أحدث المنشورات
التصنيفات
كلمات مفتاحية
- Home
- مقالات
لم تعد اللغة في سوريّا مجرّد أداة للتعلّم أو وسيلة للانفتاح، بل أصبحت ميدانًا للصّراع الرمزيّ بين القوى التي تتنازع الوعي قبل الأرض، فحين أُقرّت اللغة الروسيّة ضمن المناهج الدراسيّة في المدارس السوريّة بدءاً من العام الدراسيّ 2014-2015، لم يكن ذلك قرارًا معرفيًّا حرًّا، بل ترجمة لميزان قوّة سياسيّ وعسكريّ مفروض.
واليوم، يتكرّر المشهد بصورة أخرى مع اللغة التركيّة، التي تجاوزت حدود الشمال لتبلغ قلب العاصمة، وقد تجلّى ذلك بوضوح في زيارة السفير التركيّ إلى المعهد العالي للّغات بجامعة دمشق؛ زيارة لم تكن حدثًا بروتوكوليًّا عابرًا، بل إشارة رمزيّة إلى انتقال النفوذ اللغويّ من الأطراف إلى المركز، وإلى توظيف التعليم كقناة للنفوذ الناعم، وصياغة جديدة لصورة الحاضر والمستقبل.
إنّ افتتاح قسمين للّغة التركية في جامعتي دمشق وحلب، وتوقيع بروتوكولات لتعديل محتوى الكتب، وإزالة «الإشارات السلبية» منها، (أي العبارات أو الخرائط التي تقدّم الوجود التركيَّ في سوريّا بوصفه احتلالًا، أو تلمّح إلى نزاع على السيادة). ولا يمكن النظر إلى ذلك كعمل تربويّ معزول، بل كجزء من مشروع أوسع يهدف إلى إعادة تشكيل الذاكرة الوطنيّة وتطبيع صورة الفاعل الخارجيّ في الوعي الجمعيّ. ويظهر هذا التوجّه بوضوح في مثال واقعيّ حديث؛ إذ تضمّن المرسوم رقم (188) لعام 2025 إعادة تحديد العطل الرسمية في سوريّا، إذ أُبقي على “يوم الثورة السوريّة” و”يوم التحرير”، فيما أُلغي “عيد الشهداء” الذي يرمز تاريخيًا إلى إعدامات 6 أيار على يد جمال باشا السَّفّاح، كما خفّفت المناهج الجديدة الإشارات النقديّة إلى تلك المرحلة العثمانيّة.
إنّ هذا التحوير في التقويم والكتاب معًا لا يمسّ الشكل الإداريّ فحسب، بل يعيد ترميز الذاكرة الجماعيّة ويحوّل ” لغة المقاومة” إلى “لغة التطبيع“، في تماه دقيق بين السياسة واللسان، إذ تُستبدل الكلمات لتُستبدل بها تصوّرات التاريخ والسيادة.
لكنّ هذا التمدّد، وإن لم يكن على حساب العربيّة، أو إقصاء للغة الأم من موقعها في التعليم أو الحياة العامة، ينذر بخطر حقيقيّ يتمثّل في تسييس التعليم وتوجيه خياراته اللغويّة لخدمة النفوذ لا المعرفة، فاللغات حين تُفرض من الأعلى، تتحوّل من جسور للتواصل إلى أدوات للهيمنة.
ويمكن قراءة هذا التوجّه في ضوء ما قدّمه عالم الاجتماع الفرنسيّ بيير بورديو (Pierre Bourdieu، 1930-2002)؛ أحد أبرز منظّري علم الاجتماع الثقافيّ، الذي صاغ مفهوم «السيطرة الرمزيّة» بوصفه شكلًا من أشكال الهيمنة الثقافيّة التي تمارس عبر اللغة والتعليم، لا بالقوّة الماديّة.
فاللغة، في نظر بورديو، رأسمال رمزيّ يحدّد من يمتلك حقّ الكلام، ومن يُفرض عليه الصمت. ومن خلال هذا المنظور، يمكن قراءة خارطة التعليم في سوريّا بوصفها مجالًا لإعادة إنتاج علاقات القوّة، حيث تتحوّل المؤسّسة التعليميّة إلى مساحة لصياغة الولاء قبل المعرفة.
