أحدث المنشورات
التصنيفات
كلمات مفتاحية
- Home
- مقالات
تحليل نقدي لخطاب أحمد الشرع أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة
تمهيد
جاء خطاب أحمد الشرع، المعروف سابقًا بــ «أبو محمد الجولاني»، أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، محمولًا على سردية ملحمية تُعيد إنتاج الصراع التاريخي بين «الحق» و«الباطل»، وتَعِد بفصل «مشرق» من العدالة والازدهار، غير أن هيمنة اللغة الرمزية على الخطاب لا تُغني عن تحليل منهجي لمضامينه، وأدوات شرعتنه، ومدى اتساقه مع الوقائع المثبتة.
في هذا النص، لا نتعامل مع الخطاب بوصفه إعلانًا سياسيًا، بل بنية ً لغوية وخطابية تتضمّن اختيارات واعية، وامتناعات ذات دلالة.
وتُبنى هذه القراءة على ثلاث زوايا تحليلية:
- تفكيك البنية البلاغية والنصية.
- المقارنة بالوقائع الموثّقة.
- تحليل أثر الخلفية الجهادية للمتكلّم في هندسة شرعيته السياسية.
- ثنائية «الحق/الباطل»: من الرمزية الدينية إلى الشرعنة الهجينة
يبنى الخطاب على الآية القرآنية: »جاء الحق وزهق الباطل «، في إسقاط مباشر على مشروع سياسي حديث يتحدّث عن الدولة، والانتخابات، والعدالة الانتقالية، والاستثمار. هذا الانتقال من المرجعية الدينية إلى لغة الدولة لا يبدو عفويًا؛ بل يمثل ما تصفه أدبيات تحليل الخطاب بـ »الشرعنة» (Legitimation)»؛ أي التسويق لفكرة السلطة عبر قيم عُليا، أو منفعة عامة، أو إجراءات مؤسسية.
اللافت هنا هو تجميع طبقات متعدّدة من الشرعية في خطاب واحد: من قداسة الحق، إلى سردية الفصل الجديد، ثم إلى وعود تفصيلية تتعلق بالبنية الإدارية المتخيّلة، وهذه البنية المركّبة، بالطبع، تصنع ما يشبه “جسر قبول” بين جمهور تعبويّ وآخر مؤسسيّ.
- إعادة تقديم الذات: من جبهة النصرة إلى منصة الأمم المتحدة
الشرع، بحسب سجلات مجلس الأمن، قيادي جهادي ومؤسس «جبهة النصرة»، وهو مُدرج على لائحة العقوبات (QDi.317).
هذه الخلفية التي تُثقل الخطاب وتشكل عبئاً واضحاً عليه، فرضت على المُرسل إستراتيجيات مُخطط لها لإعادة التموضع السياسي. ولهذا ينتقل الخطاب من مستوى النبرة الدينية–الثورية، إلى مستوى لغة الدولة ومؤسساتها.
لكن هذا الانتقال، بالرغم من أهميته الرمزية، يظل غير كافٍ ما لم يُدعّم بـ:
- اعتراف واضح بالماضي التنظيمي.
- آليات داخلية للمساءلة.
- خطاب مصالحة يتجاوز الرمزية ويخاطب الضحايا كفاعلين.
- المظلومية والأرقام: بين التوثيق السياسي والواقع الحقوقي
يعرض الخطاب جرائم النظام السابق: البراميل، والسلاح الكيماوي، والتهجير، والاغتصاب، ويورد أرقامًا ضخمة: مليون قتيل، و14 مليون مهجّر، وأكثر من 200 هجوم كيماوي.
لكن هذه الأرقام لا تنسب بدقة إلى مصادر واضحة، على الرغم من وجود تقارير موثوقة من:
- منظمة حظر الأسلحة الكيميائية (OPCW)،
- الشبكة السورية لحقوق الإنسان (SNHR)،
- الأرشيف السوري.
والفرق بين الأرقام الرسمية المتحفّظة والحقوقية التوسّعية لا يجوز طمسه، بل يتطلّب شرحًا للمنهجيات المستخدمة، فالدقّة هنا ليست ترفًا، بل شرطاً للصدقية، وخاصة في سياق العدالة الانتقالية.
- نصر بلا انتقام أم سلام بلا ذاكرة؟
يشدّد الخطاب على أن النصر الذي تحقق لم يكن ثأريًا، بل خاليًا من الإقصاء أو الانتقام، لكن تجارب العدالة الانتقالية تحذّر من القفز من الألم إلى الاستثمار، من دون المرور بمحطات مؤسسية للمحاسبة، والاعتراف العلني بالانتهاكات، وجبر الضرر للضحايا.
