أحدث المنشورات
التصنيفات
كلمات مفتاحية
- Home
- مقالات
كيف تتبدل هوية الجيش السوري في معسكرات التدريب؟
من بين أصوات الرصاص في معسكرات جيش سلطة الأمر الواقع، يرتفع صوت آخر، أخف وقعًا لكنه أعمق أثرًا: صوت شيخ يختبر ذاكرة جندي، وبين هذا الصوت وذلك المشهد، يتشكل جيش جديد، لا وفق معايير الاحتراف العسكري، بل وفق عقيدة دينية واحدة تتحكم بالجندي قبل سلاحه، وبروحه قبل عقله ويده.
قبل أشهر، نشرت وزارة الدفاع التابعة لسلطة الأمر الواقع في دمشق إعلان تطويع تضمن شرطًا بدا لأول وهلة تفصيلًا عابرًا: الخضوع لدورة “شرعية وعسكرية” مدتها 21 يومًا، لكن التعليقات المشتعلة حول الإعلان حولته إلى مادة جدل واسعة، دفعت الوزارة لاحقًا للاعتراف بأن الصيغة صحيحة أصلًا، لكنها “قديمة”، وجرى تعديلها في الإعلانات اللاحقة.
غير أن التوضيح لم يبدل شيئًا من الواقع، فالجيش الذي يدرب جنوده في ساحات التراب، يطوع عقولهم داخل قاعات “شرعية” مغلقة، وكأن المؤسسة العسكرية لم تعد مساحة تتسع للتنوع السوري، بل ممرًا ضيقًا لا يجتازه إلا من يحمل لونًا واحدًا.
“كراسات كتاتيب إدلب الشرعية” حول “حكم الانتساب للجيوش والجماعات الوطنية” (أنس خطاب) حاضرة عند شرعيي هيئة تحرير الشام الذين يراقبون الانتساب للجيش: “الوطنية مذهب فلسفي يناقض دين الإسلام، فلا يجوز الاعتقاد به والانتساب إليه، لأن الولاية والمناصب العامة في الوطنية حق عام لجميع المواطنين مهما اختلفت أديانهم”.
خلال تلك الدورات، يطلب من المتدربين خلال عشرة أو خمسة عشر يومًا حفظ آيات من القرآن الكريم وأحاديث نبوية، وتقديم “إثبات التزامهم” أمام شيخين يقفان كقاضيين في محكمة غير معلنة، قد ينجح الجندي في الرماية، ويجيد الأداء البدني العسكري، ويتقن فكّ السلاح وتركيبه معصوب العينين، لكن إن أخطأ في تلاوة آية أو تعثر في حديث، فإن كل تلك المهارات تمحى كأنها لم تكن.
هنا ينقلب ميزان المؤسسة لتصبح الطاعة الدينية أعلى من المهارة العسكرية، ويختبر المقاتل أولًا على ما يحفظ، ثم على ما يستطيع، وليست والحال تلك دورة شرعية، بل بوابة هوية تحدد من هو “الجندي المقبول”، ومن هو “الغريب” الذي لا مكان له.
ومع مرور الوقت، ومع كل دفعة تدريب جديدة، بدأت ملامح الجيش تتغير، تضاءلت ألوان المجتمع داخله، واختفى التنوع الطائفي من صفوفه، حتى غدت المؤسسة كجدار طُلي باللون ذاته مرارًا، حتى ابتلع ما تحته، ولم تعد المشكلة أن الجندي يختبر دينيًا، بل أن الجيش نفسه يعاد تشكيله ليكون انعكاسًا لأيديولوجيا مغلقة واحدة، ليست بالضرورة عقيدة الوطن.
هكذا تغلق أبواب الانتماء، ليس بقرارات مكتوبة، بل بمعايير صامتة تفرض نفسها داخل الدورات الشرعية، وفي لجان التقييم، وفي ثقافة “الانضباط الديني” التي حلت محل الانضباط العسكري، ومع غياب الطوائف الأخرى، والوطنيين من المسلمين، يصبح الجيش أكثر هشاشة وأقل قدرة على تمثيل الوطن، فالمؤسسة التي لا تتسع للجميع لن تتسع للوطن.
المشكلة الأعمق ليست في الانحياز الديني نفسه، بل في التناقض البنيوي، كيف لمؤسسة يفترض أنها الأكثر حيادًا ومهنية، أن تعتمد في تقييم عناصرها على معايير “شرعية”؟ كيف تتحول المساحة التي يصنع فيها الدفاع عن الجميع إلى مصنع أيديولوجيا ينتج رؤية واحدة وانتماءً واحدًا؟
الشيوخ الذين يختبرون الجنود ليسوا مجرد مدرسين، بل حراس بوابة يرسمون هوية الجيش، فمن يمر من بين أيديهم يلبس لون المؤسسة، ومن يتعثر يبقى خارج المشهد مهما بلغت كفاءته العسكرية.
قد يقول البعض إن الدورات الشرعية تعزز “الانضباط القيمي” أو “تكافح الانحراف” أو “تغرس الأخلاق”، لكن الواقع في المعسكرات يكشف أن ما يبنى ليس الأخلاق، بل جدار يفصل الجيش عن بقية المجتمع.
جيش يغيب عنه التنوع والغنى السوري هو جيش متحجر بلا مرونة، وبلا شرعية، وبلا وطن كامل خلفه، إنه جيش يرفع راية واحدة، ويتلو نصًا واحدًا، ويختبر جنوده بمعيار واحد، ثم ينتظر في مفارقة قاسية أن يقبله الوطن بأكمله.
ما يجري ليس “دورة شرعية”، بل بوصلة جديدة تفرض على المؤسسة العسكرية للسير في اتجاه لا يشبه طبيعتها، هكذا تتشقق المؤسسة، لا بالقصف ولا بالسلاح، بل بتسييس الدين وتديين السياسة داخل المساحة الوحيدة التي يفترض أن تبقى محايدة.
وحين يصبح الجيش جيش عقيدة متزمتة واحدة، ولون واحد، ورؤية واحدة، فإنه لا يعود جيش وطن، بل جيش فئة، مهما حسنت نواياها أو علت شعاراتها.
الصحفي محمد مروان