
بيان دعم وتضامن من الكتلة الوطنية السورية مع حراك 17 نيسان
يا أبناء شعبنا… يا أصحاب الصوت الحر… يا من وقفتم دفاعًا عن حقّكم وكرامتكم… تؤكد الكتلة الوطنية السورية...
التفاصيل
من درع الجزيرة إلى الناتو الخليجي
GOLPH
من درع الجزيرة إلى الناتو الخليجي
 هل يتغير نظام الأمن في الخليج؟ المقدمة شهد النظام الأمني في منطقة الخليج العربي خلال العقود الأربعة...
التفاصيل
التحول الجيوسياسي
geopolitical
التحول الجيوسياسي
من “رأسمالية الاستقرار” إلى “اقتصاد الفوضى” أولاً : فلسفة التحول — حين أصبح الاستقرار...
التفاصيل
في دلالات «التسمية» و«التصنيف»
FOCO
في دلالات «التسمية» و«التصنيف»
قراءة فوكويّة في خطاب المرحلة الانتقاليّة السوريّة اللّغة وسيلة يعبّر بها الإنسان عن الواقع، وهي أيضاً...
التفاصيل

التصنيفات

كلمات مفتاحية

هل نريد جيشًا يحمي كل السوريين، أم جيشًا يخدم من يملك السلطة فقط؟

هذا السؤال ليس مجرد فكرة نظرية، بل واقع ينعكس يوميًا في حياة الناس وقرارات مؤسساتهم، إذا لم توضع أسسًا واضحة لبناء الجيش، سيظل مجرد مرآة لحسابات القوة والطائفية، لا عنوانًا لوحدة الوطن ولا حماية حقيقية لمواطنيه.

منذ أن صار الانقلاب مفتاحًا لدخول قصر القرار، وعند عقدة 1963 حينما أُعيد تشكيل الدولة على إيقاع البعث، اكتسب الجيش دلالتين متناقضتين، قوة حامية وطنًا أو أداة حامية لنظام، غير أن التاريخ اختار، والقادة اختارت معه، أن يكون مرآةً لهم لا انعكاسًا للشعب.

وحين تتحدث الكتلة اليوم عن “بناء جيش وطني”، فإنها لا تتحدث عن مؤسسة جديدة فقط، بل عن تصحيح تاريخي لمسار أجهض منذ عقود، فالكتلة الوطنية، حين نشرت رؤيتها، لم تكن تنظر من برج سياسي، بل تحاول أن تضع حجر الأساس لما لم يبنَ بعد، ورقة تقول بشكل جلي “لا جيش وطني بلا تنوع، ولا ولاء للسلاح إلا للوطن”.

الكتلة الوطنية لم تكتب ورقتها كدفعة ورقية عابرة، ولم تطلب، إذ هي طلبت، مجرد إصلاحات شكلية أو ترقيعات مؤسسية، هي تقول بصوت عال إن بناء جيش وطني حقيقي لا يبدأ من أدراج السياسات الضيقة، بل من عقد مشروع وطني جديد ومصالحة شاملة ودمج حقيقي وإعادة تأهيل لمؤسسات انهارت.

لماذا؟ لأن الجيش، عبر التاريخ السوري، كان دوماً سلطة موازية أو واجهة لسلطة مركزية، ومن يمسك دفة الجيش فدائمًا ما يمسك مفاتيح الحكم.

وربما لهذا تحديدًا، جاءت ورقة الكتلة الوطنية لا لتكرر الخطاب، بل لتقدم رؤية تحاول الإجابة عن السؤال المؤجل منذ سقوط النظام السابق، كيف يمكن توحيد البندقية؟ فحتى الآن، لم ترسم آلية حقيقية لدمج “الفصائل” تحت راية وطنية واحدة، وما زالت التشكيلات المسلحة في الشمال السوري تعمل منفردة.

في المقابل، برزت جماعات ارتكبت انتهاكات في قرى الساحل والسويداء، وحين سئل من هؤلاء؟ قيل إنهم ليسوا من “الجيش” ولا من قوى الأمن، لكن أحدًا لم يجب عن السؤال الأهم “إذا لم يكونوا من الجيش، ولا من الأمن، فمن يكونون إذًا”؟، وذلك الفراغ في الهوية هو ما يجعل السلاح في سوريا بلا عنوان، ويجعل من فكرة “الجيش الوطني” أقرب إلى شعار معلق بين الخيال والضرورة.

