أحدث المنشورات
التصنيفات
كلمات مفتاحية
- Home
- أوراق الكتلة
في مناطق الصراع المسلّح المديدة والمتعددة الأطراف، تتمزّق الروابط المدنية ويجري اغتيال أوليات الحقوق الأساسية للناس بشكل منهجي ويعود قسم كبير من الناس إلى عصبيات ومسلكيات بدائية وغريزية. هذه المسلكيات تتعارض مع مفاهيم مركزية للحياة المشتركة بين الأشخاص والجماعات ومع قيم قامت عليها المدنية مثل التسامح والإخاء والبناء المشترك. إن هدم هذه القيم وتحقيرها ممّن يؤمن بأن “عدالة” القوة والعنف هي الوسيلة الأكثر نجاعة لبناء الحاضر والمستقبل وليس قوة العدالة، تعمّم المظالم والأحقاد وتجعل من الانتقام وسيلة للبقاء ولكن أيضاً، لرؤية المستقبل، وهنا الخطورة الكبيرة. لذا، لا يمكن أن نعالج موضوع السلم الأهلي بمنطق من جعل الصراعات الأهلية وسيلة للحكم وطريقاً لتنظيم العلاقة بين الأشخاص والجماعات في أي بلد.
من هنا، لا يمكن أن يقوم السلم الأهلي على النوايا الطيبة وحدها، ولا على إقامة مؤتمر وطني بين “مكوّنات” وشرائح المجتمع. وعلى نحو مماثل، لا يقوم السلم الأهلي على مجرّد المصالحة بين الناس، إذ لا بدّ من عمل شامل ومتكامل، يأخذ بعين الاعتبار خصوصيات المجتمع السوري والآثار السلبية التي خلّفتها الحروب الهجينة، على كافة المستويات، النفسية-الاجتماعية والمادية. وبناءً على ذلك، لا بدّ من البحث في مقوّمات السلام المجتمعي الاقتصادية-التنموية، والاجتماعية-السياسية، والقانونية-التشريعية، والمدنية-البيئية، والثقافية العابرة للأديان، والتربوية-التعليمية، والطقسية-الفولكلورية، وما إلى ذلك. بالإضافة إلى ذلك، لا بدّ من التأسيس على محاكمات عادلة بعيدة عن الثأرية، قائمة على أعلى درجة ممكنة من التسامح، الأمر الذي لا بدّ منه وخاصة بعد النزاعات المسلّحة التي شارك فيها قسم كبير من السوريين ومن كل شرائح المجتمع السوري، على المستوى الطائفي والقومي.
تتعدد الأسباب في تهديد السلم الأهلي في سورية. منها ما هو سياسي، إذ تعرّضت سورية لحكم استبدادي ديكتاتوري لأكثر من نصف قرن؛ ومنها ما هو تاريخي ناتج عن ترسبات الماضي من خلال الجهل المؤسس الذي كرّسته السلطات القائمة منذ تأسيس الدولة السورية، والجهل المقدس الذي تمّ تصنيعه من خلال صناعة الرأي العام السوري من السلطة السابقة والمعارضة، على حد سواء، في أثناء فترة الانتفاضة السورية والنزاع المسلّح بين السلطة والمعارضة؛ ومنها ما هو خارجي بسبب التدخلات الخارجية في الشأن السوري؛ ومنها ما هو ثقافي واجتماعي وحقوقي واقتصادي. إنّ الحصار الاقتصادي على الشعب السوري وحالة إفقار المجتمع وانهيار مؤسستيْ التعليم والصحة وانتشار الفساد بشكل منهجي، والانتهاكات الواسعة لحقوق الإنسان والجرائم المرتكبة من السلطة السابقة الاستبدادية واستمرارها مع سلطة الأمر الواقع، كل هذه الأسباب تحتاج إلى بحث معمّق لكل سبب منها كي نحدّد بدقة تأثير كل سبب على السلم الأهلي.
هذه الأسباب كلها جعلتنا أمام واقع مرير علينا الاعتراف به، فنحن أمام مشكلة كبيرة وعميقة ومعقّدة على مستوى السلم الأهلي، تتطلّب تضافر كافة الجهود، ومن كافة الأطراف المؤثّرة لحلّ تلك المشكلة، لأنه من دون حلّها، لا فائدة من أي عمل لبناء الدولة السويّة الجديدة.
