عدالة انتقائية أم انتقالية؟

أحدث المنشورات

الانتصار النسبي في النزاعات غير المتكافئة
REVOLUT
الانتصار النسبي في النزاعات غير المتكافئة
قراءة جيوسياسية–اقتصادية–عسكرية في موقع إيران ضمن معادلة الصراع مع الولايات المتحدة في الأدبيات الكلاسيكية...
التفاصيل
بيان دعم وتضامن من الكتلة الوطنية السورية مع حراك 17 نيسان
BAYAN
بيان دعم وتضامن من الكتلة الوطنية السورية مع حراك 17 نيسان
يا أبناء شعبنا… يا أصحاب الصوت الحر… يا من وقفتم دفاعًا عن حقّكم وكرامتكم… تؤكد الكتلة الوطنية السورية...
التفاصيل
من درع الجزيرة إلى الناتو الخليجي
GOLPH
من درع الجزيرة إلى الناتو الخليجي
 هل يتغير نظام الأمن في الخليج؟ المقدمة شهد النظام الأمني في منطقة الخليج العربي خلال العقود الأربعة...
التفاصيل
التحول الجيوسياسي
geopolitical
التحول الجيوسياسي
من “رأسمالية الاستقرار” إلى “اقتصاد الفوضى” أولاً : فلسفة التحول — حين أصبح الاستقرار...
التفاصيل
في دلالات «التسمية» و«التصنيف»
FOCO
في دلالات «التسمية» و«التصنيف»
قراءة فوكويّة في خطاب المرحلة الانتقاليّة السوريّة اللّغة وسيلة يعبّر بها الإنسان عن الواقع، وهي أيضاً...
التفاصيل

التصنيفات

كلمات مفتاحية

قبل سقوط نظام الأسد بأشهر قليلة، كانت المناطق الخاضعة لسيطرة “هيئة تحرير الشام” تشهد احتجاجات لأهالي المعتقلين، تعالت خلالها أصوات أمهات وأبناء خرجوا إلى الشوارع، يرفعون صور أبنائهم الذين غيبتهم الزنازين، ويهتفون ضد الاعتقال والاختفاء القسري.

لكن اللافتات التي رفعت يومها لم تحمل صور أبنائهم وحدهم، بل حملت أيضًا صورة الجولاني نفسه، وقد كتب تحتها: “الوجه الجديد للأسد”، كأن الزمن يدور في حلقة مغلقة، يعيد إنتاج القامع بزي المنقذ، والجلاد بشعار “الثورة”.

كانت تلك الاحتجاجات صرخة مبكرة ضد تكرار المأساة، لكنها ضاعت وسط ضجيج الشعارات، وأصوات الخطب التي ترفع رايات الحرية فيما يمارس القمع.

اليوم، وبعد سنوات من تلك المظاهرات، يطل الجولاني من موقع السلطة، معلنًا عن تشكيل هيئة العدالة الانتقالية، في خطوة قد تبدو من بعيد استحقاقًا قانونيًا، أو محاولة لتصفية إرث الانتهاكات، غير أن الحقيقة أكثر تعقيدًا، فالرجل الذي أعلن عن هذه الهيئة هو ذاته من ترأس سلطة ارتكبت ما تنص اتفاقيات جنيف الأربع واتفاقية روما عليه، من الاختفاء القسري، والتعذيب، والإبادة، بل إن ملامح تلك الجرائم برزت بوضوح خلال أحداث الساحل والسويداء، حيث شهد السوريون وجوهًا جديدة تنسخ وجوه الماضي، وأجهزة جديدة تمارس القمع بذات الأدوات القديمة.

في هذا السياق يبرز السؤال الأثقل، سؤال لا يمكن تجاوزه ولا تجميله، هل تستطيع هيئة العدالة الانتقالية التي شكلها رأس السلطة نفسه، أن تحقق العدالة بحق من هم جزء من هذه السلطة؟.

ثم ما معنى تأكيد هيئة العدالة الانتقالية أن القانون سيكون “بأثر رجعي”، إذا كان هذا الأثر لا يمتد، غالب الظن، إلا باتجاه واحد؟ هل سيحاكم القتلة من كلا المعسكرين، أم سيحاسب فقط أولئك الذين رحلوا، بينما ينجو من أمسك بزمام الحكم؟.

الخطر هنا لا يكمن في “العدالة” ذاتها، بل في الانتقائية التي تهدد جوهرها، لأن العدالة التي لا تشمل الجميع، تتحول إلى غطاء شرعي يجمل وجه السلطة، وتصبح “الانتقالية” مجرد اسم جميل لممارسة انتقامية، أو عدالة أحادية الجانب.

العدالة الانتقالية، في معناها الحقيقي، ليست محكمة تصدر أحكامًا، بل سيرورة طويلة لإعادة ترميم الثقة بين الدولة والمجتمع، واستعادة الحقوق، وجبر الضرر المادي والمعنوي، وضمان ألا تتكرر الانتهاكات، لكن في سوريا، هذه المفاهيم تصطدم بجدار الواقع الصلب، من صعدوا إلى سدة الحكم وأحكموا قبضتهم على مركز القرار اليوم هم أنفسهم من مارسوا الانتهاكات بالأمس، فكيف يمكن أن يحاكم الجاني نفسه؟ وكيف يطلب من بعض الضحايا أن تثق بمؤسسة صاغها من تسبب بجرحها؟.

الكتلة الوطنية السورية، في ورقتها الأخيرة حول العدالة الانتقالية، حاولت إعادة تعريف المفهوم ضمن سياقه السوري، فشددت على أن العدالة تعني الاعتراف بالجرائم، والإصلاح القانوني والاجتماعي، وضمان الشفافية والاستقلالية، وحماية لحقوق المدنيين، وجبرًا للضرر، ومنعًا لتكرار الانتهاكات.

إن أي حديث اليوم عن عدالة انتقالية في سوريا، لا يمكن أن يكون ذا معنى إن اقتصر على طرف واحد، فالعدالة الانتقائية تقتل العدالة نفسها، وتحولها إلى واجهة شرعية تغطي على الفساد والعنف، والقانون بأثر رجعي، إن لم يطبق على الجميع، يصبح أداة لتبييض صفحة السلطة الحالية، بدلًا من أن يكون وسيلة لإنصاف الضحايا.

منذ أكثر من عقد، ينتظر السوريون عدالة حقيقية، تعيد التوازن لعالمهم المختل، وتنصف أولئك الذين فقدوا، وعذبوا، وقتلوا بلا محاكمة، لكنهم اليوم أمام نسخة جديدة من الماضي، سلطة تتحدث باسم الثورة، وتحاكم باسم العدالة، فيما تبقى جرائمها طي الكتمان.

الرهان الآن ليس على البيانات ولا على لجان التحقيق، بل على وعي المجتمع وقدرته على فرض المحاسبة الشاملة، دون تمييز بين نظام وآخر، أو بين علم وشعار، لأن العدالة، إذا لم تكن شاملة، ستظل مجرد قناع يخفي وجه السلطة، وسيظل الإفلات من العقاب هو الحقيقة الوحيدة الثابتة في بلد تغير فيه كل شيء، إلا القمع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top