أحدث المنشورات
التصنيفات
كلمات مفتاحية
- Home
- مقالات
لم تكن فكرة ومشروع الكتلة وليد التناقضات السياسية في سورية فقط، ولا للازمة السورية التي استمرت أربعة عشر عاما، بما حملت من ألام للشعب السورية، من سحق للقوى المدنية والسياسية الناشئة إثر انتفاضة 18 آذار 2011، وتعويم الإسلام السياسي وتسليحه، وتتطيف المجتمع السوري، والحصار الاقتصادي الذي فرضته القوى الغربية الاستعمارية. تحت حجج واهية، التي لا تصمد أمام حقيقة أهداف تلك القوى الاستعمارية وهي تدمير الدولة السورية بكل ما راكمت من عمل وبناء وناتج محلي منذ الاستقلال من الاحتلال الفرنسي حتى اليوم، وتدمير المجتمع السوري وتطييفه. إضافة للتهجير القسري، والتغيرات الديموغرافية، وما لعبته الدولة التركية ممثلة بحزب العدالة والتنمية من تدمير شبه كامل لكل مقومات الحياة الاقتصادية للشمال السوري (سرقة المعامل، تدمير البنية الزراعية والخدمية وسرقة مستلزماتها من سكك حديدية وقلع الأشجار المثمرة).
إن الفكرة والمشروع جاءت استجابة للتغيرات الجيوسياسية في المنطقة، بعد أن فرض على الشعب السوري من قبل أطراف دولية وإقليمية، سلطة بديلة للديكتاتورية لا تقل تطرفا وإجراما عن سابقتها، وإعادة السيطرة غير المباشرة للدولة التركية بالاتفاق مع القوى الدولية على القرار السوري( العثمانية سابقا التي احتلت المنطقة ما يقرب من 450 عاما بما حملت من مآسي ومذابح بحق جزء من شرائح المجتمع السوري، وتدمير كامل للمنطقة وحالة التخلف العلمي والمعرفي )، ليتكفل الكيان الصهيوني بتدمير ما تبقى من مقدرات الشعب السوري.
كل ذلك دفع مجموعة من الوطنيين السوريين للعمل على تلك الفكرة والمشروع، كي تكون رؤية بديلة عن كافة المشاريع المطروحة، الناتجة عن الأزمة السورية ومفاعيلها المدمرة خلال الأربعة عشر عاما بفعل الديكتاتورية الساقطة، وما نتج من تداعيات تدميريه فرضته سلطة الأمر الواقع ممثلة بهيئة تحرير الشام بالقوة وبوحشية.
تلك الرؤية تمثل بالنسبة للمنتمين للكتلة الوطنية البديل الحقيقي للمجتمع السوري، وأننا أمام مواجهه وجودية من أجل السيادة الوطنية، والحفاظ على وحدة الأرض والشعب السوري، وتكريس المواطنة الكاملة والمتساوية.
بداية علينا أن ندرك أن أي فكرة أو مشروع مهما كان نبيلا، أو يحمل في طياته أهداف واضحة وعقلانية، لا يمكن السير بهما دون حامل يحدد الطرق والأساليب والأداء في آليات العمل لتنفيذهما، ويمثل العتبة الأولى للانطلاق بهذه الفكرة أو المشروع، ويشكل الرافعة الأساسية في تكريسهما في الواقع وانتشارهما داخل المجتمع.
لكن السؤال الجوهري أمام مشروع الكتلة كيف يتحول هذا المشروع بعد الاستقبال الملموس والتفاعل معه من عدة أطراف سياسية وشرائح اجتماعية إلى الواقع العملي؟
أعتقد أن هذا الاستقبال والتفاعل مع المشروع جاء نتيجة لعوامل متعددة أهمها: الظرف الموضوعي الناتج عن طرح مشاريع سياسية غير وطنية، وما قبل الدولة الوطنية ذات طابع طائفي أو مناطقي أو قومي، المتعارضة مع أهداف الانتفاضة السورية ضد الديكتاتورية الساقطة والتي كان شعارها(الشعب السوري واحد)، توقيت إعلان المشروع، ووجود شخصيات عملت طويلا وذات مصداقية على المستوى الوطني والعربي والعالمي بتكريس مفهوم حقوق الإنسان والالتزام بها.
هذا الاستقبال يمكن اكتشاف معالمه من ردة الفعل لسلطة الأمر الواقع، وتحريك ماكينتها الإعلامية الضخمة والمساندة لمشروعها الديني المتطرف والتفتيتي للدولة والمجتمع، ضد هذا المشروع، إضافة لردة فعل القوى الأخرى، التي تجد في هذا المشروع تهديدا لمشاريعها التي تتقاطع مع مشروع سلطة الأمر الواقع، وتتغذى فيما بينها عليه، في تفتيت الدولة والمجتمع السوري رغم اختلاف شكله ومضمونه، لكنه له نفس النتيجة.
أيضا يمثل هذا الاستقبال والتفاعل تحميل الكتلة مسؤوليات ضخمة، عليها أن تفكر بطريقة عمل مختلفة وأن لا تكبل نفسها بالطرق السياسية القديمة، وأن لا تكون إضافة عددية للتشكيلات السياسية القديمة والناشئة، التي رغم أهدافها النبيلة لكنها مازالت تدور بنفس المكان، دون تشكيل حاضنة لها تؤمن تلك الأهداف النبيلة.