وعليه، فلا بدّ من تحليل معمّق للوضع السوري من كافة جوانبه، وتقديم مقترحات لعمل عاجل، وخطط متوسطة المدى وأخرى استراتيجية بعيدة المدى، لإعادة بناء المجتمع السوري، بما يضمن عودة الحياة الطبيعية وتضميد الجراح ورأب الصدع وتحقيق السلم الأهلي، وصولاً إلى التآخي في بوتقة مواطنة عادلة تضمن الحريات والحقوق المتساوية وتصونها. وكذلك، لا بدّ من البحث في آليات توظيف طاقات السوريين كافة بما يقود إلى اشتغال وطني جامع يساهم فيه الجميع لبناء دولة عصرية تسودها العدالة وحكم القانون وتنتفي فيها إمكانية ديمومة منطق الحروب الأهلية.
من أجل تكريس السلم الأهلي في سورية، علينا البحث في الواقع كما هو الآن، والآثار المدمّرة لما حصل ويحصل على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي والعمراني والنفسي، وكذلك طبيعة القوى الاجتماعية والسياسية والمدنية والأهلية والدينية الفاعلة على الأرض ومدى تأثيرها في صناعة السلم الأهلي في سورية وتحديد دورها والتشبيك بينها والتعاون البنّاء في ما بينها للوصول بالمجتمع إلى برّ الأمان.
التحديات التي تواجه السلم الأهلي في سورية
– الانقسامات السياسية والطائفية
إن تباين الرؤى السياسية والتناقضات البينية في مشاريعها السياسية تؤدي إلى تعميق تلك الانقسامات في المجتمع، ظهر ذلك جليّاً في أثناء الانتفاضة السورية، فتحوّلت تلك التناقضات إلى نزاع مسلّح دام أربعة عشر عاماً، ما زاد الهوّة بين “مكوّنات” وشرائح مجتمع الشعب السوري بسبب انتشار انتهاكات حقوق الإنسان على نطاق واسع، فدفع بالكثيرين إلى الهرب إلى دول اللجوء والنزوح الداخلي، ما أثّر بشكل مباشر على ترابط المجتمع وتفكيك انتمائه الوطني.
إن سقوط النظام الاستبدادي الديكتاتوري واستيلاء سلطة الأمر الواقع ذات اللون الواحد المتطرّف والراديكالي على السلطة، زاد بشكل كبير من هذا الانقسام عبر ممارساتها في إدارة الحكم، من خلال توزيع كافة مفاصل الدولة على المنتمين والموالين لها.
– عدم المساومة الاقتصادية في توزيع الثروة الوطنية والحصار الاقتصادي على سورية
إن ما قامت به سلطة الأمر الواقع من تسريح كامل لعمال مؤسسات الدولة، إلا الموالين لها أو الذين لا يمكن الاستغناء عنهم، أدّى إلى انتشار الفقر والبطالة، إذ وصلت معدلات الفقر إلى مستويات قياسية، تصل إلى 90 % من الشعب السوري، إضافة إلى انتشار الفساد والمحسوبية وعدم الشفافية، ما زاد من تهديد السلم الأهلي بأهم مقوّمات الحياة الكريمة وجودتها وحاجياتها.
– ضعف العدالة الاجتماعية والمساواة في تقسيم الثروة والموارد الوطنية بسبب التجزئة والسيطرة على الجغرافية السورية من مراكز قوى تتبع كل منها إلى دول خارجية.
– التدخلات الخارجية وانتشار الإرهاب والميليشيات المسلّحة خارج نطاق سيطرة الدولة، علماً أن سلطة الأمر الواقع هي بحد ذاتها تخضع للشروط نفسها المتمثّلة بخضوعها للخارج، كما أنها جزء من المنظمات الإرهابية الموصوفة في قرار مجلس الأمن الدولي الخاص بالمنظمات الإرهابية في سورية.
– حلّ وضعف مؤسسات الدولة
إن ما قامت به سلطة الأمر الواقع من حلّ لمؤسسات الدولة السورية شكّل خطورة بالغة على السلم الأهلي، ما أدّى إلى توقّف الخدمات الضرورية للمجتمع وزاد من سخط الناس ومن معدّلات الجريمة ومن التفكّك المجتمعي، إضافة إلى غياب سيادة القانون وانهيار السلطة القضائية، ما أفقد المجتمع السوري الأمن والأمان.
