أحدث المنشورات
التصنيفات
كلمات مفتاحية
- Home
- في شأننا
الميم التي اختطفت الانتقال
تكبر الأوطان بالكلمات التي تختارها لتصف بها نفسها وتحدّد من خلالها مساراتها، فالمراحل السياسيّة لا تترك آثارها في الدساتير والمؤسسات وحدها، وإنّما تتركها أيضًا في القاموس اليوميّ للناس، وهناك تبدأ الحكاية الحقيقيّة؛ لأنّ اللغة تحفظ ما يستقرّ في الوجدان قبل أن تحفظه الوثائق.
خلال الأشهر الماضية، تقدّمت كلمة «الاختطاف» إلى واجهة الخطاب السوريّ. حضرت في الأخبار، ثمّ انتقلت إلى الأحاديث العائليّة، ورسائل الاطمئنان، والوصايا التي يردّدها الآباء والأمهات كلّما خرج أحد من البيت، ومع كلّ تكرار، تكتسب الكلمة وزنًا جديدًا، حتى باتت جزءًا من الطريقة التي يقرأ بها كثير من السوريّين معنى المرحلة الانتقاليّة.
الكلمات المتداولة ترسم خرائط غير مرئيّة للوعي، فيتغيّر وقع الطريق، ويغدو المساء أكثر طولًا، ويصبح الوصول إلى المنزل خبرًا يبعث على الارتياح. تلك التفاصيل اليوميّة تكشف أثر الخطاب في تشكيل المشاعر الجمعيّة، وتوضّح كيف تستطيع مفردة واحدة أن تعيد ترتيب معاني الأمان والخوف.
بين «الانتقالية» و«الانتقامية» ميم واحدة قد تبدو صغيرة في الرسم، لكنّها تحمل في الوعي مسافة كاملة بين أملٍ يُنتظر أن يترسخ، وقلقٍ لا يزال يرافق الحياة اليوميّة، وهنا تتجاوز الحروف حدود اللغة، وتتحوّل إلى استعارات تختزن تجربة مجتمع بأكمله.
والخطاب يكشف صورة المجتمع بقدر ما يصنعها، ولهذا تستحقّ الكلمات التي تتكرّر أن تُقرأ بعناية؛ فهي تحمل إشارات مبكّرة إلى التحوّلات العميقة التي يعيشها الناس، وتفتح نافذة لفهم ما يدور في الداخل قبل أن يظهر في العناوين الكبرى.
تبقى تلك الميم سؤالًا أكثر منها حرفًا: أيّ لغة نريدها أن تروي سوريا القادمة، وأيّ كلمات تستحقّ أن تشكّل ذاكرة المرحلة؟
لمن يرغب في قراءة تحليل أوسع لهذه الفكرة، فقد تناولتها بتفصيل أكبر في مقال «الميم التي اختطفت الانتقال» المنشور على موقع الكتلة الوطنيّة.