وهنا يتبدّى ما يمكن تسميته بـ «إعادة التشكيل المعرفيّ»، أي استعمال التعليم لتوجيه الوعي الجمعيّ نحو قبول النفوذ الخارجيّ بلباس لغويّ وثقافيّ ناعم. وقد يصل هذا النمط، في بعض مظاهره، إلى ما يشبه «الغسيل الرمزيّ للعقول» حين تُزرع المفاهيم داخل وعي الناشئة بوصفها معرفة، بينما هي في جوهرها آليّة ضبط، وإعادة إنتاج للهيمنة.
من هذا المنظور، يصبح إدخال لغات القوى المسيطرة في المناهج، من دون مسوّغات علميّة أو معرفيّة حقيقيّة، شكلاً من إعادة التّشكيل المعرفيّ الذي يوجّه وعي المتعلّم نحو قبول السلطة لا مساءلتها، فتُغرس المفاهيم والأولويّات في ذهن الطالب بطريقة تبدو ثقافيّة، لكنّها في جوهرها سياسيّة.
إنّ الكتلة الوطنيّة تؤمن بأنّ التنوّع اللغويّ يصبح ثراء حين يُبنى على الحاجة إلى المعرفة والتفاعل، لا على الخضوع لخرائط النفوذ، فالانفتاح الحقيقيّ لا يقاس بعدد اللغات التي ندرّسها، بل بقدرتنا على أن نختارها بإرادتنا الحرّة، ونوظّفها في بناء مستقبل وطنيّ مستقلّ.
والدفاع عن العربيّة، في هذا السياق، ليس مواجهة مع اللغات الأخرى، بل هو تأكيدٌ على استقلال القرار التربويّ، والحقّ في رسم سياساتنا التعليميّة، بعيدًا عن التوجيه الخارجيّ، فاستقلال اللغة هو أحد وجوه السيادة، كما أنّ تحرّر الوعي يبدأ بتحرّر التعليم من الإملاءات السياسيّة.
فالأمّة حين تختار لغتها ومسارها عن اقتناع لا عن إملاء، تعيد بناء كرامتها من أساسه، وحين يتعلّم الشابّ ليفهم العالم لا ليرضي السلطة، تبدأ أولى ملامح السيادة الحقيقيّة: سيادة الوعي.
إنّ أخطر ما يغيب في المناهج هو الزمن، فعندما يعاد رسم التاريخ، ليظهر العدوّ منتصراً، تُختزل الذاكرة في مشهد واحد يُعاد إخراجه على مقاس السلطة، وحين تتحوّل المدارس إلى ورش لإنتاج الولاء بدل إنتاج الوعي يصبح الماضي سلاحاً بيد الحاضر.
إنّ الأمّة التي تدرّس تاريخها بمحتوى معاد الصياغة ليتوافق مع إرادة الخارج، وتقيس شرعيتها بما يرضي المتحكّمين تفقد القدرة على السرد، فيصبح ما لا يُروى بصدق يُروى بالتزييف، وهكذا تُغتصب الذاكرة كما تُغتصب الجغرافيا، وتتحوّل المناهج الدراسية إلى خارطة صامتة لتاريخ محذوف أو مقلوب.
واليوم بينما تُقدَّم السلطة الانتقاليّة بوصفها مخرجًا من الأزمة، تعاد عبر المناهج والخطاب صياغة وعي جديد يجعل المؤقّت قدرًا دائمًا، ويتحوّل الانتقال إلى إقامة في المجهول. إنّها الكارثة التي تؤسّس بهدوء لأن يُدَّرب الجيل على قبول الزمن المعطوب بوصفه زمناً طبيعيّاً، وأن يُمحى الخطّ الفاصل بين الحقيقة والرواية.
لهذا، فإنّ معركة الوعي اليوم لا تُخاض بالسلاح، بل بالكلمة التي تستعيد التاريخ من أيدي من يكتبونه نيابة عنّا، فالأمم لا تهزم حين تدمَّر مدنها، بل حين تروي قصتها بلسانها المحرِّف.
من أجل وعي حرّ وتعليم سياديّ مستقلّ
د حنين الغزالي