– التحديات الثقافية والتعليمية من خلال انتشار الخطاب التحريضي والتعصب والكراهية وتحويل المؤسسات التعليمية إلى مركز لبثّ تلك الكراهية والتعصب الأعمى ضد “مكوّنات” وشرائح مجتمع الشعب السوري.
– تحديات غياب الحوار الوطني الفعّال المتمثّل بعدم وضع أسس وقواعد واضحة لهذا الحوار، التي كان مأمولاً منها تأسيس الدولة السورية.
يتطلّب الحفاظ على السلم الأهلي معالجة كافة التحديات من خلال تعزيز العدالة الاجتماعية وحكم القانون وتعزيز الحوار، ودعم المؤسسات، وتحقيق التنمية الشاملة.
ولتحقيق ذلك، علينا تقديم صورة واضحة لخارطة القوى الفاعلة والمؤثّرة وآليات العمل والمقارنة في ما بينها واعتمادها والاسترشاد بها، ما يمكّنها من المساهمة في التخفيف من حدّة العنف أو تهدئته تمهيداً لإيجاد القنوات المناسبة لإيقافه نهائياً والعمل على تلافي حدوثه مستقبلاً.
ومن أجل قطع الطريق على الجاهلين والأعداء، يتوجّب علينا بناء سلم اجتماعي على درجة عالية من الوعي الجماعي بين كل فئات المجتمع، أي أنّ نشر السلم الأهلي واجب وطني مقدس.
يعتمد خطاب حركة السلم الأهلي على مفاهيم خمسة تشكّل مرتكزاته الرئيسة وهي:
– مفهوم المواطنة والانتماء الوطني
إذ إن العلاقة بين المواطنة والمواطن والوطن، لا تنحصر في الاشتقاق اللغوي، وإنما تمتد إلى الارتباط الوثيق في المضامين، فلا مجال لتجسيد مفهوم المواطنة بما يعنيه من مشاركة، مباشرة أو غير مباشرة، في تدبير الشأن العام، ومسؤولية تجاه الوطن، من دون وجود مواطن يُدرك بوعي حقوقه وواجباته، في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ويشعر بأنه معنيّ بما يجري داخل الفضاء الذي يسمّى الوطن، فلا مواطنة من دون مواطن، ولا مواطن(ة) من دون ولاء للوطن، وتفاعل إيجابي مع قضاياه، وانخراط حقيقي في شؤونه.
– مفهوم حقوق الإنسان الشاملة للحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية
حقوق الإنسان هي أساس الكرامة الإنسانية، التي تقوم على المبادئ الأساسية الكافلة لكرامة الإنسان وللمساواة لجميع أفراد المجتمع من دون تمييز، هذه الحقوق لا يمكن للسلطة، أو أي طرف كان، تجاوزها، كما أنها غير قابلة للتصرّف والتعديل وتنطبق على كل شخص بغض النظر عن العرق أو الجنس أو الدين.
– مفهوم المجتمع المدني
يُعتبر المجتمع المدني ركيزة من ركائز التوازن والعدالة في المجتمع من خلال حماية الحقوق وتدعيم أسس الديمقراطية وتقديم الخدمات، والدفاع عن حقوق الفئات المهمّشة، وتعزيز الحوار وبناء الجسور بين المجموعات المختلفة، شريطة استقلاليته الكاملة عن السلطة والخارج؛ وهو يعتمد بالدرجة الأولى على تطوّع أفراده وعدم الربحية، ويلتزم بالشفافية والمراقبة من خلال تقديم تقارير دورية للرأي العام عن مدى التزامه بالأهداف التي تكوّن من أجلها، والتزامه بالديمقراطية والانتخابات الدورية لكافة أعضائه، وبشرعة حقوق الإنسان، وبشفافية مصادر تمويله، وبآليات عمله.
– مفهوم العدالة الاجتماعية
العدالة الاجتماعية مبدأ يرتكز على تحقيق المساواة وتوزيع الموارد والفرص بشكل عادل بين أفراد المجتمع، بما يضمن حقوق الجميع ويقلّل من الفوارق الاقتصادية والاجتماعية. تُعتبر العدالة الاجتماعية إحدى أهم الركائز الأساسية لبناء مجتمعات مستقرّة ومزدهرة، فتسعى إلى تعزيز تكافؤ الفرص وحماية الحقوق الأساسية للأفراد، بغض النظر عن خلفيّاتهم الاجتماعية أو الاقتصادية أو الثقافية.