فالكتلة الوطنية السورية لا تقدّم نفسها كحزب سياسي تقليدي، ولا كتكتل معارض جديد يُضاف إلى المشهد السياسي، بل تسعى لتأسيس مشروع وطني مدني متكامل. مشروع يستند إلى سيادة القانون، والمواطنة الكاملة والمتساوية، ووحدة الأرض والشعب، بعيدًا عن الاصطفاف الإيديولوجي والهويات الفرعية.
أثناء عملي السابق في شركة إريكسون في السويد، حضرت محاضرة ألقاها مدير الشركة تحدّث فيها عن قصة مهندس اقترح، في خمسينيّات القرن الماضي، فكرة تصنيع هاتف يحمل باليد. قوبلت الفكرة بالسخرية، ووقف أحد الحاضرين ليُجسِّد المشهد ساخرًا وهو يقول: “هل سنمشي في الشوارع ونحن نحمل هواتفنا؟” فجرى رفض المشروع باعتباره خيالًا لا واقعية فيه.
واليوم، بات الهاتف المحمول جزءًا لا يتجزّأ من حياتنا اليومية. تلك الفكرة التي سُخِر منها يومًا ما، كانت مجرّد تفكير خارج الصندوق.
فالمشروع الوطني السوري؛ لا يمكن مواجهة واقع شديد التعقيد بأدوات تقليدية ثبت فشلها. نحن بحاجة إلى رؤيا جديدة، تعيد الاعتبار للقيم، وتستند إلى قوّة المجتمع، وتعبّر عن تطلّعات السوريين إلى وطن حر، عادل، موحّد وآمن.
فالقوى المجتمعية هي الركيزة الأساسية لأي مشروع وطني. ولا وجود لشرعية سياسية من دون شرعية اجتماعية حقيقية، ولا يمكن لأي مشروع أن يصمد ما لم يحظَ بالتفاف شعبي واسع، بوصفه الطرف المستهدف من رؤية الكتلة ومشروعها، والطرف الواجب على الكتلة خدمتها وتحقيق أمالها بالحرية والكرامة الإنسانية، والعدالة الاجتماعية، وعلى أن لا تكون ساحة للعمل فقط، بل هي القوى المجتمعية صاحبة القرار في التغيير وخلق حلول مبتكرة للتحديات التي تواجهها.
وتضع الكتلة فئة الشباب في مقدّمة أولويّاتها، نظرًا لكونهم الأكثر تضررًا من الحرب، وفي الوقت ذاته الأقدر على ابتكار حلول جديدة لبناء الدولة. ولهذا لا يكفي توجيه الخطاب إليهم، بل يجب العمل على تمكينهم من مواقع التأثير والمشاركة الفعلية في صنع القرار.
بداية لا بد من قواعد واضحة للاستمرار بهذا المشروع يقع على عاتق أعضاء الكتلة، فبدونه لا يمكن ترسيخه في الواقع المجتمعي دون :
الأول- ثقة المجتمع بأعضاء الكتلة من خلال المصداقية، الشفافية، النزاهة، المعرفة والخبرة، السلوك الإنساني.
الثاني- التعاون البناء بين أعضاء الكتلة من خلال تبادل الخبرات، الحوار، النقد البناء، وتبادل الأفكار.
الثالث- محاربة النزعة الفردية والذاتية والانتهازية من خلال الالتزام بالمبادئ وميثاق الشرف لأعضاء الكتلة، ومراقبة ذلك والإشارة مباشرة لأي انتهاك لهذه المبادئ وميثاق الشرف.
الرابع: إسقاط أي استثناء بطريقة إدارة العمل حتى لا يصبح قاعدة من خلال التركيز على مهام العمل لكل عضو وأهمية دورة في أي خطة يتم تبنيها من أعضاء الكتلة مجتمعين.
كل هذه القواعد تتطلب المشاركة بين كافة أعضاء الكتلة في اتخاذ القرار على أساس أن المشاركة تعني بالضرورة عمل تطوعي من جانب أعضاء الكتلة، بهدف التأثير على اختيار السياسات العامة للكتلة، وإدارة شؤونها، كما يستوجب التفاعل مع كافة المقترحات المقدمة من أعضاء الكتلة، لتحسين أداء عملها، والانخراط كورشة عمل متكاملة ومشتركة لتحقيق فكرة ومشروع الكتلة، كما تسهم المشاركة في تحقيق التضامن والتكامل بين أعضاء الكتلة.
كل ذلك في اعتقادي يحول الكتلة إلى ورشة للعمل، وبشكل مرن وشفاف لتحقيق هدفها لتشكيل حاضنة اجتماعية، تنقل تلك الرؤية والمشروع من حيزها النظري إلى التفاعل والفعل مع تلك الرؤية والمشروع، وهذا يتطلب إدراك حسي لدى الأغلبية من الشعب السوري، عبر طرق جديدة مبتكرة تستجيب للتطور التقني على كافة المستويات لآليات عملها وأدائها، يكون كل عضو فيها فاعل ومتفاعل بنفس الوقت، هذا التطور جعل من مفهوم شبكات العمل أهم إنجازاتها العلمية، لذلك في اعتقادي لا يمكننا تجاوز الواقع السياسي السوري وآليات عمله القديمة، التي تعيد التجربة بنفس الأدوات ظنا منها أنها سوف تحصل على نتيجة مختلفة، إلا بالتفكير الجدي والفعال لصناعة طرق جديدة تناسب التحديات المتسارعة التي تواجهنا .
ناصر الغزالي