ومعلوم، بالنظر إلى تجارب مماثلة، أنّ سردية «الصفح من طرف واحد » قد تنتج سلامًا هشًا يُخفي تحت سطوره قابليات متعددة المظاهر لتجدد العنف لاحقًا.
- الفجوة الأسلوبية كأداة تبييض: من الملحمة إلى البيروقراطية
ينتقل الخطاب تدريجيًا من قاموس «الفداء والتضحية» إلى لغة إدارية تقنية: هيئات، وتشريعات، واستثمار، ورفع عقوبات.
هذا التحوّل طبيعي، لكنه قد يتحوّل، كذلك، إلى «تبييض خطابي» إذا لم يدعَّم بإصلاحات يمكن قياسها.
ووفقاً لتحليل الخطاب، يصنّف هذا التحوّل ضمن ما يعرف بــ «العقلنة» (Rationalization):؛ أي تسويغ السياسات بلغة المنفعة. والمشكلة هنا ليست في العقلنة في حد ذاتها، بل في توظيفها لإخفاء أو تجاوز أسئلة الماضي، بدلاً من معالجتها.
- ما لم يُقَل: المسكوت عنه كأداة للتحليل
بالرغم من وفرة المضامين، سكت الخطاب عن عناصر جوهرية، أهمها:
- الضحايا كمفعول بهم لا كفاعلين:
لم يُطرح أي تمكين سياسي للضحايا أو تمثيلهم كجزء من العدالة. - الاقتصاد من دون مكاشفة:
جرى الترويج لفرص الاستثمار من دون ذكر من دمّر الاقتصاد، أو كيف سيُحاسب الفساد المتجذّر. - التعددية من دون ضمانات:
غابت أية إشارات لحماية حقوق الأقليات، أو لقوانين مناهضة للتمييز، أو للتمثيل المناطقي. - النظام السابق من دون تحديد:
استُخدم المصطلح مرات عدة من دون أن يُعرف المقصود به: هل هو النظام السياسي؟ أم الأمني؟ أم الشخصي؟
هذا الغموض الذي يكتنف المقصود بالنظام السابق يُفرغ مشروع العدالة من مضمونه الحقيقي، ويحوّله من مُتطلّب إلى مجرد ورقة سياسية للتداول الإعلامي.
- موقف المعارضة: معايير التقييم لا مجرّد الاصطفاف
المعارضة الوطنية الجادة لا تُقيّم الخطاب بناءً على الشعارات أو بلاغية اللغة، بل وفق:
- الصدق المنهجي في السرد والأرقام.
- الضمانات المؤسسية للعدالة.
- التعهدات القابلة للقياس في الإصلاحات السياسية والدستورية.
وحين تتوافر هذه الشروط مجتمعة، وفي هذه الحالة فقط، يمكن الحديث عن «فصل مشرق» لا عن مجرد استعارات بلاغية لا تستثير سوى الانفعالات.
- غزة تحضر… والجولان يغيب
بالرغم من الذروة الوجدانية التي خُصّصت لغزة في خاتمة الخطاب، فإن قضية الجولان المحتل غابت تمامًا عن السردية السيادية، إلا من إشارة قانونية مقتضبة إلى اتفاق فضّ الاشتباك لعام 1974.
في المقابل، أُشير إلى التهديدات الإسرائيلية من دون أن تُقابل بموقف سيادي أو حتى إدانة صريحة للاحتلال،
وهذا ما يكشف عن انفصام سيادي واضح: العدو لا يُعرّف هنا بناءً على الجغرافيا الوطنية، بل على العائد الرمزي.
فبينما تُستدعى غزة لكسب الشرعية الأخلاقية، يُسكَت عن الجولان لتفادي التصعيد أو المواقف الصدامية.
- البنية اللغوية في الخطاب: بلاغة الاستقطاب وصناعة الإقناع
يعتمد خطاب أحمد الشرع على أدوات بلاغية فاعلة تستلهم التراث الديني في بعديه اللغوي والعقيدي، وتُعيد تشكيله في إطار تعبوي–سياسي، إذ بُني الخطاب على ثنائية لغوية حادة: «الحق» في مواجهة «الباطل»، وهي صيغة تُعرف في تحليل الخطاب النقدي بـ**”الاستقطاب الثنائي” (binary polarization)، وتُستخدم لتشكيل وعي جماعي واضح الحدود بين الــ “نحن” والـ “هم”.
كذلك تكرّر استخدام الجمل الاسمية في مقدمات الفقرات («الحكاية السورية حكاية صراع…») لتثبيت المعنى وتقديمه كـ «حقيقة وجودية»، في مقابل الجمل الفعلية («ثار الشعب»، و«انتصرنا») التي تشحن النص بطاقة حركية، كما لجأ الخطاب إلى أداة «لقد» بنسق متكرر («لقد استخدم…»، و«لقد عانى…»، و«لقد انتصرنا»)، وهي تقنية تُعرف بـ “بلاغة التوكيد التراكمي”، وتُستخدم لإضفاء طابع قطعي ومُتعاظم على الفعل السياسي.