– مفهوم دولة القانون
دولة القانون مفهوم سياسي وقانوني يشير إلى نظام تكون فيه القوانين هي الأساس الذي ينظّم الحياة العامة والخاصة، وتخضع فيه جميع السلطات والأفراد، بما في ذلك الحكام والمحكومون، للقانون بشكل متساوٍ. وفي دولة القانون، تكون القوانين واضحة وشفافة، ويتمّ تطبيقها بشكل عادل من دون تمييز، كما تكون هناك آليات لضمان احترام الحقوق والحريات الأساسية للأفراد.
وهذا كلّه يقع على عاتق قوى المجتمع الحيّة ومطالبتها بما يلي:
1- – تعزيز التعاون بين الأحزاب السياسية لإحلال السلم الأهلي في سورية.
تلعب الأحزاب السياسية دوراً محورياً في تعزيز السلم الأهلي والاستقرار الاجتماعي في المجتمعات، وتُعتبَر الأحزاب السياسية قنوات رئيسة للتعبير عن مصالح المواطنين وإدارة الخلافات السياسية بشكل سلمي، ما يساهم في تقليل التوترات الاجتماعية وبناء الثقة بين مختلف فئات الشعب، إلا أنّ حالة التصحّر وضعف الأحزاب السياسية في سورية يجعل من هذا الدور ضعيفاً جداً على السلم الأهلي في سورية؛ ورغم ذلك، فإن توفير الأحزاب السياسية لمنصات إدارة الخلافات السياسية عبر الحوار والتفاوض بين الجماعات المختلفة، يساعد على حلّ النزاعات بشكل سلمي، وتحويل تلك الصراعات إلى منافسة سياسية في المستقبل، في أثناء إقامة الديمقراطية عبر صندوق الاقتراع.
رغم ضعف تلك الأحزاب السياسية، يمكنها العمل على نشر ثقافة المشاركة السياسية، وبناء الثقة بينها وبين المجتمع كي تساهم في تقليل الشكوك فيها، وحالة الاستقطاب بين الجماعات المختلفة، وتعزيز قيم الديمقراطية والتسامح، ومنع التطرّف والعنف، وتعزيز الاستقرار السياسي.
من هنا نجد أن دور الأحزاب السياسية في المستقبل محوري، لكنها تحتاج إلى أن تكون شاملة وتمثيلية وتعمل في إطار نظام ديمقراطي قوي. عندما تعمل الأحزاب السياسية بشكل سليم، فإنها تساهم في بناء مجتمعات أكثر استقراراً وتسامحاً، فيتمّ حلّ الخلافات بشكل سلمي ويتمّ احترام حقوق جميع الأشخاص.
2- – تعزيز مشاركة وتعاون المجتمع المدني والأهلي والديني في السلم الأهلي والمصالحة.
يلعب المجتمع المدني والأهلي دوراً حيوياً في تعزيز واستمرار السلم الأهلي، إذ يعملان كجسور بين الأفراد والمؤسسات الرسمية لتعزيز التعايش السلمي وحل النزاعات والضغط على صنّاع القرار لتعزيز السلام والعدالة الاجتماعية.
كما يلعب رجال الدين والمؤسسات الدينية دوراً هاماً وفعّالاً في تعزيز السلم الأهلي، فهم يتمتعون بتأثير روحي واجتماعي كبير على أفراد المجتمع، ومن خلال تعاليمهم وخطاباتهم، يمكنهم تعزيز قيم التسامح وحلّ النزاعات بشكل سلمي.
ومع سقوط الديكتاتورية، بدأت تتشكّل في سورية عدة منتديات وتجمّعات وشبكات مدنية، تحاول جاهده أن يكون لها دور هامّ في مستقبل سورية، من خلال إيجاد أرضية مشتركة للدولة المدنية، أساسها الوطنية والمواطنة والعدالة الاجتماعية، ونعتقد أنه سوف تكون لهذه التشكيلات الدور الأكبر في السلم الأهلي.
3- – تعزيز دور المؤسسة القضائية في إقامة العدالة والمحاسبة وجبر الضرر للمتضرّرين من تلك الحرب.
4- – تعزيز دور المرأة في تكريس السلم الأهلي وإحلال السلام والاستقرار الطويل الأجل.
