أحدث المنشورات
التصنيفات
كلمات مفتاحية
- Home
- مقالات
المشكلة الجوهرية التي تواجهها سوريا اليوم ليست في هيكلة المؤوسسات و المكاتب أو تعديل التسميات، بل في فلسفة الحكم ذاتها. فجوهر الأزمة هو انقطاع العقد الاجتماعي بين الدولة والمجتمع، وتحوّله إلى علاقة قائمة على الرقابة والوصاية بدلًا من الشراكة والتمثيل. أي إصلاح حقيقي يجب أن يبدأ بإعادة تعريف هذه العلاقة من جذورها.
أولاً. تشخيص الخلل الهيكلي “دولة فوق المجتمع” النهج السائد لـ “الإدارة السياسية” الجديد للبلاد يكرّس منطقًا قديمًا في اعتبار المجتمع كيانًا سلبيًا يجب توجيهه وضبطه، بدلًا من اعتباره الشريك الأساسي في البناء. وهذا يتجلى في:
١· استبدال التمثيل بالتعيين: حيث تُفرض الهيئات النقابية والطلابية والنسوية من فوق، فتُفقد استقلاليتها ومصداقيتها.
٢· تحويل التنوع إلى أداة للتحكم: و ذلك عبر التعامل مع الطوائف والمكونات كـ “ملفات” تُدار، لا كجزء أصيل من النسيج الوطني له حقوق سياسية وثقافية.
٣· اختزال المشاركة في “أنشطة مسموح بها”: حيث يُحدّد “مدى توافق الأنشطة مع قيم المجتمع” من قبل سلطة أحادية، مما يُفرغ مفهوم المجتمع نفسه من معناه
ثانياً. أركان العقد الاجتماعي الجديد: من الرعية إلى المواطنة الفاعلة لن تبنى سوريا المستقبل بهذه العقلية. البناء يحتاج إلى تحوّل جذري في الفلسفة، يقوم على:
أولاً: المواطنة المتساوية الكاملة
· اعتبار كل فرد حاملًا لحقوق وواجبات دستورية، بغض النظر عن انتمائه أو منطقه أو جنسه.
· إلغاء أي تمييز قانوني أو مؤسسي يقوم على أساس طائفي أو عرقي أو سياسي.
· ضمان تكافؤ الفرص في التعليم والعمل والمشاركة السياسية.
ثانيًا: دولة المؤسسات، لا دولة الأشخاص أو الحزب
· استقلال القضاء كحَكَم نزيه بين جميع الأطراف.
· فصل السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية فصلًا حقيقيًا.
· تحويل الإدارة العامة إلى جهاز خدمي محايد، يخضع لمعايير الكفاءة والشفافية.
ثالثًا: المجتمع المدني كقوة رقابية واقتراحية
· ضمان حرية تشكيل الجمعيات والنقابات والأحزاب دون عوائق أمنية أو بيروقراطية.
· الاعتراف بدورها كشريك في صنع السياسات ومراقبة التنفيذ.
· توفير الحماية القانونية للناشطين والمدافعين عن الحقوق والحريات.
رابعًا: الاقتصاد كمجال للعدالة والتنمية
· الانتقال من اقتصاد المحاصصة والاحتكار إلى اقتصاد السوق الاجتماعي المنظم.
· محاربة الفساد الهيكلي وإعادة توزيع الثروة عبر نظام ضريبي عادل.
· استثمار الموارد في إعادة الإعمار المنتج وتشغيل الشباب.
٣. آليات التحول: الطريق من النظرية إلى التطبيق
لا يكفي الاتفاق على المبادئ، بل يجب وضع آليات ملموسة لتحقيقها و ذلك عبر
· المؤتمر الدستوري الشامل: بدء حوار وطني جامع، برعاية محايدة إذا لزم الأمر، لوضع دستور جديد يكون تعاقدًا حرًا بين السوريين، يُقرّ بالاستفتاء العام.
· الإصلاح المؤسسي التدريجي: إصلاح جهاز الدولة عبر برامج زمنية واضحة، تبدأ بإصلاح القضاء والأجهزة الأمنية والقوانين المقيدة للحريات.
· الانتخابات الحرة والنزيهة: كأساس لكل تمثيل سياسي أو نقابي أو محلي، تحت إشراف دولي لضمان نزاهتها.
· العدالة الانتقالية: معالجة جرائم الماضي عبر آليات تحقق المصالحة الوطنية دون إفلات من العقاب، كشرط أساسي لطي الصفحة وبناء الثقة.
٤. التحديات والعوائق
الطريق لن يكون معبدًا، وأهم التحديات:
· تراث الخوف والانقسام: عقود من القمع والخطاب الطائفي خلّفت مجتمعًا مشتتًا وخائفًا.
· بنية اقتصادية فاسدة: شبكة مصالح راسخة ترفض أي إصلاح يهدد امتيازاتها.
· التدخلات الإقليمية والدولية: التي قد تحاول توجيه العملية لخدمة أجنداتها.
سوريا كفكرة يجب إعادة اكتشافها فهي ليست مجرد حدود جغرافية أو جهاز حكم. سوريا هي فكرة العيش المشترك بين تنوع غني. إعادة بنائها تحتاج إلى أكثر من مشاريع إدارية. تحتاج إلى ثورة فكرية وسياسية تنتقل من نموذج الدولة “الراعية” التي تسيطر، إلى نموذج الدولة “الشرّيكة” التي تخدم، والتي تستمد سلطتها من رضا المواطنين وحريتهم في اختيارها ومحاسبتها.
المستقبل لا يُصنع بقرارات منفصلة، بل برؤية متكاملة تضع الإنسان السوري في المركز، وتعيد له حقوقه، وثقته بنفسه وبإمكانية بناء وطن للجميع. هذه هي اللحظة التاريخية التي تتطلب شجاعة الاعتراف بإخفاق النموذج القديم، والجرأة على الشروع في نموذج جديد، يكون السوريون جميعًا أبطاله الحقيقيين.
و يبقى كل ما تقدم عبارة عن احلام مشروعة لا بد من القوى السياسية الوطنية الحية ان تعمل على تحقيقها و ان تحترح المستحيل. فالسلطة الجديدة لن تمنحهم الفرصة بأن تستولي على عقول الجماهير بعدما اطرتهم بالاطار الديني بهذه البساطة. فهي تخطط في أن تبقى في الحكم اطول فترة ممكنة.
علي شوكت