هذا الطرح إنما هو قراءة لدرس مرير، فالجيوش الفصائلية تتحول إلى ميليشيات، والميليشيات تتحول إلى حكومات ظل، لذلك تطالب الكتلة بقاعدة لا تقبل الالتواء “وحدة وطنية تبنى على ثقة متبادلة، وحوار يجمع من خرج ومن طرد ومن بقي”، لأن أي دمج سطحي أو محاولات تصفية ستؤدي إلى جيش أقوى في الشكل وأضعف في المضمون، جيش خاضع لزعامات محلية أو أجندات إقليمية.

تذكروا التاريخ السوري، انقلاب تلو انقلاب، ثم عهد واحد أطاح بوجوه كثيرة وحافظ على جهاز أُعد ليصون نظامًا لا وطنًا.

هذه التجربة تعلمنا درسًا واحدًا صارخًا، لا يمكن أن نعيد تشكيل مؤسسة عسكرية دون قطعها عن العقدة التي وظفتها في الماضي، وإلا فستتحول كل محاولات البناء إلى إعادة تصنيع لنفس الآلية، بل بصيغة أكثر خطورة، جيش لسلطة واحدة، لا لبلاد بأكملها.

لهذا السبب تتجه مطالب الكتلة إلى أفعال عملية لا بيانات نظرية، تبدأ من مصالحة تعيد الثقة، وفتح شعب التجنيد لتضم مختلف شرائح المجتمع، وإعادة تأهيل الكادر المؤهل بلا دم مسفوك أو اسم ملطخ، شفافية في الميزانيات والترقيات، وتنويع مصادر السلاح للحفاظ على القرار الوطني.

وإذ كان هناك خطاب رسمي، أو ما يصور على أنه رسمي، يعلن أن الجيش “جامع للسوريين”، فأنه يصدح بجملة رنانة، لا تفرض نفسها على الواقع، فالجمع يصبح شعارًا عندما يكون الجيش ممثلًا لكل أطياف المجتمع، وإلا فهو مجرد واجهة صورية، وعليه إذ ذاك تدرك الكتلة أن الشعار لا يخلق الوحدة، بل المؤسسات والعدالة هي التي تفعل.

كما تؤكد الكتلة أنه لا يمكن الحديث عن جيش وطني حقيقي طالما بقيت عناصر أجنبية ضمن صفوف القوات المسلحة أو الميليشيات، على اعتبار أن أي تواجد لهذه العناصر يفقد الجيش طابعه الوطني ويحوله إلى أداة لتحقيق مصالح خارجية، ويزيد هشاشة الدولة أمام التدخلات الإقليمية والدولية.

الورقة التي قدمتها الكتلة ليست مطالبة بالمثالية، بل برؤية واقعية لمسار، هي ليست هواءً نظريًا يطير مع أول ريح إقليمية، بل خارطة طريق لتقليص فرص الانزلاق، تطالب من خلالها بإعادة تعريف عقيدة الجيش، عقيدة تحصر مهمته في حماية السيادة وحدها، وبمنع التدخل العسكري ضد الشعب كقاعدة دستورية لا تفاوض عليها.

ولأن في التجربة السورية ما يكفي من حالات لتحذير الأجيال المقبلة، تؤكد الكتلة أن للخدمة الإلزامية بعدًا اجتماعيًا، وأن على الدولة أن تقدم بدائل شريفة، خدمة عسكرية أو مدنية، رواتب لائقة، تكوين مهني، وتعليمًا قانونيًا وحقوقيًا للمجندين.

لماذا طرحت الكتلة هذه الورقة الآن؟ لأن الفرصة تتشكل من الواقع والفراغ معًا، فالفراغ يرى في مؤسسات انهارت، والواقع نراه في رغبة قطعية لدى قطاعات لا تزال تريد أن تنتمي إلى دولة، لا إلى زعامات، والكتلة تطرح هذه الأسس لأنه لا يمكن بناء الجيش الوطني بتعهدات خطابية، بل ببنود عملية تقطع الطريق أمام تحويله إلى أداة سلطة.

الصحفي محمد مروان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top