المرأة هي عنصر أساسي في تحقيق السلم الأهلي، فهي تمتلك القدرة على بناء الجسور وتعزيز التماسك الاجتماعي، كما تسهم في تعليم الأطفال قيم التسامح والسلام، ما يساعد على بناء جيل جديد يؤمن بالحوار والعيش المشترك.
وفي هذا المجال، يمكن أن يكون للمرأة السورية الدور الريادي في تحقيق السلم الأهلي من خلال مشاركتها الفعّالة في النشاطات والفعّاليات وتنظيم المبادرات المجتمعية وحملات التوعية والأنشطة الثقافية لتعزيز السلم الأهلي.
كما يمكنها تشكيل لوبي نسائي من أجل تكريس السلم الأهلي من خلال النشاطات التالية:
أ– تنظيم احتجاجات سلمية، بما في ذلك اعتصامات وإضرابات عن الطعام، للمطالبة بوقف الانتهاكات التي تمارسها سلطة الأمر الواقع بحق أبنائهنّ ومجتمعهنّ.
ب– استخدام أساليب مبتكرة يمكن الضغط بها على سلطة الأمر الواقع أو أي طرف يهدّد السلم الأهلي، منها قطع الطرقات أو الاعتصامات أمام دور العبادة والأماكن الحكومية، والوقوف بسلسلة بشرية على الطرقات برداء الحزن. وطرق أخرى يمكن للنساء السوريات ابتكارها لمواجهة نشر الكراهية والعنصرية وتلك الانتهاكات.
5- – تعزيز دور الإعلام والمؤسسات الثقافية في نشر ثقافة التسامح ونبذ الطائفية والعنف.
الإعلام ليس مجرد ناقل للأخبار، بل هو أداة قوية في صناعة الرأي العام والمساهمة في بناء المجتمع من خلال الالتزام بالمبادئ الأخلاقية والمسؤولية الاجتماعية، أمام المجتمع، ما يجعله عاملاً رئيساً في تعزيز السلم الأهلي.
إن ما تعيشه سورية من مخاض يحتّم على القوى المدنية والوطنية ومثقفيها أن تعمل بجدية، مستنفرةً كافة طاقتها المعرفية والإنسانية والأخلاقية لفضح ما تقوم به سلطة الأمر الواقع والإعلام الداعم لها من تزييف للوعي وبيع للوهم، للشعب السوري، وأن تتواصل وتتفاعل مع الشعب السوري لتوضيح الصورة المزيّفة، من خلال النقد الصريح للتزييف الإعلامي وتقديم اجتهادات واضحة وبسيطة، تتفاعل معها هذه الجماهير. لذا نجد في الدول الأكثر وعياً أن ما يسمى وزارة الإعلام قد ألغي وتمّ تشكيل “هيئة مستقلّة عليا”، لرصد العلاقة بين المؤسسات الإعلامية والدولة والمجتمع وضمان حماية الأشخاص وحرياتهم من التوظيف الرديء للإعلام في تدنيس الوعي والعمل على التضليل بنشر الأكاذيب.
6- – تعزيز دور المؤسسات التعليمية والاجتماعية في تكريس مفهوم السلم الأهلي ووقف العنف في سورية.
تلعب المؤسسات التعليمية والاجتماعية أدواراً حيوية في تعزيز السلم الأهلي، فتعمل على بناء قيم التسامح والتفاهم والعيش المشترك بين أفراد المجتمع. تُعدّ هذه المؤسسات منصات أساسية لتشكيل الوعي المجتمعي وغرس ثقافة السلام، خاصة لدى الأجيال الناشئة، وذلك من خلال تعزيز الحوار والتفاهم، وتعزيز الاندماج المجتمعي، وبناء جيل واعٍ بحقوقه ومسؤولياته تجاه المجتمع.
7– تطبيق العدالة في مساءلة ومحاسبة مرتكبي الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، والعفو وجبر الضرر والمسامحة لتحقيق السلام المستدام في سورية.
أكبر المخاطر التي تواجه السلم الأهلي في سورية الآن: الشحن الطائفي والانتهاكات الواسعة الممنهجة التي تمارسها سلطة الأمر الواقع ضد شريحة اجتماعية محددة طائفياً، وهذا يؤدي بالضرورة إلى تطييف المجتمع وتقوقع كل طائفة على نفسها، وتالياً، نشوء صراعات بينية بين الطوائف يمكن استغلالها من الخارج لتحقيق مصالحه الخاصة على حساب مصالح الشعب السوري.