اللافت أيضًا هو المعجم القيمي الكثيف: «الصبر»، و«الفداء»، و«العذاب»، و«الأمل»، وهي مفردات تستخدم لإحداث تأثير وجداني يعيد إنتاج سوريا كـ «كائن أخلاقي» في صراع كوني.
لكن من جهة مقابلة، يغيب التنويع الضمائري؛ إذ يهيمن الضمير «نحن» للإيحاء بــ “مجتمع متجانس”، في الوقت الذي يُقصى التعدد الحقيقي داخل بنية المجتمع السوري، وهو ما يُعرف في أدبيات تحليل الخطاب بـ”تماثل الجماعة”، إذ تقدم الجماعة المتحدثة بوصفها موحّدة بالضرورة، وتختزل في صوت المتكلّم من دون مساحة نقدية داخلية.
بهذا المعنى، تستخدم اللغة في الخطاب كأداة لإعادة تعريف الجماعة والعدو والمستقبل، لا لمجرّد التوصيل السياسي، وهذا ما يشكل أحد أبرز ملامح الخطاب السياسي المؤدلَج أو المؤدلِج لا فرق، الذي لا يُعنى بقول الحقيقة، بقدر ما يهدف إلى إعادة إنتاجها وفقاً لتصورات المخاطِب.
- تراتبية الامتنان: من يمنح الشرعية للمتكلم؟
لا يمكن قراءة ترتيب كلمات الشكر في خطاب أحمد الشرع على أنه مجاملة دبلوماسية عابرة، ففي ذهن المتكلّم، يمتلك ترتيب الامتنان وظيفة بلاغية مزدوجة: إعادة تعريف الذات عبر من يمنحها الشرعية، وإعادة ترسيم خريطة الحلفاء بمنطق “من أنقذ من؟”.
في ختام الخطاب، تبدأ قائمة الشكر بـ تركيا، ثم تتدحرج إلى قطر، فالسعودية، فالدول العربية والإسلامية، وصولًا إلى الولايات المتحدة الأمريكية، والاتحاد الأوروبي.
هذه الصيغة لا تضع الغرب في المقدمة، بالرغم من خطابه العقلاني والمؤسسي، ولا تستدعي العالم العربي بصيغة جامعة، بل تبدأ من نقطة ارتكاز جيوسياسية واضحة: أنقرة أولًا.
هذا الترتيب، في بلاغة الخطاب السياسي، لا يعكس فقط توازن القوى، بل ينقل ثقل الشرعية من المنظمات الأممية إلى المحاور الإقليمية.
وفي ذهنية المتكلّم، لا تمنَح الشرعية فقط بالدعم، بل بالاعتراف الوجداني، فالدول التي “شعرت بألم سوريا”، بحسب وصفه، هي الأَولى بالشكر.
ومن هنا، تستحضر تركيا أولًا لا بوصفها حليفًا فحسب، بل شريكاً عاطفياً في «حكاية الألم «، بينما يحجَّم دور الغرب في موقع متأخر، وكأنه “أدرك الانتصار بعد وقوعه”، لا قبله.
اللافت أيضًا أن الامتنان يبدأ سياسيًا وينتهي أخلاقيًا، فالشرع لا يشكر الدول بصفات رسمية، بل بتكريس شكل أخلاقي واضح الدلالة: » كل من استقبل شعبنا، وساعده، وفرح بانتصاره «
وهنا، يتحوّل الامتنان من وظيفة خطابية إلى تقنية لإعادة تعريف الذات من خلال الآخر:» أنا مَن يستحق الدعم، لأني كنت محطّ تضامن العالم. «
بهذا، يصبح ترتيب الشكر جهازًا بلاغيًا ينتج ذاتًا سياسية جديدة، لا تنتمي فقط إلى الميدان أو العقيدة، بل إلى «العرفان الذي ينتج الاعتراف. «
خاتمة
خطاب أحمد الشرع محكم في هندسته الرمزية: فهو يزاوج بين «الحق» الديني و «حُسن التدبير» الإداري، ويقدّم سردية مُلهمة عن الانبعاث من تحت الركام، لكنه، بكل بلاغته، يظل مشروطًا بقدرته على تجاوز الإنشاء إلى التأسيس، والتعبئة إلى القانون.
فمن دون اعترافات واضحة، ومؤسسات حقيقية للعدالة، وضمانات قانونية للتنوع والمساءلة، تبقى الوعود كلها في دائرة الملحمة اللغوية، لا الحقيقة السياسية.
د حنين الغزالي