تشكّل حالة اغتراب الدولة عن المجتمع الحافزَ القوي في تأصيل الطائفية وعودة المجتمع الأهلي إلى تكوينات ما قبل الدولة، طائفية كانت أو مناطقية أو عشائرية، فيتحوّل أفراد المجتمع بانتمائهم للدولة الوطنية إلى تلك التكوينات، وحالة الاغتراب تلك ناتجة عن حالة الاستبداد والفساد للدولة وهدر كرامة الإنسان.
إن الاستحواذ على السلطة من فئة ما، وعدم السماح بالمشاركة السياسية والقرار لباقي الفئات، إضافة للسيطرة على المقدرات الاقتصادية لهذه الفئة، وانتشار الفساد في أجهزة الدولة، وعدم تطبيق العدالة الاجتماعية، وانتقاص حق المواطنة الكاملة بين أفراد المجتمع، وانتهاكات حقوق الإنسان على المستوى الفردي والجماعات من الدول، والعوائق الذهنية والثقافية المترسبة في المجتمع، جميعها دوافع تؤدي إلى حالة انفصام بين الدولة وأفراد المجتمع، وبذلك تُنتَزَع السلطة السياسية من المجتمع، فيصبح الانتماء الطائفي بديلاً عن الانتماء السياسي. وتأسيساً على ما تقدم يمكن القول: لا علاقة ضرورية للطائفية بالدين إلا ببعض الجزئيات الخاصة بماهيته واستخدامه للنص الديني، فالجوهر الحقيقي للطائفية يكمن في المجال السياسي، فيتمّ توظيف الدين لأهداف ونزعات سياسية تخص هذا الطرف أو ذاك.
وعندما تتحوّل النزعة الطائفية إلى عصبية وتنتقل من الطائفية الاجتماعية إلى الطائفية السياسية، تنقل معها منظومة كاملة من القيم والأعراف والتقاليد والعادات والقرابة العشائرية والروحية والغيبية إلى المجال السياسي، فيتمّ إحلالها محلّ المفاهيم القائمة عليها الدولة من مؤسسات وقانون وعقد اجتماعي، ويتمّ بذلك نسف الروابط الوطنية والمواطنية التي تجمع المجتمع السوري.
من شأن الخلط المتعمّد بين الطائفة والنظام السابق، من سلطة الأمر الواقع، أن يشكّل كارثة كبيرة، وخاصة عندما ينحدر وعي النخبة والصفوة إلى مستوى الوعي العام، وهذا ما نلاحظه اليوم في الخطاب الثقافي الطائفي بصورة واضحة، فلا يجري الفصل الموضوعي بين النظام والطائفة والدولة. فالطائفة “مكوّن” من “مكوّنات” الدولة بالضرورة ولكنها ليست من “مكوّنات” النظام السياسي القائم.
قد يقول بعضهم إن المبالغة في القلق لا مبرّر له، لكنّ الجميع يتفق على أنّ هناك أزمة حقيقية يجب تجاوزها وإلّا فمصيرنا سيكون بالغ السوء؛ فعلى جميع القوى السياسية والمنظمات والجمعيات والفعاليات الاجتماعية والفكرية المعنيّة بمصلحة الوطن والمواطن، ومن أجل التغيير نحو مجتمع أفضل يكون: العدل ميزانه والحرية هواه والمواطن أساسه والوطن سياجه والتراث مخياله، والمستقبل بنيانه وتقاسم الثروة أرضيته، أن تعي أن المرحلة القادمة تحمل في طيّاتها واقعاً مؤلماً، وربما نحتاج إلى زمن طويل حتى نعود لبناء الدولة من جديد، فالمسؤولية كبيرة، وتتمثّل في العمل والتضامن الجاد والفعّال والتعالي على أمراضنا وفرديتنا؛ ورغم كل هذا، فنحن متفائلون بالشعب السوري لما يحمل من معارضة صامتة للواقع الحالي ولأنه يطمح إلى الحرية وبناء مؤسسات مدنية تحقّق له مستقبله بشكل حضاري؛ هذا الشعب منفتح على كافة النظريات والإيديولوجيات التي تحملها القوى السياسية ما دامت تتوافق والعمل من أجل حريته وأمنه الاقتصادي وأمنه الاجتماعي الحامي لوحدته وبنيته، وعلى هذه القوى أن تكون على مستوى المسؤولية التاريخية.
**